الاستثنائية الأميركية في سوريا: الإيمان والهرطقة

أوباما

رامي رحيّم
ترجمة: شكري رحيّم

هذه الدراسة صدرت بالانكليزية عن مركز وودرو ولسون الدولي للباحثين في واشنطن، بتاريخ 22 شباط/فبراير 2017، وهي منشورة على موقع المركز.

كتبها بالانكليزية رامي رحيّم، وهو يعمل مراسلاً للشؤون السورية في هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، خلال فترة بحث في مركز ولسون، ونقلها إلى العربية شكري رحيّم.

*****

وهل من عجبٍ في أن يتستر رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما بنظرة إلى البعد التاريخي، تحضيراً لتسليم مفاتيح السلطة إلى الرئيس المنتخب آنذاك دونالد ترمب.

«غالباً ما نشعر بأننا، مقابل كل خطوتين نخطوهما إلى الأمام، لا نلبث أن ننكفئ خطوة إلى الوراء»، بهذا اعترف الرئيس المنتهية ولايته خلال إلقائه خطابه الوداعي في شيكاغو في العاشر من كانون الثاني/يناير 2017. ثم يضيف: «لكن مسيرة أميركا الطويلة طالما اتصفت بالتحرك قدماً تحركاً يثري، لا يكف، مبادءنا التأسيسية القائمة على احتضان الكل وليس البعض فقط»1.

كان كمن يستشعر خطوة إلى الوراء تنذر بسوء كبير، وهي قاب قوسين أو أدنى، لكن وحدها «مسيرة أميركا الطويلة» كفيلةٌ بإنقاذ تراثه من براثن الإدارة الجديدة.

تحدثَّ عن روحية أميركا، «المنبثقة من حقبة التنوير»، والتي أهلتها لـ «مقاومة الوقوع في حبائل الفاشية والطغيان». وفي تنويه بفكرة وودرو ولسون حول القانون العالمي2، تحدثَ عن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية «القائم ليس فقط على القوة العسكرية أو الانتماءات الوطنية، وإنما المبني على المبادئ»3.

بعد هذا الخطاب بعشرة أيام، سلّمَ الرئيس أوباما النظام العالمي إلى الرئيس دونالد ترمب الذي بادرَ إلى القول: «من اليوم فصاعداً سوف تحكم هذه الأرض رؤيا جديدة. من اليوم فصاعداً وحدها أميركا ستكون أولاً»4.

تحول الانتقال المتعثر للسلطة إلى حرب مقدسة، ولكن بالكلمة. وفي حين رفع أوباما راية الاستثنائية الأميركية ومبادئها، مدافعاً عن صورة أميركا قائدةً عالميةً متنورة مصيرُها المحتوم أن تتولى هذه المهمة القيادية لما فيه خير الإنسانية جمعاء، نحا ترامب منحىً وطنياً (قومياً) بسيطاً وواضحاً.

وسط سجالهما الثنائي التاريخي، بدا الرجلان متفقين على أمرٍ واحدٍ أحد، في المضمون إن لم يكن في الأسلوب. «لقد استأصلنا عشرات آلاف الإرهابيين، بمن فيهم بن لادن»، قال أوباما، وأضاف «لقد قضى التحالف الذي نقوده ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على قيادييه، وانتزع منه ما يقارب نصف المساحات التي كانت تحت سيطرته. تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام سوف يُدمّر، ولن يكون في مأمن كلُ من يهدد أميركا».

أما ترمب، فبمسحة متجددة أسلوباً، مع انعطافة خفيفة في السياسة، تناول الموضوع من حيث انتهى أوباما: «سوف نزيد التحالفات القائمة رسوخاً وسننشئ تحالفات جديدة، كذلك سنوحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف، هذا الإرهاب الذي سنستأصل جذوره كلياً عن وجه الأرض».

أوباما في سوريا

لقد شنت الولايات المتحدة بقيادة أوباما حربين اثنتين في سوريا، واحدة بالوكالة ضد النظام الحاكم، والثانية مباشرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية والفصائل الجهادية العابرة للحدود. فيما خصَّ تنظيم الدولة الإسلامية، كان أوباما قد بلور سياسته بوضوح فجّ نسبياً، وقد جاء أقل تناقضاً مما كانت تشي به تصريحاته حول الرئيس السوري بشار الأسد.

لعل واحداً من أبين الأمثلة في هذا الإطار، قد ورد في مطولة جيفري غولدبيرغ بعنوان «عقيدة أوباما» في مجلة «ذا أتلانتك». يقتبس غولدبرغ من كلام أوباما مماثَلةً استعارها من فيلم باتمان، كي يشرح مشكلته مع تنظيم الدولة الإسلامية5.

«هناك مشهد في البداية نرى فيه قادة عصابات غوثهام مجتمعين» يقول الرئيس، «مجموعة من الرجال اتفقوا على تقسيم المدينة مناطق نفوذ لكل منهم. هم مجموعة سفّاحين، لكنّ نوعاً ما من النظام كان يحكم عملهم. ذلك أن لكل منهم ميدانه المتفق عليه. فجأة يأتي الجوكر ويضرم النار في كل أرجاء المدينة. تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام هو الجوكر، ولديه القدرة على مد ألسنة اللهيب لتشمل الإقليم بكامله. من هنا لا بد لنا من محاربته».

يبدو أن الكثير من الوَلْولة حول سياسة أوباما حيال تنظيم الدولة الإسلامية يشير، دون إدراك من أصحابه، إلى نجاحه في هذه السياسة. إحدى الأفكار التي عمّمها بعض نقّاد أوباما هي أن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية «تحولت إلى وسيلة وقناع يستفيد منهما كل اللاعبين في الميدان لخدمة مصالحهم المتنافسة»، وأن إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية يأتي مترافقاً مع «عودة ظهور الانقسامات الماضية، وغالباً بوتيرة أشدّ وطأة»6.

ولكن هي ذي بالتحديد النقطة المركزية بالنسبة إلى أوباما، فالمشكلة التي يقذفها بوجهه تنظيم الدولة الإسلامية هي أنه عبث بخريطة الانقسامات السابقة. ألم يقل أوباما: «لكل منهم ميدانه المتفق عليه، وفجأة يأتي الجوكر ويضرم النار في كل أرجاء المدينة»؟7

أضف إلى ذلك أن التنافس الاقليمي قد خدم الأهداف الأميركية ولم يقف عائقاً دونها، كما أنه جاء متلائماً تماماً مع آراء أوباما حول حسن استخدام القوّة. كأننا بأوباما يرى نفسه أشبه ما يكون بمحرك في الظل. في ليبيا ترك ساركوزي يتنطح حول دوره في الحرب، في حين عمد هو إلى «شراء تورط فرنسا بحيث جعلنا الحرب أقل كلفة لنا وكذلك أقل مخاطرة لنا»8.

ما دام يتسنى له أن يفعل ذلك بالأصدقاء، فهل يتوانى عن فعله بالخصوم، ومن باب أولى بالأعداء؟ فلتتحمل إيران وروسيا كل ما يمكن تحميلهما من العبء، فهو يريد ضغط النفقات إلى حدّها الأدنى، كما يبغي تجنّب تحمّل أعباء العمليات البرية9. «القوة الحقيقية»، كما قال لغولدبرغ، «تعني أن باستطاعتك انتزاع ما تريد دونما استخدام للعنف»10.

لكنّ الواقعيين أيضا ليسوا متأكدين من فكّ لغز أوباما. بعضهم يبدو سعيداً بأنه (أوباما) قد أحسن صوغ بعض الأفكار التي يرون فيها مادة تصلح لتشكل مدرسة في السياسة الخارجية الواقعية11، في حين أصيب آخرون بالخيبة وقد اعتبروا أنه لا صاغ تلك الأفكار بما يكفي، ولا نجح في وضعها موضع العمل.

من بين هؤلاء الخائبين برز ستيفن والت بنبرة مرتفعة، وهو من الذين يولون خطاب أوباما اهتماماً خاصّاً. «هذا المتميز بين الرؤساء في حسن البيان ووضوح الخطاب»، قال والت، «لم يتصدّ يوماً لصوغ إطار واضح ومتكامل يحدد فيه مصالح الولايات المتحدة الحيوية»12. إيمان أوباما بالاستثنائية الأميركية و«ميله للاستشهاد بالخطاب المألوف للسطوة الليبرالية» جعلاه، بحسب والت، أشدّ ميلاً للتدخل حيث لا تكون مصالح الولايات المتحدة عرضة للخطر13.

بدا من السهل التكهن بأن أوباما لن يبادر إلى الحديث عن سوريا في خطاب الوداع الذي شاءه، في قسمه الأكبر، وثيقةً ترسّخ في الأذهان تراثه الرئاسي. ذلك أن مسألة سوريا لا تتلائم مع حكاياه عن الاستثنائية الأميركية، كما أنها لا تمدّه بما يحتاجه من قوّة التأثير في جمهوره، في مناسبة هو أشدّ ما يكون حاجة اليها.

لكنّ الاستثنائية ليست مجرد قناع وحسب، فهي تجسّد إيماناً وطنياً يمتدّ فعله أبعد من الرئيس وأبعد من مؤسسة السياسة الخارجية، وغالباً ما ينتشر مفعوله في ثنايا مؤسسات المعرفة في الغرب.

حين مدّت أميركا يدها إلى الانتفاضة السورية أخذ العديد من وسائل الاعلام المهيمن يخلط بين ظاهر المشهد وفحوى السياسة، وهكذا صيغت سرديات بكاملها حول ولاياتٍ متحدةٍ منفطرةِ القلب تواجه مأزقاً أخلاقياً آخر.

طغت على المخيلة الجمعية مشاعر القلق المألوفة والخشية على الاستثنائية الأميركية، ومطامح أميركا المثالية سعياً إلى نظام عالمي أفضل لم يُصَنْ ولم يدافَع عنه. فإذا كانت الأهداف ناصعةَ النبل بينما النتائج كارثيةً إلى هذا الحدّ، يصبح الاستنتاج الوحيد أن صُنّاع السياسة الأميركية لا يفقهون ما يفعلون14.

اليد الممدودة

اللقاء الأول بين سوريا والاستثنائية الأميركية تم خلال رئاسة الرئيس ودرو ولسون بالذات، الذي يقال إنه أخبر الملك فيصل في العام 191915 أنه «إذا كان الشعب حقاً يريد الإستقلال، عندئذ لن أسمح لأي بلد في العالم بأن يسيطر على سوريا!»16.

أوفد ولسون تشارلز كراين وهنري كينغ17 إلى سوريا للاطلاع على توجهات الرأي العام فيها، وذلك تطبيقاً لفكرته الجديدة الداعية إلى ممارسة الحق الوطني في تقرير المصير لدى الشعوب التي كانت تحكمها القوى الأوروبية. لكن فيصل ما لبث أن وجد نفسه «وجها لوجه مع الحقيقة»18، عندما أدرك أنه على الرغم «من كل الجهود التي بذلت لارضاء ولسون…فهو (فيصل) كان سيخسر كلاً من فلسطين وسوريا…»19.

المؤرخ السوري سامي مبيض يكشف لنا تتمّةً أقلَ انتشاراً لهذه القصة الشهيرة، وهي حلقة، وإن لم تكن مقصودة بذاتها، تبقى شديدة الدلالة بحيث تُظهر مدى استمرارية قوّة الجذب الولسونية.

فبعد مرور ثلاث سنوات فقط، أي في العام 1922، قرّر كراين العودة إلى سوريا. ومع أن الزيارة كانت شخصية فقد جعلت عبد الرحمن الشهبندر، الذي سبق أن كان كبير مساعدي فيصل آنذاك، يُفعم مجدداً بالأمل.

«هذا الرجل مفتوحةٌ له آذان أعضاء الكونغرس»، قال الشهبندر للذين طغت عليهم الشكوك خشية أن يتكرر بيعهم قصوراً في الهواء، وأضاف ناصحاً «يجب أن نأخذه في جولة حول البلد ليرى بأم العين ما أوقعه الفرنسيون من أضرار، كي يبلغ بذلك الحكومة الأميركية!»20.

لم يحمل كراين شيئاً يقدّمه لسوريا، لكنّه ائتمن الشهبندر على بعض المال لإعطائه لناشطتين سوريتين في حال قبلتا عرضاً تنالان بموجبه منحة دراسية في الولايات المتحدة. لكن «ما أن غادر كراين دمشق حتى كان الشهبندر مكبّلاً بالأصفاد»، متهماً بقبض الأموال من الأميركيين بهدف إطاحة الانتداب الفرنسي، وقد حُكم بعشرين سنة سجناً وأشغالاً شاقة21.

خلال البحث عن إحدى الناشطتين أوقفَ الفرنسيون إحدى طالباتها، و«احتجزوها في قبر فارغ على مدى ساعتين»، بغية انتزاع معلومات منها، ثم قادوها إلى السجن «في حالة من الانهيار»، ليُتبِعوا ذلك بحملة اعتقالات طاولت عشرات السوريين الناشطين ضد حكم الفرنسيين، وكان هؤلاء السوريون قد نزلوا إلى الشوارع تعبيراً عن معارضتهم22.

بفضل ما كان بينه وبين السلطات الأميركية من علاقة والاعتقاد بأن له وصولاً وحظوة لديها، أطلق كراين سلسلسة من الأحداث غير المتوقعة. ومع أن بالامكان أن نحسم بما يشبه اليقين عدم وجود نية بالتأثير في مسار الأحداث، فإن النوايا في هذه الحال لا أهمية حقيقية لها.

نسرّع عدّاد الزمن إلى الثامن عشر من آب/أغسطس، 2011. بخلاف أميركا ولسون، ها قد مرّ زمن طويل على الولايات المتحدّة القوّة العالميّة ذات السطوة والمصالح في أرجاء الأرض، وذات نوايا قديمة ترمي إلى وضع الأحداث في مسارات تلائم مصالحها. مسلسل الانتفاضات ضد الديكتاتوريين العرب الحكّام مدى الحياة كان لا يزال طريّ العود ذا تأثير مُسكِر، والولايات المتحدة كانت تخوض، عسكرياً، مغامرة جديدة بقناعٍ واهٍ يكاد لا يخفي شيئاً لتغيير النظام في ليبيا، في حين كانت سوريا تشهد انتفاضة شعبية. «من أجل مصلحة الشعب السوري»، أعلن رئيس الولايات المتحدة آنذاك باراك أوباما، «لقد آن الأوان كي يتنحّى الرئيس الأسد»23.

إلى المدار الأميركي

هذه المرة كانت قوة الجذب الولسونية مدعومة بمتابعة متعمّدة. فبعد إعلان أوباما توالت سلسلة من المؤتمرات الدولية من المستويات الرفيعة جاءت تحت العنوان المشعّ بالإغراء «أصدقاء سوريا»، فضلاً عن التصريحات والتسريبات مجهولة المصدر حول الدعم المعلن والمستتر، ودفق من البيانات الرسمية المتواصلة عن الشرعية.

في نظرة استعادية قد تبدو كل هذه الأمور خاوية من المعنى، لكنّ النظرة الاستعادية قد لا تخلو أحياناً من التضليل. «إن جهلنا بما ستنتهي اليه الأمور، هو من علامات عيشنا عبر الأحداث»، بحسب الفيلسوف الأميركي آرثر دانتو في كتابه السردية والمعرفة24. قد يصحّ أن تكون تلك البيانات والمؤتمرات قد انتهت إلى الخواء، لكن هذا لم يكن أمراً ظاهراً في حينه.

في فترة لاحقة وصف أوباما تصريحه بأنه لا يعدو كونه حكماً أخلاقياً عما يجب أن تكون عليه معاملة القادة لشعوبهم، لكنه لم يكن كاهن رعية ولا أكاديمياً مختصاً بالأخلاقيات عندما أدلى بذلك التصريح، الذي كان لا بد أن يلعب دوره المؤثر في حسابات كل اللاعبين في المنطقة25. ذلك أن قسماً كبيراً من مكونات الانتفاضة السورية كان منجذباً إلى الانضواء في المدار الأميركي، معتمداً بوتيرة متزايدة على الدعم الأميركي، متصرفاً بما يظهر أنه يتوقع أن تقدّم واشنطن ما يحتاجه من المساعدات لقلب النظام في سوريا والقبض على الحكم. إذا عدنا إلى العام 2011، لم يكن هذا التصوّر بالضرورة حساباً غبيّاً.

بالنسبة إلى أقصوصة كراين في العام 1922، يكتب مبيّض أنها تكشف لنا كيف أن السوريين – عهدئذ – كانوا يرون في الولايات المتحدة «بلداً نائياً ذا قدرات متفوقة بإمكانه اجتراح الأعاجيب بوضع حدّ لكل مشكلاتهم»، ويرون في كراين «فارساً محمياً بدرعه اللماعة، مقبلاً على صهوة جواده إلى بلاد المشرق لينقذ العرب من براثن الاستعمار الأوروبي وهو، على ما يبدو، لا يطلب شيئاً في المقابل»26.

أن يتراءى لنا أن السياسيين والناشطين في المجال السياسي في سوريا في العام 2011 كانوا فريسة أوهام كهذه أمر فيه تجاوز للواقع، الأرجح أن حساباتهم لم تُبنَ فقط على البيانات والمؤتمرات وسوى ذلك من عروض النوايا الواعدة بإزاحة الأسد، وإنما على قراءات طويلة المدى لسياسات الولايات المتحدة حيال سوريا وإيران.

إن مشاعر العداء الكامنة حيال نفوذ إيران الإقليمي ودور سوريا في فتح الأبواب أمامه كانت لا تزال قوية في واشنطن، حتى بعد نهاية ولاية سلف أوباما جورج دبليو بوش. في الأشهر الأولى من زمن الانتفاضة، في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، صرّح مساعد وزير الخارجية آنذاك جيفري فيلتمان أمام أعضاء في مجلس الشيوخ بأن حكومة جديدة في سوريا «لن تكون رصيداً مُعِيناً لإيران كما هي سوريا اليوم»، ثم أضاف: «إن من مصلحتنا الاستراتيجية أن نعمل على إحداث هذا التغيير بسرعة»27. في جلسة الاستماع إياها سأل السيناتور ماركو روبيو فيلتمان السؤال عينه مرتين، ما إذا كان في رأيه «أن إيران بخسارتها نظام الأسد تتلقى ضربة مدمرة»، وكان جواب فيلتمان مؤكداً صحة ذلك28.

بين الموثق وغير الموثق

«سوف نشهد هناك قوى معارِضة متزايدة القدرات وبطريقة أو بأخرى، ومن مصدر ما، سوف يجدون السبل التي تمكّنهم من الدفاع عن أنفسهم، لا بل من البدء باتخاذ إجراءات هجومية». وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، 23 شباط \فبراير، 201229.

لقد تعاظم حسٌّ بحتميّة كون الأسد على مشارف الخروج من السلطة، وقد أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إي» غرفتي عمليات في الأردن وتركيا30، كما أقلعت طائرات حلفاء الولايات المتحدة محمّلة بالأسلحة31، في حين قال مسؤول أميركي سابق لصحيفة نيويورك تايمز إن دايفد بترايوس، الذي كان مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2012، لعب «دوراً فاعلاً في إطلاق حركة نقل الأسلحة هذه بالطائرات»32.

في الوقت الذي كان الأميركيون يجرون فيه حساب دفق الأسلحة، كانت عينٌ لهم تراقب إيران وحزب الله، وأخرى تلاحق فصائل الجهاديين العابرين للحدود الذين كانوا يحاربون النظام33. «لم نكن يوماً مستعجلين على إسقاط النظام»، قال لي السفير الأميركي السابق إلى سوريا روبرت فورد في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، وأضاف «فكيف لك أن تطيحه من دون تدخل عسكري أميركي مباشر؟ ما من أحد في الإدارة الأميركية، لا أنا ولا كلينتون ولا بترايوس ولا أحد كان يريد تدخلاً عسكرياً أميركياً مباشراً. لا أحد أراد ذلك».

إذن التداول في زيادة دفق الأسلحة، سألته، كان دائماً يستهدف تحسين الموقع التفاوضي ولم يكن يوماً بغية تغيير النظام؟ «صحيح. وأنا أستغربُ أن لا يكون هذا الأمر واضحاً بحسب ما ورد موثقاً رسمياً»34.

يشدد فورد التركيز على السجلّ الموثّق بالنسبة إلى المفاوضات، وكذلك حيال بدء المساعدات الأميركية التي يقول إنها جاءت «قليلة ومتأخرة»35. لكنّ الكلّ يعلم أنه كانت هناك عملية سريّة لم تأت السجلات على ذكرها36. وحتى في السجلات، لم تكن الأمور بالوضوح الذي يشير إليه فورد. صحيحٌ أن المسؤولين الأميركيين كانوا يشددون في العديد من تصريحاتهم العلنية الرسمية على الحل السياسي المتفاوض عليه، لكنها طالما كانت جملة مطاطة بحيث باتت شبه فارغة من أي معنى37.

ثم إن البيانات الأميركية الرسمية غالباً ما كانت تُحبَك بحيث تستبطن معاني متباينة، ففي شباط/فبراير 2013 قال وزير الخارجية الأميركية جون كيري «إن مجموع هذه الجهود (مساعدات الأميركيين وحلفائهم للثوار) سوف يكون له تأثيره في قدرة المعارضة السورية على تحقيق أهدافها»38. ما من شكٍّ، الا لماماً، في أن إشارته إلى أهدافها تعني لدى الكثرة الكاثرة من الثوار إطاحة النظام. لكن هل يكشف هذا الكلام نيّة بمساعدتهم في تحقيق أهدافهم، أم أنه مجرّد بيان رسمي آخر لابقائهم في المدار الاميركي؟

أوباما وقواعد اللعبة في واشنطن

قبل الانتفاضة السورية كانت خطوة أوباما الأولى في سوريا حركةً ابتعادية عن نهج بوش، الذي قاربَ في مرحلةٍ ما محاولة تغيير النظام. ما بدا من سياسة أوباما أنه ينحو باتجاه تطبيع العلاقات مع سوريا39، وقد أوضح أنه سيغيّر سُبُلَ تعامله حين يتعلّق الأمر بإيران40.

لكن إذا صحَّ أن بإمكان الرؤساء تغيير الوجهة السياسية لبلادهم، فالصحيح أيضاً أنهم لا يُعيدون كتابتها من الصفر. فالانتفاضة السورية نفخت حياة جديدة في السياسة التي ظلّت خبيئة هاجعة حتى خلال تحرّك أوباما سعياً لتغييرها. وعلى الرغم من أن الدعوةَ إلى تغيير النظام على طريقة بوش كانت شبه مستحيلة سياسياً في واشنطن طوال ولايتَيْ أوباما41، فقد أتاحت الانتفاضة الفرصةَ لِشنّ حربٍ بالوكالة زهيدة الكلفة.

لقد اختار أوباما معاركه في السياسة الخارجية بتأنٍ حَذِر وواقعية. ففي الحالات التي رأى فيها تهديداً لبلاده، أو مصالحَ لها، مثل انتشار الأسلحة الكيماوية في سوريا والصّفقة النووية مع إيران، كان يواجه مُختلِفَ القوى المعادية لإيران في واشنطن بصلابةٍ حاسمة، ثم يعالج المسألةَ بطريقته الخاصة. لكنّ الحربَ بالوكالة كانت أمراً مختلفاً، ففي هذه الحال لا الجندي الأميركي معرّضةٌ حياته للخطر، ولا الخزينة الأميركية مضطرةٌ لتحمّل الأكلاف الباهظة لمناطق حظر الطيران الحربيّ. مجردُ دفقٍ من الأسلحة المموّلة بمعظمها خليجياً باتجاه سوريا تحت عدسة الرؤية الحادة للـ CIA. صحيحٌ أنه أوضحَ فيما بعد أن تلك الحرب في رأيه لم تكن لتغيّرَ «المعادلة على الأرض»، لكنه مع ذلك سمحَ لهم بخوضها

42.

لكن حتى لو أن كل نوايا أوباما قد كُشِفَت بسحرِ ساحر، مع ذلك لن يكون بوسعنا أن نُدركَ مدى الأهمية التاريخية للأعمال التي قام بها43. في التاريخ، أكثر من أيّ شيءٍ آخر، «غالباً ما تكون معاييرنا في تقييم الأداء سلوكية المنحى»44. من المؤكد أن ما كان أوباما ينوي فِعلَه كان سيُغني السجل التاريخي45، لكن في المحصِّلة ما انتهت أميركا إلى فعله هو مسألة تاريخية أكثر أهميةً.

حربٌ أهلية ضِمنَ حربٍ أهلية (ضمنَ حربٍ أهلية)

هيَ ذي فصائلُ الثوار السوريين الذين شدّتهم أميركا إلى مدارها تَخوضُ حرباً ضد الآلة العسكرية غير المردوعة للدولة السورية. هناك أيضاً حزبُ الله والإيرانيون، والميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران، وتنظيم الدولة الإسلامية، وجبهة النصرة، ومجموعاتٌ جهادية متنوعة الجنسيات، كلُهم يتحاربون في ميدان واحد. حتى لو اتحَّدَ كل أولئك الثوار لم يكن واضحاً مدى نصيبهم من الانتصار، أمّا مُتفرّقين فنصيبُهم من البقاء على قيد الحياة يبقى ضئيلاً.

كان المأزق الأميركي يكمُن في التشابُك بين فصائل الثوار الذين دعمتهم أميركا والجهاديين العابرين للحدود، خصوصاً منهم ولكن ليس حصراً، تنظيم الدولة الإسلامية. بخلاف فصائل الثوار بالوكالة التي تقاتل تحت الراية الوطنية (السورية) وسواها من الجماعات السلفية، فإنّ الجهاديين العابرين للحدود ليسوا ممن يمكن أن تفرضَ عليهم أميركا أو حلفاؤها الخليجيون الانخراط في معسكرهم.

أما مأزق المعارضة فكان يكمُن في إدارة الخلافات بطريقةٍ تحقق وحدةَ الثوار وَسْطَ اشتعال الحرب. هذه المهمة عَقّدتها طبيعة الانقسام الأوسع بين العلمانيين والإسلاميين، وهو انقسام تمتد خيوطُه إلى النسيج الاجتماعيّ46، مع خطوط فصل غير واضحة المعالم.

حلَّ الأميركيون مأزقَهم باعتماد سياسة الفرز (peeling)47، بحيث يهمّشون المقاتلين الذين لا يرغبون بهم أو الذين يَروْنَ فيهم تهديداً. في هذا السياق عمدَ الأميركيون إلى الضغط المتمادي على الفصائل الموالية لهم دفعاً بهم للانفصال عن الجماعات الأخرى. إنعدام ثقة الأميركيين بالثوار وقاعدتهم الشعبية كان العامل الطاغي على العلاقة منذ البداية، وهو ما كان يُبرز ما يبدو من تناقض في السياسة الأميركية. وللتأكد من ولاء مقاتليهم بالوكالة، ضحّى الأميركيون بوحدة الثوار وشجعوا القتال فيما بينهم48.

كذلك تابعَ الأميركيون مراقبتهم لتسابُق مجموعات الثوار على تقديم خِدْماتهم لاعتماده معياراً للدعم المحلّي، وقد أداروا توزيع المساعدات بحيث تميل لمصلحة فصائلهم الحليفة49، في حين لعبت المجموعات المعارِضة، التي أجازها الغرب ودولُ الخليج ممثّلةً للشعب السوري، دوراً مساعداً، وتمسكت في الوقت نفسه بمظهر الغاضب50. وهكذا انكشفت الدينامية المألوفة، فالولايات المتحدة كانت في قلق مستمر، والدولُ المانحة كانت تمارس ضغطاً مستمراً على جماعات الثوار «لكي يَنْأَوا بأنفُسهم عما يقوم به بعضُ العناصر المتطرفة»51، أما المعارضة فكانت دائمة المطالبة بمزيد من الأسلحة، واعدةً بألاّ تُسيءَ استعمالها52.

لكن في حين كان الأميركيون يُسلّحون الثوار في مواجهة إيران وحزب الله، كانت جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية يثبتان تفوّقاً في الفاعلية على الأرض. شيئاً فشيئاً حوّلت أميركا استراتيجيّتها التوازنية نحو تركيزٍ أكثر تشديداً على إضعاف الجهاديين العابرين للحدود أي، في واقع الأمر، تخفيف العبء على النظام وحلفائه. في العام 2014 اندفعت الاستراتيجية بكامل قوّتها، عندما حقق تنظيم الدولة الإسلامية تقدماً وقررت أميركا دخول المعترك مباشرةً.

الحربُ على الإرهاب تتمدّد

كان قد مضى عامٌ واحد على الاستدارة الدراماتيكية لأوباما متخلياًعن ضرب الأسد، الأمر الذي أحزنَ دعاةَ التدخّل الذين اعتبروا هذا التحوّل ضربة تصيبُ بالشلل قوةَ أميركا وصدقيّتها53. مع ذلك، وما أن لاحت الإشارة الأولى لقرب نشر قوات أميركية في سوريا في امتدادٍ جديد «لحرب أميركا على الارهاب»، حتى سارعَ النظام السوريّ إلى التلويح لأميركا برغبته في التعاون54.

رسمياً رفض الأميركيون العرض، لكن، فيما كان الثوار المبتلون بحربٍ فيما بينهم، يزدادون انشقاقاً وتباعُداً، كانت أميركا وسوريا والأردن والعربية السعودية وبلدان خليجيّة أخرى، وفيما بعد روسيا، كل هؤلاء كانوا يتشاركون أجواء المناطق التي يسيطر عليها الثوار ويديرون حروبهم على «الإرهاب». مُثقلين بوطأةِ القتال ومُحاصَرين، ها هم المقاتلون بوكالتهم عن الأميركيين قد أعيدت برمجتهم لملاءَمة معركة أميركا الجديدة، وقد بدأ الأميركيون تغيير55 وِجْهَتِهم من قتال النظام إلى قتال الجهاديين متنوّعي الجنسيات، وخصوصاً من بينهم تنظيم الدولة الإسلامية. بعضُ الثوار انتابتهم الشكوك، لكن هامش الخيار لديهم كان يَضيق، ثم يَضيق أكثر.

«نحن نحتاج مزيداً من التركيز على جبهاتنا مع النظام»، قالَ لي أحدُ الثوار الذين لم يكن يأتيهم دعمٌ أميركيّ، وذلك حين بدأ الأميركيون قصفَ الشمال السوري، وأضاف «لا يمكننا صَرْف انتباهنا إلى الجبهة مع داعش مُفسحين للنظام مجال التقدم».

ها قد تحوّلت قوّة الجذب الولسونية المغرية إلى قبضةٍ من فولاذ، والعون الأميركي بات مشروطاً بالتنازل عن أُسِّ الهدف الذي من أجله خاطرَ الثوار بكلّ شيء، لا بل ربما خسروا كلَّ شيء.

ولَجت روسيا أرضَ المعركة مباشرةً في العام 2015، وفتحت نيران سلاحها الجويّ على مناطق الثوار في حربها الخاصة على «الإرهاب». وحين تبيّن ما أنتجته تلك الحملة من مآسٍ جماعية لبست أميركا وجهاً غاضباً56، غير أن الدينامية الأساسية للحرب العالمية الجديدة على «الإرهاب» كانت واضحة، فما بين الحكومتين الروسية والسورية من جهة والتحالف الذي يقوده الغرب من جهة أخرى، رحنا نشهدُ موسماً مفتوحاً من القصف الجوي على القواعد المشرذمة للثوار.

لعبة الموازنة من الداخل ومن الخارج

في عَوْدةٍ له إلى الحقبة التي مارست فيها الولايات المتحدة لعبةَ «الموازنة من الخارج/off-shore balancing» خلال حرب إيران – العراق في ثمانينات القرن الماضي57، كتب بول بيلار مُتَحسِّراً على مبادئ الواقعيين ومُشيداً بها، «عندما بدا أن العراق قد يواجه صعوبةً في متابعة القتال، مالت إدارة ريغان نحو بغداد»، وأضاف، «إذ من الأفضل، بالنسبة إلى المصالح الأميركية ومنعاً لأيٍّ من الجهتين من اكتساب موقع الهيمنة الإقليمية، أن يعاني كلا الجانبين استنزافاً متمادياً».

كانت موازنة خارجية لأن الولايات المتحدة رجَّحت كفةَ الميزان بوسائلَ غير التدخل العسكريّ المباشر، لكنّ السياسة تبقى مرِنة، إذ يرى بيلار أن جورج بوش الأب كان لا يزال إلى حدٍ كبير ضمن حدود سياسة الموازنة الخارجية عندما شنّ حرباً على العراق بسبب غزوه الكويت. فالحرب كانت ببساطة «اعترافاً بأنه حتى مَن يتولى عمليةَ الموازنة من الخارج، يُضطرّ أحياناً إلى تنفيذها مباشرةً في الميدان»58.

يبدو أن أوباما قد مارس صيغةً ما من سياسة الموازنة الداخلية والخارجية في سوريا والعراق، مستفيداً من العبرة المكتَسبة من الحرب الإيرانية – العراقية بالذات. إن تقدم تنظيم الدولة الإسلامية، كما قال للنيويورك تايمز في تموز/يوليو 2015، يجعلُ من الصعب على إيران «الاحتفاظ بحاجزٍ جغرافي، طالما اعتبروه محفزاً مهماً بالنسبة إليهم، وذلك منذ الحرب العراقية – الإيرانية»59.

نطاق نفوذ إيران في العراق وربما أمنُها الداخليّ كانا مهدّدَيْن، وأوباما كان يدرك ذلك. فهو يستفيد من دماء الإيرانيين وثرواتهم للحدّ ما أمكن من تدخّله، بحيث يتم احتواء تنظيم الدولة الإسلامية بأقل ما يمكن من الكلفة والمخاطرة والتدخل الظاهر أميركياً، وبأقوى وطأة مُستطاعة60. في هذا السياق يقول بيلار إن الأجدر بنقاد أوباما، بَدَلَ الشكوى من دور إيران في الإقليم، أن يرحّبوا «بصَمْت» بِـ «هَدْرِ الدماء والمال» من قِبَلِ إيران التي «تحملُ أثقالاً كبرى بقتالها جماعة كتنظيم الدولة الإسلامية»61.

الكلمةُ المفتاحُ هنا هي «بِصَمْت»، فالواقعيّةُ تحدد الممارسة السياسية وليس الخطاب السياسي، وهذه قاعدةٌ مقدسة يلتزمها أشدُّ الرؤساء الأميركيين واقعيةً62.

عقارب محشورة في زجاجة

تعود جذور ألاعيب أميركا في ضبط التوازنات في الشرق الأوسط إلى تراث «البلد الأم» في هذا المجال. فخلال قرونٍ غابرة كانت بريطانيا العظمى تهدف إلى تأمين التوازن بين مُختَلِفِ القوى الأوروبية بغيةَ الحفاظ على تفوّقها البحري، وضمان عدم قدرة أية قوة أوروبية على تحدّي هذا التفوق63. كيفية تحقيق هذا التوازن كانت تُستَمدّ من إحدى مدرستين فكريّتين في لندن كانتا تتنازعان الأفضلية في هذا المجال. مقولةُ إحداهما كانت إن «بريطانيا العظمى يجب ألا تتدخل إلاّ متى كان هذا التوازن مهدداً حقيقة، وعندئذٍ يُقتَصَرُ التدخلُ على وضع حدٍّ للتهديد». أما المدرسةُ الثانية فكانت تدعو إلى سياسةٍ أكثر تصميماً وإقداماً، أي أنّ «مهمة بريطانيا العظمى الأساسية الواجبة هي أن تتولى تصميم هذا التوازن للقوى، لا الاكتفاء بمجرد حمايته»64.

والتر راسل ميد (Walter Russell Mead) يقدم لنا وصفاً أكثر نبضاً ووضوحاً. فأوروبا القارّة، كما يُنظر إليها من الجزر البريطانية، كانت أشبه بزجاجة تتحرك في داخلها مجموعة عقارب هي القوى الأوروبية، تحاربُ إحداها الأخرى65. إحدى المقولتين رأّتْ ضرورةَ امتلاك أسطولٍ بحريّ قويّ ومن ثَمَّ «سَدّ الزجاجة بفلّينةٍ ضابطة تضمنُ عدمَ تسلُّلِ أيٍّ من العقارب إلى خارج الزجاجة، وهكذا تحفظ بريطانيا أمنَها»، أما المقولةُ الثانية فذهبت إلى أن بريطانيا بحاجةٍ إلى «الحفاظ على قدرتها على التدخل في حروب القارّة (الأوروبية) بغية منع أيٍّ من العقارب من افتراس كل الآخرين وبناء ما يكفي من القوة، بحيث يدفع بالسّدادة ويخرجُ مُتَحررًا من الزجاجة»66. هنري كيسنجر يشير إلى أن هذه التباينات كانت تبايناتٍ «عمليةً لا فلسفية، تكتيكيةً وليست ستراتيجية»67.

الشيء نفسه يمكن أن يقال عن التشكيلة المتنوعة من التوازنات التي طبقتها أميركا في الإقليم، يقول بيلار إن الموازنة بصيغها الخارجية قد «ماتت على مراحل» بعد الحرب الإيرانية – العراقية، ذلك أنّ حرب جورج بوش الأب على العراق كانت عملية موازنة داخلية ضمن إطارٍ موسّع من سياسة الموازنة الخارجية. كذلك فإن «الاحتواء الثنائي» للعراق وإيران من قبل الرئيس كلينتون كان بمثابة الابتعاد خطوةً عن لعبة الموازنة الخارجية، أما الرئيس جورج دبليو بوش فقد ألغى فكرة الموازنة من أساساها، وعمدَ إلى إرسال الجيش ليفرض نظاماً أميركياً بطريقة مباشرة.

أوباما كما يبدو، حاول العودة خطوةً إلى ما وراء جورج دبليو بوش، أي إلى موقع جورج بوش الأب بحيث انتهى، ربما، في موقعٍ ما بين جورج دبليو بوش وبيل كلينتون. لكن علامَ رجحت كفة الميزان الأميركي إلى هذه الدرجة القصوى، منتقلةً من استهداف النظام السوري وحزب الله وإيران، إلى استهداف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ومجموعة الجهاديين متنوعي الجنسيات الذين جاؤوا إلى سوريا لمحاربة الأسد؟

كثيرةٌ هي العناوين والأوصاف التي أُلْصِقت بمجموعات الثوار فيما الحرب تتواصل: علمانيون، إسلاميون، متطرفون ومعتدلون، طائفيون وغير طائفيين، لكنّ أياً من هذه الأوصاف لا يفسّر المعايير الأميركية حين كانت الولايات المتحدة تُدوزن سياسة خياراتها68. لعلّ التمييز الأكثر فائدةً في فهم السلوك الأميركي هو ما بين الثوار الملتزمين بالحدود الوطنية من جهة، وأولئك العابرين للحدود من جهة ثانية.

تنظيم الدولة الإسلامية عمل على تدمير الحدود سعياً إلى إنشاء كيانٍ أكثر امتداداً، فلو أنه استمر في التوسّع أو حتى في تثبيت مكتسباته الجغرافية، ما كان ليهدّد دمشق وبغداد فحسب بل ربما شمل تهديده العربية السعودية وسائر بلدان الخليج، كي لا نقول شمال إفريقيا أيضاً. وبتعبيرٍ آخر، مدَّ تنظيم الدولة الإسلامية يده إلى سَدَّادة الزجاجة مستدرجاً أميركا إلى الداخل كي تعيده إلى الزجاجة.

أوباما في التاريخ

إن الحقيقة الكاملة لحدثٍ ما لا تُعرف إلا بعد وقوع ذاك الحدث، وأحيانًا بعد زمنٍ طويل من حدوثه، ووحدَهم المؤرخون يمكنهم رواية هذا الجزء من القصة69.

آرثر دانتو، السردية والمعرفة

قد يُقال إن الولايات المتحدة خسرت حربها بالوكالة ضد النظام السوري، وربحت حربها المفتوحة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. إن التحالفات المختلفة التي حاربت تنظيم الدولة الإسلامية لا شك استطاعت احتواءَه في مساحةٍ أصغر من تلك التي كان قد تمدد اليها في صيف العام 2014، وهذا أمر يستطيع أوباما تسجيله في خانة إنجازاته كقائدٍ أعلى للقوات المسلّحة. لكنّ تنظيم الدولة الإسلامية – وأسلافَه – سبق له أن خرج سالماً من ظروفٍ قاسية من قبل، بحيث صمد حتى حانت له الفرصة بعد الانتفاضة السورية فانتهزها وراح يتمدد أضعافاً مضاعفة. طبعاً هذا لا يعني بالضرورة أنه سيتكرر، لكن، مَن يدري.

بالنسبة إلى الرئيس الأسد، فلنفترض أن بعض أولئك الذين كانوا في واشنطن يدفعون باتجاه التحرك إنما قصدوا إسقاط نظامه سريعاً وعلى الفور، في حين أن آخرين توقعوا حربَ استنزافٍ مفتوحةَ المدى تستدرج الإيرانيين وحزبَ الله كي ينزفوا في سوريا70. لعلّ النيةَ الأرجح الطويلة المدى، في الحالتين المذكورتين، كانت تقضي بتوجيه ضربةٍ إلى أواصر العلاقة التي تربط ما بين إيران وحزب الله وسوريا بغية إضعاف مجمل عوامل التحالف بينها، وهو ما يشكل هدفاً طويلَ الأمد للولايات المتحدة. وعليه فبقدر ما انتهى الأمر بإيران أكثر ترسّخاً في سوريا بعد الحرب بالوكالة، نصبحُ أمام نتيجة تشير إلى خسارة أميركية. لكن هنا أيضاً لسنا أمام نتيجة نهائية، ليس فقط لأن الحرب لم تنتهِ بالضرورة، لكن أيضاً لأنها – الحرب – لا بد أن تكون قد أدّت إلى تحوّلٍ في النظام على صُعُدٍ لا نستطيع الآن فهمها.

لكنّ الكلام على الانتصار والهزيمة في الحرب بالوكالة، هو إشاحةُ النظر عن تباين ساطع في المصالح71 والاستثمارات في سوريا. ففي حين لم تَستثمر الولايات المتحدة سوى اليسير في الحرب، تكبَّدت دمشق وحلفاؤها خسائر هائلة. لقد كان لأوباما إسهامان رئيسيان في العملية السّرّية ضد الأسد، يبدو أنهما أثّرا تأثيراً كبيراً في الأحداث السورية بعد الانتفاضة: أولاً أجاز الانطلاق بالمهمة، ثم أخذ يديرها بحيث يضمن عدم تحوّلها إلى ورطةٍ أكثر كلفة. هكذا كانت مقامرةً انتهازيةً رخيصة خاضتها أميركا، وحرباً دمويةً متمادية غرقَ فيها النظامُ والثوار وما تبقى من سوريا.

الحرب السورية لا تزال قصةً في طور التكشّف، قصةً تنتظر بلوغَ كمالها، فنحن في سوريا لا نشهدُ أحداثاً فقط وإنما «شظايا من الأحداث» تحتلُّ مقطعاً زمنياً هو أكثر ما يكون غموضاً72، بحيث لا يمكننا أن نعرف الشظايا التي باتت وراءنا، قبل أن نعرف تلك التي لا تزالُ في الانتظار.

ولكن يبدو أن أوباما كان عديم الصبر، يتطلع إلى تاريخه حتى قبل أن يباشرَ بصُنعه. ما أن دخل مكتبه الرئاسيّ حتى دعا مؤرخين رئاسيين إلى العشاء في البيت الأبيض، ولم تكد تمضي سنواتٌ ثلاث من ولايته الأولى حتى راحَ يقارن نفسَه من حيث المستوى برؤساء آخرين73.

مع أن ولايته الثانية قد انقضت، فإن السباق التاريخيّ لا يزال في خطواته الأولى. أحياناً نرى في باراك أوباما وودرو ولسون يرفع راية المبادىء الأخلاقية والمُثل، ويخبرنا عن انحناءة قوس التاريخ وحركة أميركا قُدُماً. وأحياناً أخرى نرى فيه رونالد ريغان وجورج بوش الأب يمارس لعبة التوازنات. لكن حتى جورج بوش الأب، كان أحياناً ذا ملامحَ ولسونية74، كذلك فإن ريغان كان يبدو في خطابه من المثالية بحيث «تفرّد بصيغته الخاصة من الاستثنائية الأميركية»75.

بمعنىً من المعاني، حتى بروز دونالد ترمب، الذي يلامسُ خطابُه حدودَ الهرطقة من وجهات النظر المتعددة للاستثنائية الأميركية، هذا البروز يُظهِر سعة دائرة المؤمنين بالاستثنائية. فَلْنُلاحظ أن بعض أولئك الأميركيين الذين كانوا يتحرّقون لسماع رئيسهم يقول «أميركا أولاً»، ربما كانوا يفكرون أن الولايات المتحدة لم تكن «أولاً» من قبل، وأنها في حقيقة الأمر جَعلت صيغةً ما من المصلحة العالمية هدفاً يتقدم على تثبيت نفوذها وترسيخه.

متى تجاوزنا نقطةً معيّنة تفقد الأوصاف المعنى إذ أنها توحي بشيءٍ من التناقض، أشبه بسلسلة ذات قطبين متقابلين لا يلتقيان أبداً، وهما في اشتباكٍ دائم. لكن في المسيرة الطويلة للولايات المتحدة تقدمت الواقعية والمثالية في موكبٍ واحدٍ، متلازِمَتَيْن بأناقة، تتولّى الأولى توجيه البلاد على الصعيد العمليّ، في حين تُسبغ الثانية شعاعاً من القدسية على كل ما تقوم به.

المستقبل

في العاشر والحادي عشر من شباط/فبراير، 2017، حدّد تحالفان سوريان غريمان موقفيهما حيال المفاوضات المقبلة في جنيف: أحدُهما، مجتمعاً في الرياض، يريد تنحّي الأسد، أما التحالف الآخر فقد أعلنَ من بيروت أن الرئاسة السورية ليست مطروحة للبحث في المؤتمر. مجموعة بيروت المشكّلة حديثاً يشي ظاهرُها بأنها واجهة للنظام السوري والروس، ويبدو أن الغرضَ منها دعمُ النقاط التي يطرحها النظام من وجهة نظر مستقلة إسمياً. أما مجموعة الرياض فهي امتداد للتحالف المعارض الذي عملَ على مدى سنوات الحرب كواجهة لممالك الخليج العربيّ ومشيخاته ودولٍ غربية، مُصوِّباً على حزب الله، وفيما بعد على النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية.

قد يكون هؤلاء جميعاً مجرد دُمى في الواجهة، غير أنهم يعكسون تنازعاً حقيقياً يشمل روسيا وإيران والممالك الخليجية وتركيا، والكل يسعى للسيطرة على سوريا. مواقع الأطراف تتغيّر باستمرار، علماً أن روسيا وتركيا هما الآن أقربُ الواحدة من الأخرى مما كانتا في أيّ وقتٍ مضى، في حين أن إيران باتت أبعد قليلا ًعن روسيا مما كانت في الماضي.

في هذه الأثناء، وفي مكانٍ ما من سوريا، أعلن هاشم الشيخ تشكيل مجموعة جديدة بعنوان هيئة تحرير الشام، وهي اندماج ما بين جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) ومجموعاتٍ أخرى76. قال: «ولن تطوى صفحة الشام بجلسة مفاوضات أو مؤتمرات تجهض الثورة وتتوج السفاح».

مع أن النصرة بدأت وكيلةً لما كان يُسمَّى الدولة الإسلامية في العراق، فقد وقع الفراق واتّسعت الهوّة بينهما على الأخصّ حولَ الأولويات، حيث تمسكت النصرة بشراسةٍ لا تلين بتركيزها على إسقاط النظام. بهذا المعنى فإن مقاتلي هيئة تحرير الشام هم اليوم آخر الثوار الواقفين على السلاح.

الأميركيون، من جهةٍ أخرى، يركّزون بثبات على الجهاديين متنوّعي الجنسيات، وعلى قدرة إيران على مدّ نفوذها إقليمياً.

في عهد أوباما كان التركيز على الهدف الأول أشدّ منه على الثاني، أما في عهد ترمب فلا يزال الحكمُ مبكراً، وإن يكن، على ما يبدو، أنه يتخذ موقفاً أكثر تشدداً حيال إيران، خصوصاً أن المدى الجغرافيّ لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وهو الدافع الرئيس للتنسيق الضمني بين الولايات المتحدة وإيران، آخذٌ في الانحسار.

أياً يكن الأمر، فإن أعداء واشنطن يبقَوْن مُقفَلاً عليهم في معركةٍ مميتة، وهو الوضع المناسب للقيام بمزيد من ألاعيب الموازنة. بصورةٍ ما فقد قدّم أوباما لترمب وضعاً يعكس السيناريو المفضل لديه هو، وضعاً لا يتطلب إلا الحدّ الأدنى من الاستثمار لبلوغ الأهداف الأميركية.

وحدَه المقبلُ من الأيام سيُظهر ما إذا كانت الإدارة الحالية تميل، بقدر التي سبقتها، إلى هذه المقاربة. لكن ما دام الانقسام الطائفيّ الذي يعمّ وباؤه الإقليم بأكمله مستمراً وصامداً، لن تعدمَ واشنطن مجالاً فضفاضاً لفرض سيطرتها من مسافةٍ مُريحة، وذلك بالحدّ الكافي من التدخّل للإبقاء على احتواء أعدائها، فيما هم يتراشقون بالموت ويهدر بعضهم دماء بعض.

*****

كلمة شكر:

أود أن أوجه خالص الشكر إلى برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ولسون الدولي للباحثين في واشنطن، على هذه الفرصة التي جاءت في أفضل توقيت أتاح لي التعمق في السياسة الأميركية حيال سوريا. ذلك أن المركز يقدّم مروحة واسعة من المصادر التي تغني البحث، لا يوازيها قيمةً إلا الجوّ الذي يثمّن حريّة النقاش وتنوّع وجهات النظر.

عن موقع الجمهورية