آرثر كلاك متنبئ علمي يتحول خياله واقعًا

imgres.jpg
يمكن وصف آرثر كلارك، المولود قبل 100 عام، بأنه أبو الخيال العلمي المتحقق. فما تخيله في رواياته قبل 60 أو 70 عامًا صار واقعًا، وليست الأقمار الاصطناعية و”حارس الفضاء” إلا أنموذجين على ما يمكن أن يتحقق من نبوءاته في المستقبل.

يتطلب التنبؤ بالمستقبل معرفة عميقة بعلم الحاضر، ومخيلة واسعة وعبقرية جريئة متحررة من القيود. جمع المتنبئون الكبار مثل اتش. جي. ويلز وآرثر كلارك بين كل هذه الصفات.

درس آرثر كلارك الذي مرت الذكرى المئوية لميلاده قبل أيام، الفيزياء والرياضيات في كلية كينغ في لندن. وفي عام 1945، نشر حسابات تقنية تثبت إمكانية وضع أقمار اصطناعية في مدار حول الأرض عند خط الاستواء، لتكون متزامنة مع دوران الأرض إذا كان المدار على ارتفاع 35786 كلم. يُسمى هذا المدار الآن مدار كلارك. وكانت هذه الحسابات مقترح كلارك للاتصالات الفضائية عبر الأقمار الاصطناعية.

الخيال واقعًا

بعد نحو عقدين، أصبحت الاقمار الاصطناعية للاتصالات واقعًا. وليس مبالغة القول إننا ندين لكلارك بنمط حياتنا في القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك الإنترنت. فرغبة كلارك القوية في التنبؤ جعلته أكثر البشر حبًا للاستطلاع والمعرفة. وكان يتابع كل اكتشاف علمي يمكن أن يفتح الطريق أمام إمكانات خلاقة. ويتذكر تشاندرا ويكراماسينغي، عالم الرياضيات والفلك البريطاني ذو الأصل السريلانكي، أنه ابلغ صديقه كلارك في عام 1980 أن العلماء توصلوا إلى دليل قاطع على وجود جزيئات عضوية بوفرة في الفضاء. وسرعان ما تلقفت مخيلة كلارك الواسعة هذه الخبر لاستنتاج أن وجود جزيئات عضوية يجب أن يعني وجود حياة، وأن وجود حياة يعني بدوره وجود حياة ذكية عاقلة وكائنات فوق بشرية واعية في الكون.

ليس هناك بالطبع سبب للاعتقاد أن البشر هم الأرقى حين يتعلق الأمر بالذكاء. درس كلارك الأفكار التي تتحدث عن وجود كائنات حية خارج كوكب الأرض في أوضاع مختلفة، بما في ذلك سياستها ونزاعاتها كما ترد في سلسلة من روايات الخيال العلمي.

لم يتحقق تطور في العلم إلا وكان كلارك يتابعه عن كثب. وحين ظهر علم التكنولوجيا النانوية باكتشاف اشكال جديدة للكاربون كتب كلارك روايته “نافورات الفردوس” التي قدم فيها أول مرة فكرة المصاعد الفضائية التي تنزلق على اسلاك ذات قوة فائقة تتيح السفر من الأرض إلى مدار متزامن مع دوران الأرض (أي مدار كلارك). وبعد عقود على أفكار الخيال العلمي، هناك خطط جدية لبناء مصعد باستخدام “خيوط نانوية ماسية”. وتتوقع شركة يابانية بناء المصعد وتشغيله بحلول عام 2050. وحينذاك سيتحول الخيال العلمي إلى حقيقة.

حارس الفضاء

‘ندوب’ في الجليد من كوكب المشتري
يؤكد ويكراماسينغي أن كلارك كان مع السير فريد هويل من مؤيدي نظريته عن وجود حياة في الكون، وأنه تحدث كثيرًا مع كلارك عن المقاومة المجتمعية لأفكار جديدة مثل افكارهما.

في عام 2016، اعلنت وكالة الفضاء الاميركية (ناسا) خطةً لإرسال مسبار روبوتي إلى يوروبا، أحد اقمار المشتري، في عام 2031 للبحث عن حياة بحفر ثقب في القشرة المتجمدة للمحيطات التي يعتقد العلماء الآن انها موجودة تحت سطحه الجليدي.

في عام 1992، تفتت مذنب قادم من خارج المنظومة الشمسية وارتطمت شظاياه بكوكب المشتري. ولفت الحادث انتباه العلماء ليأخذوا على محمل الجديد امكانية ارتطام مذنبات بكوكب الأرض. وقال كلارك في حديث مع ويكراماسينغي أن هذا لن يحدث لكوكبنا في المستقبل إذا نفذ العالم الفكرة التي طرحها في روايته “موعد مع راما” الصادرة في عام 1972 عن استحداث منظومة إنذار مبكر بعد حادث اصطدام كويكب كارثي في الرواية. بالفعل بدأ منذ عام 1992 تنفيذ مشروع “حارس الفضاء”، كما سُمي في رواية كلارك، باستخدام شبكة من التلسكوبات تمسح السماء بحثًا عن كويكبات يمكن أن تهدد الأرض.

تتضمن روايات كلارك العديد من مثل هذه التنبؤات الجريئة التي صدق بعضها والبعض الآخر ينتظر إثبات صحته. ففي عام 2061، سيعود المذنب هيلي وسنعثر فيه على اشكال من الحياة تثبت نظرية ويكراماسنغي وهويل عن وجود حياة في الكون، كما توقع كلارك.

مصادفة احتفالية

إنها لمصادفة لافتة أن يمر بالأرض جرم طوله 200 متر في شكل سيجار، أطلق عليه العلماء اسم “أومواموا”، دافعًا بعض العلماء إلى التساؤل إن كان هذا الجسم سفينة فضائية مماثلة للسفينة الفضائية ذات الشكل الشبيه بالسيجار التي وصفها كلارك في روايته “موعد مع راما”. حتى إذا اتضح، كما هو مرجح، انها ليست سفينة فضائية من حضارات أخرى، فإن المصادفة تأتي احتفاء لائقًا بالذكرى المئوية لميلاد آرثر كلارك.

مذنب شوماكر الذي اصطدم مع المشتري في يوليو 1994
في الحقيقة، إن إصرار كلارك على وجود حياة عاقلة في الكون سابق لزمنه إذا نظرنا إلى التطورات العلمية الأخيرة. فنحن اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى القبول بأننا لسنا وحدنا في هذا الكون.

في عام 1964، أعلن كلارك في نيويورك: “إن التنبؤ بالمستقبل مهنة محفوفة بالمخاطر، لأن المتنبئ يقع حتمًا بين مأزقين: إذا كانت تنبؤاته معقولة يمكن أن نتوقع أن التقدم الذي يتحقق في العلم والتكنولوجيا خلال 20 أو على الأقل 50 سنة سيجعله يبدو محافظًا إلى درجة مضحكة. من جهة أخرى، إذا استطاع المتنبئ، باعجوبة ما، أن يصف المستقبل بدقة كما سيكون فإن توقعاته ستبدو غير معقولة ومبالغًا بها فيزدريه الجميع. كان هذا صحيحًا في السابق، ولا شك في انه سيكون صحيحًا في القرن المقبل ايضًا”.

أعدت “إيلاف” هذا التقرير بتصرف عن “ديلي تلغراف”. الأصل منشور على الرابط:
http://www.telegraph.co.uk/science/2017/12/17/friendship-arthur-c-clarke-scientific-prophet-made-modern-world/

عن موقع إيلاف