أنماط وتحديات الدعم الأمريكي للأكراد في سوريا

تحالفات تكتيكية:

مقاتلين أكراد داخل سوريا

تواصل الولايات المتحدة الأمريكية دعمها العسكري لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، ذات الأغلبية الكردية، في إطار حملتها العسكرية في سوريا التي تستهدف، مرحليًّا، خطة عزل الرقة (المعقل الرئيسي لتنظيم “داعش”)، تمهيدًا لإسقاطه في مرحلة تالية يُرجح أنها ستنطلق في يونيو المقبل. وبينما تعزز واشنطن علاقاتها مع “قسد”، فإن هذا الدعم يصطدم، على جانب آخر، بعلاقات واشنطن بحليفتها أنقرة التي تَعتبر “قسد” امتدادًا لـ”حزب العمال الكردستاني”.

وفي هذا السياق فشلت مساعٍ أمريكية لاحتواء الصدام التركي-الكردي في سوريا، فلجأت واشنطن إلى نشر قوات مارينز للفصل بين الفريقين في نقاط التماس، لاعتبارات تتعلق بحرص الأخيرة على منح الأولوية لعملية إسقاط الرقة.

وبالإضافة إلى هذه الإشكالية، من المتوقع ظهور تحديات أخرى في المشهد مستقبلا، لعل أبرزها معضلة اليوم التالي لمرحلة ما بعد تحرير الرقة في إطار تباين وجهات النظر إزاء مشروع الحفاظ على وحدة سوريا الذي تردده واشنطن والمشروع الكردي “روج آفا”.

مرحلتان أساسيتان:

يمكن تقسيم مراحل تطور التعاون الأمريكي- الكردي في العمليات العسكرية في سوريا ضد تنظيم “داعش” إلى مرحلتين رئيسيتين: الأولى، هى مرحلة استكشاف واشنطن للقوات الكردية (وحدات حماية الشعب الكردي) التي شاركت في المواجهات الأولى عام 2014 ضد تنظيم “داعش” في شمال سوريا في معارك كوباني (عين العرب) وتل أبيض والشدادي ومنبج؛ حيث حظيت باهتمام واشنطن التي كانت تبحث عن شريكٍ أولويته هي قتال “داعش”، وغير منخرط في تعقيدات المشهد السوري وتوازنات ومصالح الأطراف المعنية به.

 وقد تَمَثَّل الدعم الأمريكي في تلك المرحلة في توفير مظلة دعم جوي للقوات الكردية، كما ساعدت واشنطون في إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار بين تركيا والأكراد، وتشكيل آلية تنسيق لمواجهة “داعش”، وهي الآليات التي لم تستمر لفترة طويلة، حيث عادت تركيا وشنت حملة “درع الفرات”، واستمرت هذه المرحلة على هذا النحو حتى تشكيل “قسد”.

والثانية، هي مرحلة رفع مستوى التنسيق والتعاون بين واشنطن والأكراد، وهي الفترة التي واكبت إعلان تشكيل ائتلاف “قسد” في أكتوبر 2015، من مكونات عسكرية سورية متعددة الأعراق والمذاهب بأغلبية كردية تصل إلى الثلثين. وقد كان ذلك سببًا في جذب المزيد من الدعم الأمريكي، خاصة أن تلك الفترة شهدت تحفظًا أمريكيًّا على الطابع الطائفي لقوات “الحشد الشعبي” في العراق خلال المواجهات مع “داعش”.

أنماط مختلفة:

رفعت الولايات المتحدة -تدريجيًّا- سقف الدعم لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، بالنظر إلى تسارع وتيرة العمليات العسكرية باتجاه الرقة، حيث تشارك “قوات سوريا الديمقراطية” بدور بارز في المعارك، كما تؤكد ذلك بيانات وزارة الدفاع الأمريكية، التي تشير أيضًا إلى أنه لن يكون للقوات الأمريكية دور في المقدمة. ويمكن تناول أنماط الدعم الأمريكي للأكراد على النحو التالي:

1- التسليح: بدأت عملية التسليح الأمريكي المنتظمة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” بحسب ما أعلن عنه البنتاجون في أكتوبر 2015 عندما ألقت الطائرات الأمريكية 50 طنًّا من الذخيرة عبارة عن 100 حزمة في ميدان عمليات “قسد”. وتواتر الحديث منذ ذلك الوقت عن عمليات تسليح أمريكية للميليشيات الكردية.

وفي مايو 2017، نشرت Military Times الأمريكية تحقيقًا تضمن الكثير من الصور عن معدات أمريكية متنوعة، وقالت إن تلك المعدات قديمة نسبيًّا، لكنها موجودة بكثرة. في حين قال جون دوريان المتحدث باسم قوات التحالف ضد “داعش” في سوريا، في مطلع فبراير 2017، إن التحالف قدم عدة عربات مدرعة وأسلحة أخرى لمواجهة تهديدات المتفجرات الأرضية التي يزرعها “داعش”. غير أن مصادر دولية أخرى أفادت بأن التحالف زود الميليشيات الكردية بقدرات عسكرية نوعية إلى حدٍّ ما، مثل عربات “بيك آب” المدرعة المزودة بمدفع رشاش دون إحصاء لعددها، لكنها منتشرة مع عناصر “قسد”، وتظهر في المواجهات مع “داعش” بكثافة أيضًا.

وفي 9 مايو الجاري، أعلن البنتاجون رسميًّا عن عملية تسليح جديدة تزامنًا مع تطور العمليات ووصول “قوات سوريا الديمقراطية” إلى مشارف الرقة، دون الإشارة إلى تفاصيل كثيرة عن مكوناتها.

2- التدريب: قامت الولايات المتحدة بتدريب 3000 عنصر من “قوات سوريا الديمقراطية”، وفقًا لتقارير البنتاجون، وبدأت برامج التدريب لـ”قسد” متزامنة مع التسليح منذ أكتوبر 2015، حيث أُعلن عن توجه قوة عسكرية أمريكية قوامها 50 عسكريًّا من المارينز للقيام بمهام تدريبية للقوات الكردية، ومن الواضح أن البرنامج وقتها كان مقتصرًا على تأهيل تلك القوات على الأسلحة الأمريكية، بالإضافة إلى آليات التواصل مع وحدة مركز التنسيق التابع لقوات التحالف الدولي.

وقد أشار المتحدث باسم البنتاجون إلى أن هناك نحو 500 جندي أمريكي موجودين في سوريا، في حين أوضح أن هناك 400 آخرين وصلوا في مهام محددة ومؤقتة، مثل عمليات الإنزال الأمريكي في منطقة الطبقة لتحريرها ضمن خطة عزل الرقة في مارس 2017، كما كشف البنتاجون عن عملية إنزال في يناير الماضي في دير الزور، وكلتاهما كانت تهدف إلى قطع الطرق الرئيسية في مسارات خروج عناصر “داعش” من الرقة باتجاه الحدود العراقية، وهي عمليات تدريب ميداني مهم في نماذج حروب المدن.

فضلا عن ذلك، أعلن مسئولون أكراد، في مارس 2017، وفقًا لمواقع كردية رسمية، أن الولايات المتحدة تدرب عناصر شرطة مدنية كردية في منطقة عين عيسى شمالي كوباني تمهيدًا لنشرها في مدينة الرقة عقب تحريرها من “داعش”.

3- الاستشارات: تمثل الاستشارات والجانب الاستخباري أحد أوجه الدعم الأمريكي لـ”قسد”، وتُفيد تقارير صحفية أمريكية بوجود قوات أمريكية في قامشلي، في حين أشارت تقارير أخرى -ومنها لمعهد دراسات الحرب ISW- إلى تمركزها في منطقة رميلان.

تحديات عديدة:

يواجه استمرار الدعم الأمريكي للأكراد تحديات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- موقف أنقرة: تبدي تركيا رفضًا قويًا للدور الذي تقوم به “قوات سوريا الديمقراطية”، خاصة بعد إطلاق الأخيرة عملية “غضب الفرات” ضد “داعش”، وفي المقابل ترفض “قوات سوريا الديمقراطية” أي دور لتركيا في العمليات، وعلى الرغم من نجاح واشنطن كحليف مشترك للطرفين في الفصل بينهما، إلا أنه لا يبدو مستبعدًا اندلاع صراع بينهما مجددًا عقب نهاية العمليات.

وقد كان الدعم الأمريكي للأكراد أحد محاور المحادثات التي أجريت بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والتركي رجب طيب أردوغان، في 16 مايو 2017، حيث قال الأخير أن “استخدام الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب الكردية في المنطقة يتعارض مع الاتفاقات الموقعة معها ولن يكون مقبولا على الإطلاق”. في حين أعلن الرئيس الأمريكي عن “دعم تركيا في حربها ضد داعش وحزب العمال الكردستاني”، مشددًا على أنه “لن يكون هناك وجود للمنظمات الإرهابية في المنطقة”.

2- معضلة اليوم التالي: لم تتحدد بعد طبيعة الدور الذي ستقوم به المليشيات الكردية في مرحلة ما بعد معركة الرقة، حيث تطرح تساؤلات عديدة في هذا السياق دون إجابة واضحة، حول مدى إمكانية بقاء الائتلاف المكوِّن لـ”قوات سوريا الديمقراطية” على تشكيله، واحتمالات حدوث تغييرات في تلك التشكيلة في مرحلة ما بعد سقوط الرقة، لا سيما في ظل تقديم واشنطن الدعم لهذه القوات باعتبارها تتضمن التنوع العرقي والمذهبي المطلوب، خاصة العربي السني، الذي تركز عليه تصريحات وكتابات أمريكية عديدة.

يُضاف إلى ما سبق أن واشنطن دأبت على تأكيد الحرص على سوريا موحدة. وفي المقابل، لا يبدو أن هناك قناعات كردية بهذا السياق. فعلى سبيل المثال قال مسئول كردي أن هناك خططًا لتوسيع الرقعة التي يحتلها الأكراد في شمالي سوريا، حيث سيتم ضم معقل “داعش” في الرقة إلى منطقة “روج آفا”. وقال قيادي في “قسد” في لقاء مع Observer البريطانية إن هذا المشروع سيصل حتى ساحل المتوسط.

ختامًا، ورغم ما توفره واشنطن من دعم كبير للأكراد؛ إلا أن كل هذا الدعم لا يتجاوز الإطار التكتيكي الذي يرتبط بمشروع القضاء على تنظيم “داعش” في سوريا، ولا ينفي في الوقت ذاته أن واشنطن تبدو حريصة على الاحتفاظ بعلاقاتها القوية مع تركيا، وهو ما بدا جليًا في زيارة أردوغان الأخيرة إلى واشنطن.

عن موقع المستقبل