!احتلال القدس والوصاية على الحرمين.. خط دفاع جديد من أجل القدس شرط

 إ.إبراهيم قراغول

ثمة اتفاق سري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وولي العهد الإماراتي الأمير محمد بن زايد من جهة ثانية وراء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل.

فسلمان وزايد يسعيان لتغيير العالم العربي من جذوره والتخلص من السياسات التقليدية وإطلاق موجة جديدة من القومية العربية وتشكيل “الجبهة العربية الكبرى” في مواجهة إيران، وقد نفذ الاثنان أولى العمليات داخل السعودية؛ فقاما بتصفية كل من ارتبط بالإدارة القديمة واعتقلا الأمراء ورجال الأعمال وصادرا ممتلكاتهم، وهما بذلك يوفران التمويل اللازم للجبهة الكبرى المضادة لإيران ويخطَون خطوات صادمة بالنسبة للعالم الإسلامي.

مشروع إسرائيلي بوساطة سعودية – إماراتية

إنهما يريان الإسلام والقدس والحرمين وكل ما يتعلق بالقيم الإسلامية جزء من الهوية العربية، ويحوّلانها إلى مادة مستغلة في التحالف مع أمريكا وإسرائيل، بل يرَيانها كأشياء يمكن التغاضي عنها في سبيل حماية سلطاتهما وإعادة تشكيل العالم العربي على حسب أهوائهما.

إن هذا المشروع هو مشروع من صناعة المحافظين الجدد في أمريكا واليمين المتطرف في إسرائيل. ولقد نفذوا هذا المشروع في انقلاب 1997 في تركيا، واليوم ينفذون مشروعا مشابها في العالم العربي. فمن حاولوا إسقاط النظام في تركيا بواسطة منظمة غولن الإرهابيّة يخدعون اليوم هؤلاء الشباب من خلال “القومية العربية” من أجل تجربة تنفيذ مشروع جديد. بيد أن انقلاب 1997 ومحاولة انقلاب 15 يوليو/تموز وكذلك المشروع الذي ينفذ في العالم العربي اليوم هو جزء من مخطط الغرب لإعادة رسم ملامح المنطقة. ولقد أصبح تسويقهم لهذا المشروع من خلال مصطلحات زائفة مثل “الإسلام المعتدل” تكتيكًا عفا عليه الزمن.

شراكة الشر الكبرى

لنقلها صراحة؛ إنّ محمد بن زايد يخضع لإدارة مباشرة من الغرب والاستخبارات الإسرائيلية، فالمشروع يروّج من خلاله، وهذا المشروع هو “شراكة شر” أسست على تمزيق الأراضي العربية ونهب مقدراتها و”بيع” كل ما يملكه المسلمون.

وبصفتي متابع عن كثب لكل مخططات الهدم التي تنفذ في المنطقة حتى يومنا هذا، فإنني أرى أن هذا المشروع هو مخطط لتدمير المنطقة، وهو أخطر مما نتخيل. ولقد خُطّط له لتشكيل جبهة حربٍ ضدّ إيران والتفريق بين المسلمين العرب وغير العرب، فالعالم الإسلامي يواجه تهديدًا كبيرًا للتمزيق أكبر من مشكلة الصراع المذهبي.

احتلال القدس والوصاية على الحرمين

ربما يكون محمد بن سلمان ومحمد بن زايد آخر عناصر الهجوم الغربي الذي يستهدف منطقتنا، وسيكون تأثيرها على المنطقة كتأثير القنبلة النووية، فمخطط الاحتلال الكبير الذي يستهدف المنطقة يروّج من خلالهما.

أعتقد أن كليهما توصل إلى اتفاق سري بشأن كامل أراضي فلسطين، فأقنعا بتمزيق السعودية وتوصّلا إلى اتفاق يتعلق بإدارة خاصة تضمّ مكة والمدينة، لتكون هذه الإدارة تحت الوصاية الأمريكية – البريطانية – الإسرائيلية. وبهذه الطريقة سيسيطرون على القدس بالاحتلال وعلى مكة والمدينة بالوصاية.

وحينها سيواجه العالم الإسلامي معركة جديدة لحماية مقدّساته. لقد خان هذان الزعيمان العالمَ العربيّ من خلال خطاب “الجبهة العربية” تحت مسمّى “الحرب ضدّ إيران”، كما باعا الأراضي العربية وفتحوا الباب أمام تمزيقها.

وحينها ستقوم الدنيا ولن تقعد!

يعتبر هذا الزعيمان ممثّلَين عربيين لخيانة منظمة غولن الإرهابية لتركيا، ولا ينحصر الدور الذي يلعبانه فقط بالتغيير الذي تعيشه السعودية؛ إذ إنهما تحركا كأداتا احتلال غربيتين. سيفهم الجميع هذا التهديد والمشروع الجديد مع الوقت، وحينها ستبدأ مقاومة إقليمية استثنائية.

يظهر الآن شيئا فشيئا كيف باعوا القدس وفلسطين، وعندما يتضح أنهما باعا حتى بلادهما وأنها مجرّد لعبة بأيدي الاستخبارات الغربية باعا ستقوم الدنيا ولن تقعد.

ليست جبهة قتال إيران، بل جبهة قتال الإسلام

ولهذا ليست القضية متعلقة فقط بفلسطين والقدس، بل إنها سعي لتشكيل مقاومة إقليمية من خلال “الدفاع عن القدس” لمواجهة المخطط الذي يهدد المنطقة. وأنا واثق من أنّ جميع الدول غير العربية، وعلى رأسها تركيا، رأت الخطر. ولهذا فإن حساسية القدس تلقى دعمًا كبيرًا، كما أنّ المقاومة الإقليمية ستكبر وتقوى وتشهد خطوات ملموسة والبحث عن خيارات جديدة.

إن الجبهة الممتدة من الإمارات إلى الرياض ثمّ إلى سيناء ليست جبهة قتال ضدّ إيران، بل جبهة قتال ضدّ العالَمين العربي والإسلامي. ومن قالوا “ستنقل الحرب إلى قلب الإسلام” أسّسوا جبهة المعارك ضدّ الإسلامي من خلال خطّ القدس – مكة. فالعالم الإسلاميّ أمام اختبار الدفاع عن مقدساته.

يجب تجريد هذين الزعيمين من سلطاتهما 

إنها ليست قضية إسلاموية أو أيديولوجية، بل هي قضية مستقبل العالم الإسلامي، كما أنها – في الوقت نفسه – أهم جزء من تصفية حسابات القوى العالمية، وهي كفاح جيوسياسي. وبناء عليه؛ فإنّ جميع البلدان المعارضة لطموحات أمريكا الاستعمارية والمنزعجة من التهديد الإسرائيلي ستدعم مسيرة الكفاح التي صارت القدس رمزًا لها.

لا بد أن تكون أولى مهام المقاومة انتزاع “الدمى الجديدة” من أيدي أمريكا وإسرائيل، وتقييد قوى هذين الزعيمين العربيين، وهو ما يستلزم رد فعل جماهيري في العالم العربي، وهو ما يتطلب بدوره توضيح مدى هذا الخطر وتلك الخيانة.

ضرورة تشكيل “محور مقاومة إقليمي” جديد

يجب على الدول الإسلامية تشكيل تحالف إقليميّ جديد يدعم المنطقة ويتخذ موقفًا لمواجهة وتيرة تغيّر القوى على المستوى العالمي. كما يجب إلغاء الكيانات منتهية الصلاحية مثل منظّمة التعاون الإسلامي، لأنهم سيرغبون في استغلال هذا الكيان مستقبلًا ليلعب دورًا مشابهًا.

ينبغي لتركيا قيادة هذه المبادرة، ويجب على الدول الإسلامية الآسيوية والشمال أفريقية الانضمام لهذا التحالف الجديد. كما يجب أن ينضم له من الدول العربية كل من يعارض الخطر والخيانة. ويجب التخلي عن الصراعات المذهبية والخلافات الكلاسيكية، وينبغي أن تجتمع 10 بلدان على الأقل بشكل عاجل من أجل تشكيل خط المقاومة المشترك هذا.

لا يمكن المساومة على المدن المقدسة

يجب التحرك فورًا لحماية المدن المقدسة مثل القدس ومكة والمدينة، كما يجب انتزاع حقّ قيادة هذه المدن من الزعماء الذين استسلموا لشبكة الاستخبارات الأمريكية – الإسرائيلية، ويجب عدم السماح للمساومة بشأن تلك المدن.

يجب إنشاء آلية دفاع مؤثرة بين الدول الإسلامية القوية، وتشكيل كيانات رفيعة جديدة في المجالات الاقتصادية والسياسية والدفاعية، وتشجيع الشراكات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية.

ينبغي توجيه رسائل قوية للغاية واتخاذ خطوات رادعة خلال قمة مجلس التعاون الإسلامي التي ستستضيفها تركيا الأربعاء المقبل، كما يجب أن تجتمع بعض الدول فيما بينها لتشكيل نواة محور مقاومة جديد، وذلك في حالة فشل تشكيل محور كهذا تحت مظلة المنظمة.

ربما يكون غضب القدس والتغيير الصادم نذيرًا

إن الحساسية التي يشعر بها المسلمون اليوم إزاء القدس تثبت لنا أنّ الأمر أصبح ضرورة حتمية. فما يحدث اليوم هو محاولة لتحريك المقاومة الإقليمية، ويجب نشر هذا السعي وتغذية هذه الروح بالإصرار في جميع الدول. فإذا بذل المجهود اللازم فسيفشل مشروع الاحتلال الجديد الذي أطلق من خلال الإمارات والسعودية.

ربما يتحول الغضب بشأن قضية القدس إلى مبشر بتغيير صادم، وإذ بدا الآن بشكل متشائم. فبعض الحكومات وزعماؤها ربما يواجهون فقدان أهلية إدارة المنطقة وكذلك شعوبهم، ولعلنا نرى العالم الإسلامي يعاقب، بغضب سياسي كبير، الحكومات المتواطئة مع أمريكا وإسرائيل.

الجبهة ستدمر

ربما يكون البعض قد خططوا لما بعد هذا التمرد، لكن الهدف الأول لغضب القدس سيكون ذلك التحالف السري وقادته، وحينها ستدمر القدس تلك الجبهة. ذلك أنّ العالم الإسلامي يشهد موجة مقاومة جديدة طبيعية ومحلية. وما يقع على عاتقنا هو دعم هذه الموجة لتكبر، وهذا ما سنفعله لأن هذه المهمة هي مهمة دفاعية عن الوطن.

فلتكبُر هذه الموجة التي صُبّت علينا.

حتى نكبر نحن.

لأنّها ستكون دفاعًا عن الوطن.

عن موقع ياني شفق