الأحزاب الكردية ونهاية الآيديولوجيا

 إ.صالح كيلو نعسان 

لكارل ماركس آراء في بناء المجتمعات البشرية وانهيارها، أختصرها في النقاط الثلاثة التالية:

1- يحدث التطوّر وفق ما يلي: تتطوّر وسائل الإنتاج (الآلات)، فيؤثّر هذا التطوّر على عقل البشر، ثم يرتفع مستوى الوعي. ووفق الوعي الجديد، تتبدّل التركيبة الاجتماعية.

2- كل مجموعة ايديولوجية تنتهي صلاحياتها عندما تصل الى سقفها النهائي، حيث يمنعها جمودها العقائدي من الإتيان بأي جديد.

3- إذا حدث خلل ما في البنية الاجتماعية، فمن المؤكّد انه حدث خلل، قبل ذلك، في البناء الفكري الذي تقوم عليه الروابط الاجتماعية لتلك البنية.

يوضح ماركس في هذه المقولات بشكل جلي؛ تشكّل البنيات الاجتماعية، وتطوّرها، بالتلازم مع تطوّر وسائل الانتاج. ويبيّن أن شروط استمرار تلك التشكيلات هي التجديد المتواصل. ويؤكّد على انهيارها بعد ظهور الخلل في بنائها الفكري، عندما تمتنع عن السير بالتوازي مع الأبوستومولوجيا (نظرية المعرفة)، وتتحول الى الآيديولوجيا الدوغماتية (العقائدية) الجامدة.

إذا انطلقنا من تلك المقولات، واعتبرنا، جدلاً، أن تاريخ الولادة الفكرية والسياسية لماركس كان عام 1848؛ اي عام كومونة باريس، وإصدار البيان الشيوعي (المانافيستو)، من منطلق ان هذا التاريخ يحدد وصول وعيه الى اقصى درجاته، كإنسان ينتمي الى عصر معين. وإذا نظرنا الى فكر ماركس في سياقه التاريخي، نجد ان تطور وسائل الإنتاج في ذلك الوقت، كان يعتمد على الدولاب البخاري، ويتم تحت عنوان الحركة الميكانيكية. وبالنتيجة، ووفق مقولاته السابقة، فإنه كإنسان وابن عصر معيّن لتطور وسائل الإنتاج، لا يستطيع ان يكون متطوّراً بفكره لما بعد عنوان ذلك العصر لتطوّر الحركة الميكانيكية. حتى إذا اعتبرناه مفكراً وطليعياً ومتقدماً على عصره، فأنه يستطيع التكهّن حتى نهاية عصر الدولاب بكل أشكاله؛ البخاري والديزل والكهربائي. بعد ذلك، وكتحصيل حاصل، سيتوقّف تكهّنه، لأنه يعتمد على الوعي المرتبط بتطوّر وسائل إنتاج عصر الحركة الميكانيكية. وبالتالي، إذا حكمنا على ماركس وفق وجهة نظره في التطوّر، سنقول: فكرياً، كان عليه التجديد او الرحيل في نهاية عصر الحركة الميكانيكية، بعد سيطرة عصر الكهرومغناطيس كعنوان جديد لتطور وسائل الانتاج، أي بعد ظهور الاقمار الصناعية، وغزو الفضاء، وهيمنة انظمة التحكم عن بُعُد.

كذلك وفق هذا المنظور، كان على الامبراطورية السوفياتية المترامية الأطراف، إعادة النظر في بنائها الفكري، واختيار التجديد، او انتظار التعفّن والإنهيار. لقد خالفت الدولة السوفياتية المستندة على فكر ماركس قواعد التطوّر، ورفضت اية محاولة للتجديد، بل وقفت في وجه ذلك بالحديد والنار، تحت ضغط  هَيمَنَةُ الآيديولوجيا. ورفضت تجديد نفسها بالاعتماد على الشروط الأبوستومولوجية التي وضعها كارل ماركس نفسه. ثم انهارت دولة “السوفيات” فجأة لان بنائها الفكري تعفّن، ولم يعد قادراً على تحمّل ثقل تلك الدوغماتية، كما توقع ماركس.

مناسبة الحديث عمّا سلف ذكره هو التعريج على أحوال احزابنا الكردية التي تعمل حتى الآن وفق نهج ستالين، او أرنسو تشي غيفارا، او الاثنين معاً، وتتجاهل تاريخ وفاة ستالين هو عام 1954، وأن تاريخ مقتل غيفارا كان عام 1967، وتاريخ انهيار الدولة السوفياتية هو عام 1991، وان التجربة الشيوعية السوفياتية تركت وراءها في كل انحاء العالم ديكتاتوريات أغرقت شعوبها في الجوع والتخلّف والموت البطيء، وغيّرت المفاهيم النضالية بتحويل الأحزاب الشيوعية كلّها إلى جواسيس في خدمة المخابرات السوفياتية، تتجسس على مواطنيها وأوطانها، وتدعم الديكتاتوريات والطُغَم العسكرية الفاشية. تلك الاحزاب، يبدو أنها تتناسى ايضاً الحالات التالية:

بعد مقتل غيفارا في بوليفيا كتب زميله ورفيق نضاله الصحفي والمفكر الفرنسي ريجس دوبرييه ورقة نعيه، بمجموعة من الكتب والروايات، وخاصةً كتاب “ثورة ضمن الثورة”، منتقداً النهج الدوغماتي الطوباوي في الثورة المستمرّة ضد الإمبريالية، بدون تحديد الغاية والهدف الإنساني النبيل لها. هذا النهج الذي اوصلهم الى الإحباط والإفلاس ومقتل غيفارا، كنتيجة حتمية لسياسة المغامرة، والاندفاع الانتحاري. واصفاً حرب الانصار، او حرب البؤر الثورية، او حرب العصابات او “الغيريلا” كما تسمى بالانجليزية، التي خاضوا تجربتها في بوليفيا، بأن هذا النوع من النضال الذي كان يرضي غرور جيل الشباب واندفاعهم وحماسهم وتهورهم، لم يَعُد مجدياً.

وأن ديكتاتور الصين ماو تسي تونغ الذي أعدم أكثر من مليون صيني على أعواد المشانق وفي الساحات العامة، تحت ذريعة “الثورة الثقافية”، مدافعاً عن حكمه المطلق، فشل ومات، لتنبعث الصين عملاقاً اقتصادياً، بعد ما تخلّت عن “ستالينية” ماو المقيتة.

يتمتّع مواطن كوريا الجنوبية بالحياة الرغيدة والحرية والدخل المرتفع، بينما قريبه في كوريا الشمالية يعاني الفقر والجوع، ومعرّض للإعدام، اذا لم يقلد طريقة الزعيم في حلاقة شعره، او لمجرد السهو والإتيان بحركة يفسرها النظام، بمخالفة تَنُمُ عن عدم تقديس القائد المنتمي الى سلالة الديكتاتور كيم ايل سونغ، السيّئ الصيت. في السياق ذاته، وبعد ستين سنة من افقار وإذلال الشعب الكوبي، أقرّت كوبا فيدل كاسترو وأخيه راؤول، بأن نظامها الشيوعي فشل فشلاً ذريعاً، وأن الديماغوغيا التي مارستها هافانا تحت عنوان “الانتصار على ديكتاتورية باتيستا” كانت كذبة كبيرة.

بالرغم من تلك الأحداث، فإن احزابنا الكرديّة الموقّرة ما زالت متمسّكة بالنهج الستاليني والغيفاري في كل من سوريا وتركيا. ففي سوريا، تعتبر نفسها شرعية، وتنفي تلك الشرعية عن غيرها من الأحزاب المماثلة لها في الشكل والمضمون، رافعةً شعار الشمولية، كما كل الأحزاب التي ما زالت ترى ضالتها في الستالينية. في حين أنها أحزاب ديكتاتورية حيث ان الديموقراطية التي تمارسها، تشبه تماماً ديموقراطية الأحزاب الشيوعية التي تهيئ الحلقات الدنيا قبل الانتخابات من أجل ضمان نجاح قيادة الهرم الحزبي. تلك الشمولية والديكتاتورية، والأسلوب الستاليني في العمل والتعامل بشكل عام، يؤدي بطريقة تلقائية الى ردّة فعل القواعد الدنيا، ومن ثم الشرذمة، وابتعاد الطبقات المثقفة، وتوالي الإنشقاقات، وازدياد اللامبالاة واليأس، ولجوء الشباب الى الحلول المتطرفة؛ إما الانضمام الى المجموعات الراديكالية، او الهروب من الواقع والهجرة النهائية الى بلدان اللجوء. فتفقد الحركة السياسية الحد الأدنى من الثقة، وتتحوّل الى خصم للمجتمع، ومشجب لتعليق الذنوب التي ارتكبتها والتي لم ترتكبها، لتجلس في قفص الاتهام، متحملةً اوزار انهيار البنية الاجتماعية.

اما الحركة الكردية السياسية في تركيا، المؤثّرة بشكل مباشر على السياسة الكردية في سوريا منذ أيام الـ”آبو عثمان صبري” المناضل الوطني العنيد، والديكتاتور العشائري النزيه، والذي كان يرفض كل قواعد الفكر السياسي، ويحصر الحزب في نفسه أولاً وأخيراً، ويكافح كل تيار مثقف في الحركة.

هذا القسم وخاصة حزب العمال الكردستاني، الذي تأسس في وقت كانت اساليب جيش تحرير الشعب التركي المصاب بـ”مرض الطفولة اليساري”، مهيمنة على جيل الشباب في تركيا، بمن فيهم الشباب الأكراد. حيث انتهى هذا الجيش، في وقت قصير بعد قيامه، بأعمال انتحارية في اسطنبول وغيرها.

تبنى العمال الكردستاني الغيفارية كمدرسة للكفاح المسلح. وحاول بكل الوسائل اثبات انه قادر على حرب الأنصار، مقتدياً بتجربة غيفارا الوحيدة في بوليفيا لمدة اكثر من عشرة سنوات. لكنه أعاد النظر في استراتيجيته، بعد إتفاق العديد من الجهات الدولية على اخراج السيد عبدالله اوجلان من سوريا واعتقاله من قبل اجهزة الأمن التركية، بطريقة دراماتيكية تنم عن اتفاق مسبق بين جهات عديدة، بما في ذلك النظام السوري. بعد ذلك، حافظ الحزب على معسكراته في جبال قنديل، ليقوم أحياناً ببعض الصدامات مع الجيش التركي، في انتظار حل ما، ما زال مرتبطاً بالمصلحة السياسية للدولة التركية، وليس بحق وإرادة الشعب الكردي في تركيا، التي تحتفظ بالسيد عبدالله اوجلان في السجن السياسي كرهينة ابدية، منتظرة الحل وفق شروطها المجحفة.

بقيت العقلية الغيفارية العسكرية طاغية على النهج السياسي للعمال الكردستاني الذي رفع شعارات كثيرة متبدّلة بسرعة مذهلة، وصولاً الى الإدارة الذاتية والأمة الديموقراطية، ذات الهوية الضبابية. السمّة الواضحة لسياسته كانت السير المتواصل على حافة الهاوية، وإتباع اسلوب المغامرة بحدها الأقصى، على مساحة كردستان كلها، منشغلاً بشحن عواطف بسطاء الكرد، وما هبّ ودبّ من اصحاب المصالح الخاصة، لاستخدامهم ضد الكردي السياسي المختلف، بالديماغوغيا السياسية حيناً، وبالقوة العارية احياناً اخرى.

ادت سياسة حافة الهاوية خلال ثلاثين سنة الى تفتيت المجتمع الكردي، وخاصة في سوريا. وانفجار بنيان العائلة الكردية من الداخل، وضياع المفاهيم النضالية المعتمدة على الحد الأدنى من العقلانية السياسية. وخلقت تياراً ايديولوجياً دوغماتياً متزمّتاً، رافضاً لكل ماهو مختلف.

لقد اقترب هذا التيار الغيفاري من الدخول الى عنق الزجاجة، كما سبقه الى ذلك الحيّز التيارات الستالينية النهج والسلوك في سوريا. فبالرغم من المحاولات المستميتة لتسجيل بعض الانتصارات العسكرية في الساحة السورية، وبالرغم من الحصول على ثمانين نائباً في البرلمان التركي في ظروف خاصة قد لا تتكرر. إلاّ أن سياسة حافة الهاوية دفعته الى الضياع في نشوة الانتصار. فترك كوباني بلا حماية، وكانت المذبحة. وقد تدفعه تلك السياسة المغامرة الى ارتكاب الخطأ القاتل في الساحة التركية، ما أدى الى ضياع اول انتصار برلماني ساحق كان ينتظره منذ امد بعيد.

كانت البنية التحتية لهذين التيارين السياسيين، في كل من سوريا وتركيا، بدأت تتخلخل منذ ما قبل الحدث السوري. وكانت الفرصة مواتية امامهما للاستفادة الى حد ما من ظروف الحدث؛ بالاتفاق اولاً، ومحاولة التضافر من اجل الحفاظ على المنطقة الكردية آمنة من البطش، والابتعاد عن ما تسمى بالثورة السورية ذات التوجه الطائفي، ومنعها من الاقتراب من المنطقة الكردية، والعمل بعقلانية على  التواصل مع الفئات والأقليات السورية المعارضة للنهج الطائفي، لتشكيل جبهة ترفض ما يحدث، وتعمل من اجل سوريا وطناً للجميع. لكن الصراع القديم ظل مستمراً، بدون الاستفادة من الفرص التي كانت متاحة لهما، كما كان متوقعاً. ما ادى الى بدء خلخلة بنيتهما الفوقية ايضا، بالرغم من محاولات الترقيع المتواصلة.

في المحصلة، إن الحركة الكردية في كل من سوريا وتركيا تعيش ازمة بنيوية عميقة. وأوردت بعض الملاحظات النقدية كأمثلة على ذلك الواقع الغارق في فكر انتهت صلاحياته منذ أمد بعيد، وعلى ضوء ما توقّعه كارل ماركس. على أمل ان تنتبه وتعيد النظر في بنائها الفكري، وسلوكها السياسي ولكي لا تؤدي نظرتها الاستعلائية والشمولية الى جرّ الشارع الكردي نحو متاهات صراع اللاجدوى، وضياع ما تبقى من جيل الشباب التائه في دوامة بلا قرار. ومن اجل ألاّ ترتكب المزيد من الأخطاء التي قد تكون قاتلة للجميع.

عن موقع المركز الكوردي السويدي للدراسات