“الإطار التنفيذي” واعتراضات الأكراد وغيرهم

قبل شهر أيلول/ سبتمبر 2016، طرحت الهيئة العليا للمفاوضات مشروعًا للنقاش، كان مطلوبًا من اجتماع أصدقاء سورية ومن الأمم المتحدة، ثم قدّمته في 16 أيلول/ سبتمبر بعنوان: “الإطار التنفيذي للعملية السياسية وفق بيان جنيف 2012″، وقد عكف الائتلاف، عبر هيئته السياسية، على مناقشة المشروع بعمق وجدّية، وعلى مدار أسابيع قدّم فيها ملاحظاته، وصياغات بديلة لما ارتآه ضروريًا، في حين لم يُناقش ما يُعرف بـ “المبادئ” في هذا المشروع، لوجود تباينات كبيرة سنتناولها لاحقًا.

الهيئة العليا للمفاوضات -لأسباب ارتأتها- لم تأخذ بملاحظات وتعديلات الهيئة السياسية في الائتلاف؛ مما ألقى بظلال من الاختلاف، يضاف إلى عوامل أخرى تسهم في تعكير الأجواء التي يجب أن تكون طبيعية، وجيدة.

يقع المشروع في 21 صفحة، مع العنوان، يتناول:

– مقدمة

– مبادئ عامة

– أولًا – مرحلة التفاوض وإقرار المبادئ الأساسية للعملية الانتقالية

– ثانيًا – المرحلة الانتقالية

– ثالثًا – الحالة النهائية

– ملحق

لن يتيح مقال بهذا الحجم مناقشة ما ورد من تصورات وبنود في المقدمة، والعملية الانتقالية بمراحلها الثلاث، وإن كانت تلك المواضيع جديرة بالدراسة والنقد، لذلك سنُركّز على ورقة “المبادئ” العامة، خاصة البند الأول منه الذي ينصّ على:

“سورية جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، واللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وتمثل الثقافة العربية الإسلامية معينًا خصبًا للإنتاج الفكري والعلاقات الاجتماعية بين السوريين على اختلاف انتماءاتهم الإثنية ومعتقداتهم الدينية حيث تنتمي أكثرية السوريين إلى العروبة وتدين بالإسلام ورسالته السمحاء التي تتميز بالوسطية والاعتدال”.

تقدّم المجلس الوطني الكردي بمذكرة تتضمّن مجموعة من الملاحظات والتعديلات والتحفظات، وعلى سبيل المثال، هو يرى أن سورية بلد متعدد الأعراق والقوميات والثقافات، ويتحفظ على مفهوم الإدارة اللامركزية بكل مستوياتها، ويطرح الفيدرالية بديلًا لها، وأحيانًا ما يُعرف بمصطلح اللامركزية السياسية، وإن سألت المنادين به لوصفوه بأنه يشابه الفيدرالية ويتقاطع معه في الجوهر، لكن التحفظ الأكبر ورد على الفقرة التي أشرنا إليها.

بدورهم، المجلس التركماني السوري، والمنظمة الأثورية السريانية، قدّما عددًا من الملاحظات التي تتناول ضرورة الحصول على المزيد من الحقوق لهذين المكوّنين، واعترضا بأن ما ورد من ذكر المكونات، والنظام الديمقراطي الذي يحقق المساواة الكاملة بين السوريين على أساس المواطنة، ووفق دستور عصري، وقوانين ناظمة، لا يكفي ولا يلبي المطلوب.

على صعيد الائتلاف، حاول مندوبو المجلس الوطني الكردي فيه دفع الائتلاف ليقوم بعملية التغيير، واستبدال مسألة الانتماء للوطن العربي، وقضية الثقافة العربية الإسلامية بصيغ أخرى، لكن التفاعلات الحارة، ووجود تباينات في المواقف واسعة منعت الوصول إلى تفاهمات في هذا الشأن.

استند بعض المعارضين إلى فكرة أن يقوم الائتلاف بتغيير تلك الصيغة، إلى عدم صلاحية الائتلاف بالتغيير، فالوثيقة صاغتها الهيئة العليا، وهي صاحبة الصلاحية بالتعديل، وتضمين الملاحظات التي وردت، وهناك من رفض التعديل من خلفية تداعياته خاصة بوجود نصّ مكتوب، حيث سيستغل كثيرون ذلك ضد الائتلاف، أو ضد من يقبل بالتعديل، وسيوظف الأمر ضمن شبكة خلافات السوريين.

لكن الجوهر في الموقف الرافض للتعديل قناعة العديدين بأن سورية هي جزء صميمي من الوطن العربي، وأن هذا من محددات انتمائها، بغض النظر عن وجود قوميات أخرى، وحجم الخلاف حول حقيقة “كردستان سورية”، أو ما يسميها البعض بـ “كردستان الغربية”، ويرفضها عدد كبير من العرب، ويحاجّون في أنه لا وجود لما يسمى بـ “كردستان” سورية.

ضمن التفاعلات التي حدثت، ردّ العديد على منطق المجلس الوطني الكردي الذي ينصّ في جميع بياناته على “كردستان سورية”، وكيف يسمح لنفسه باستخدام هذا الأمر القومي المختلف عليه، ويحرّم على العرب أن تكون سورية جزءًا من الوطن العربي.

لقد حصل تقدّم كبير في وعي ومواقف القوى “العربية” بشأن المسألة الكردية، وحقوق الأكراد في سورية، وقد نصّت معظم الوثائق الصادرة عن أطراف المعارضة عن الحقوق المتساوية، وأكثر من ذلك في حقوق الأكراد اللغوية والثقافية، وإلغاء قوانين وإجراءات التعسف، والتعويض على المتضررين، وقصة الجنسية والمحرومين منها. وفي الوثيقة الموقعة بين الائتلاف والمجلس الوطني الكردي نجد بنودًا متعددة ذهبت إلى سقوف عليا، ما يزال العديد لا يوافق عليها.

لقد نصّت تلك الوثيقة، مثلًا، على مصطلح “الشعب الكردي”، وهو أمر مُختلَف عليه، حيث أن تكريسه، في مفهوم البعض، يعني الإقرار بأن سورية مكوّنة من مجموعة من الشعوب، وهذا يصبّ في مجرى التقسيم والتفتيت، كما عُدّت المسألة الكردية قضية وطنية سورية بامتياز يجب أن يدافع عنها ويحملها السوريون، والعرب منهم قبل غيرهم، وأن يعملوا على تكريسها في الوعي والنصوص.

في الوقت نفسه، هناك تخوفات متقاطعة لدى العرب والأكراد تحتاج إلى نقاشات واضحة وجريئة وصولًا إلى تفاهمات معتمدة حول ما يجري الاتفاق عليه، وترك الأمور الخلافية للحوار المفتوح.

يتخوف العرب السوريون المهددون بتقسيم بلادهم جدًا، يتخوفون من مشروع كردي تقسيمي ترعاه وتدعمه دول كبرى وكثيرة، ويرون في هذه الأطروحات تمهيدًا له يخرج عن قصة حقوق قومية معينة إلى ما هو أبعد، ولدى الأكراد تخوفات من عدم وفاء القوى السياسية بالالتزامات المكتوبة، أو النكوص عنها، وأخرى تتعلق برفض قطاعات عربية معارضة لوجود مسألة كردية خاصة في سورية، فضلًا عن رفض أطروحة كردستان سورية من أصلها.

كما أن حالات الابتزاز السياسي التي تحصل نتيجة تعقد المسألة السورية، وما يفعله “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي (بي واي دي) من ممارسات تقسيمية وشوفينية، تجعل معظم الاتجاهات العربية متخوفة من قادم تفتيتي تلوح مؤشراته عبر ممارسات لم تعد خافية.

إن قيام حوار مفتوح بين المجلس الوطني الكردي، وكلٍّ من الائتلاف، والهيئة العليا للمفاوضات، وأطراف المعارضة الرئيسة، حول مسائل الخلاف أمرٌ ضروري ويجب إنجازه وصولًا إلى الاتفاق حول ما يمكن الاتفاق عليه، والالتزام به، وإبقاء مسائل الخلاف على طاولة الحوار، وتدعيم موقع، ومواقف المجلس الوطني الكردي الذي يؤكد على وحدة سورية جغرافيًا وسياسيًا ومجتمعيًا.

وفي حين يترسّخ الإيمان بأن الدولة المدنية الديمقراطية التي تقوم على أسس المساواة بين السوريين، بغض النظر عن الجنس والقومية والدين والمذهب، وعلى أساس المواطنة، يمكن أن تسوي كثيرًا من المشكلات والتباينات.. فإن إفراد بنود خاصة تتعلق بالمطالب الكردية، وبقية المكونات القومية أمر ضروري، لتعزيز الوحدة الوطنية على أسس راسخة وواضحة.

أما انتماء سورية العربي فهذا أمر يجب أن يكون مفهومًا لدى الجميع، وأن يمثل نقطة اتفاقهم، بغض النظر عن الصيغ والكلمات التي يمكن أن تُعبّر عنه، إن كان عبر صيغة “الوطن العربي”، أو “العالم العربي”.

عن موقع جيرون