الحركات الدينية في المشهد السياسي الكردي في سورية


تمهيد
الصراع بين الدين والقومية صراع قديم قدمَ المجتمعات البشرية، ويشهد صعوداً وخفوتاً بحسب معطيات اجتماعية واقتصادية وسياسية، داخلية وخارجية عديدة.

عاد الصراع الديني-القومي للظهور في منطقة الشرق الأوسط في بدايات القرن العشرين، حيث جاء كردة فعل على ما تمّ تسميته من قبل القوميين بـ “التتريك” من قبل الدولة العثمانية حينها، لتبدأ مسيرة صراع بين القوميين والدينيين في المنطقة ما زالت قائمة حتى اليوم. حيث يرى الدينيون أنّ الإسلام ينبغي أن يكون منبع الدستور، فيما يرى القوميون ضرورة فصل الدين عن الدولة والسياسة، وتطور الصراع في بعض مشاهده إلى صدامات مسلحة بين الطرفين وقع ضحيتها الآلاف من القتلى.

وفي كل منطقة الشرق الأوسط، ظهرت تيارات إسلامية قوية، وأخذت أشكال الطيف الديني، من السلفية إلى الصوفية بتدرجاتهم، وما بينهم ظهرت الحركات السياسية الدينية كالإخوان المسلمين. وبالمقابل ضعف حضور التيار القومي عموماً لصالح تيارات ليبرالية علمانية لا تستند إلى القومية. وتولّت هذه التيارات مسؤولية الصراع مع التيارات الدينية الموجودة والمتنامية.

إلا أن المشهد الكردي في سورية بدا استثناء من هذا الصراع الحاد، حيث لم تظهر “حركات إسلامية سياسية” قوية وقادرة على التأثير في المشهد السياسي الكردي، وخاصة في سورية، في حالة تناقض شكل المشهد السياسي السوري حيث تحضر الحركات السياسية الإسلامية، أو حتى شكل المشهد السياسي الكردي في العراق وتركيا، حيث تتواجد حركات إسلامية فاعلة ومؤثرة في تلك الدول.

وتحاول هذه الدراسة استقراء مسيرة الحركات الدينية في المشهد السياسي الكردي في سورية، وتحليل العوامل التي أدّت إلى ضعف هذه الحركات مقارنة مع نظيراتها في الدول المجاورة، ومحاولة استقراء المستقبل المتوقع لهذه الحركات.

أولاً: التوزع الكردي في المنطقة

يتوزع الكرد بين أربعة دول (تركيا، إيران، العراق، سورية) معظمهم من المسلمين السّنة، مع وجود نسبة قليلة من العلويين، بالإضافة إلى وجود عدد من الأيزيديين في الدول الأربعة.

يصل عدد الكرد في تركيا إلى ما يقارب (20) مليون كردي، يتركز وجودهم في جنوب شرق تركيا، مع وجود عدد كبير في (استانبول) بسبب الهجرة الكبيرة خلال أعوام الصراع المسلح بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، ومعظمهم من المسلمين السنة بنسبة تتجاوز 80%، أما العلويون الكرد في تركيا فيتوزعون بين منطقتين رئيسيتين هما (ديرسم/تونجلي) وهي التي تضم النسبة الأكبر للعلويين الكرد وبنسبة أقل في (بينغول) و(سيواس)، ويصل عددهم لما يقارب (4) ملايين علوي كردي.

ينقسم أكراد تركيا بين الكثير من الجهات السياسية وأهمها: (حزب الشعوب الديمقراطي HDP) برئاسة (صلاح الدين دمرتاش) وهو الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني، و(حزب العدالة التنمية AKP) وهو الحزب الحاكم في تركيا حالياً، و(حزب الدعوة الحرة HUDA PARبزعامة زكريا يابجي أوغلو)، و(حزب الشعب الجمهوري CHP) والذي يتركز وجوده بين الكرد العلويين في (ديرسم) ويرأس الحزب (كمال قليتشدار أوغلو) وهو كردي علوي من (ديرسم). غير أن من المهم الإشارة إلى أن (حزب الشعوب الديمقراطي HDP) يحظى بتواجد بين العلويين الكرد، حيث يُسيطر على بلدية (ديرسم) على سبيل المثال، كما توجد قيادات كثيرة لـ (حزب العمال الكردستاني PKK) من الكرد العلويين. وللمفارقة فإنّ (حزب الشعب الجمهوري) يعتبر من الأحزاب التركية القومية المتطرفة، ويحمل مواقف سلبية من القضية الكردية في تركيا(1) .

في العراق يصل عدد الكرد إلى حوالي سبعة ملايين كردي، أي ما يقارب 19.6% من السكان(2) . يتركز وجودهم في إقليم كردستان بشمال العراق.

يتوزع الكرد سياسياً بين خمس أحزاب سياسية، وهي بحسب ترتيب مقاعد البرلمان (الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني)، و(حركة التغيير الكردستاني برئاسة نوشيروان مصطفى)، و(حزب الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة جلال الطالباني)، و(الاتحاد الإسلامي الكردستاني برئاسة صلاح الدين محمد بهاء الدين)، و(الجماعة الإسلامية الكردستانية برئاسة علي بابير).

معظم الكرد العراقيين من المسلمين السنة، ويقتصر وجود الشيعة بين أكراد العراق على (الكرد الفيليين)، ويصل عددهم إلى ما يقارب مليونين يتوزعون بين العراق وإيران، مع تواجد للديانة الأيزيدية في منطقة (شنكال)، ويبلغ تعداد الأيزيديين حوالي (500) ألف شخص.

يتوزع الكرد في سورية على ثلاثة مناطق رئيسية هي (الجزيرة – كوباني – عفرين)، بالإضافة إلى تجمعات كردية في مدينتي حلب ودمشق، مع وجود كردي في محافظة حماة وريفها.

تُشير التقديرات إلى أن الكرد يمثلون 8.9% من السكان، أي حوالي 2.5 مليون شخص(3) . معظم الكرد في سورية من المسلمين السنة، مع وجودد نسبة بسيطة من العلويين الكرد في منطقة عفرين ويتركز وجودهم في ناحية (معبطلي/موباتا)، كما توجد نسبة من اليزيديين في عفرين والجزيرة، إلاا أنّ النسبة الأكبر هم من المسلمين السنة، وتصل لما يزيد عن 96% من نسبة الكرد في سورية.

ثانياً: أبرز الحركات الإسلامية الكردية 

أ. العراق

تتواجد في العراق (4) حركات وأحزاب إسلامية كردية تعمل علناً، ولها مندوبين في برلمان إقليم كردستان العراق، وبعضهم يمثل قوة سياسية لا يستهان بها في الإقليم، وأهم تلك الجماعات والأحزاب:

1. الاتحاد الإسلامي الكردستاني

تأسس (الاتحاد الإسلامي الكردستاني) في 6/2/1994، ويرأسه حالياً (صلاح الدين محمد بهاء الدين) مواليد (4)1950 ، ويشكّل رابع قوة سياسية في إقليم كردستان العراق بعد الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البرزاني، وحركة التغيير بقيادة (نوشيروان مصطفى)، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة (جلال الطالباني)، ويشغل الاتحاد الإسلامي الكردستاني (10) مقاعد في برلمان الإقليم(5) ، وله حقيبتان وزاريتان في حكومة الإقليم،، ويشغل (4) مقاعد في البرلمان العراقي، وحقيبة وزارية في الحكومة العراقية (وزير الهجرة والمهجرين).

يعرّف الاتحادُ الإسلامي نفسَه في نظامه الداخلي بأنه حزبٌ وطنيٌ كوردستانيٌ، بمرجعية إسلامية، يناضل من أجل تثبيت قيم الحرية والعدالة الاجتماعية، على أسس المواطنة ودائرة الأخوّة الإنسانية الواسعة، ومن أجل تهيئة الأرضية المناسبة للعمل المشترك في سبيل كوردستان مستقلة، حرّة، ومزدهرة. وعلى قاعدة الوصل والارتباط بين مفاهيم: (الإسلام، الإنسانية، الوطن، الأمة)، يحدّد الاتحاد مكوناته الفكرية والاستراتيجية، وأهدافه، وبرنامجه في الإعداد، وضوابطه التنظيمية(6)

(7)

في عام 2005 و2011 تعرّضت مقرات الاتحاد الإسلامي الكردستاني لهجمات من قبل أنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني؛ وقُتل عددٌ من أعضائه بسبب دعوات الاتحاد للقضاء على الفساد، والقيام بإصلاح إداري ضمن مؤسسات الإقليم.

علاقات الاتحاد الإسلامي جيدة مع كافة الأحزاب والتجمعات السياسية في إقليم كردستان العراق، ولا توجد له عداوات سياسية أو عسكرية مع أية أطراف داخل الإقليم أو خارجه.

يملك الاتحاد الإسلامي العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية والإذاعات؛ بالاضافة إلى قنوات تلفزيونية محلية وقناة (speda) الفضائية(8) .

2. الجماعة الإسلامية الكردستانية

أسسها (علي بابير) في 31/5/2001 إثر خلافات ضمن (الحركة الإسلامية الكردستانية) فانشق بابير عن الحركة وأسّس الجماعة الإسلامية وتم تعيينه أمير الحركة الإسلامية الكردستانية في كردستان العراق(9) ، ولحق به ما يقارب 80% من أعضاء الحركة الإسلامية بسبب تمسك عائلة (عبد العزيز)) بقيادة الحركة وحصرها ضمن العائلة فقط. تم اعتقال علي بابير على يد القوات الأمريكية في 10/7/2003، وأطلق سراحه في 2005.

تعتبر الجماعة الإسلامية خامس قوة سياسية كردية في إقليم كردستان، ولها (6) مقاعد في برلمان الإقليم(10) . يعتبر (علي بابير) المولود عام 19611 في السليمانية من الشخصيات الدينية المعروفة في إقليم كردستان العراق، وله ما يقارب (60) مؤلفاً بين دراسات سياسية ودينية، ولشخصيته شعبيةة كبيرة بين سكان الإقليم.

3. الحركة الإسلامية الكردستانية

تأسست الحركة الإسلامية في كردستان العراق عام 1987 على يد (عثمان عبد العزيز)، ودخلت الحركة الإسلامية في صدام مسلح مع مسلحي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني عام 1993 مما أدى إلى اعتقال زعيم الحركة ، ولجأ جميع مقاتلي الحركة إلى إيران بعدها،، وبعد توسط إيران بين الطرفين عاد مقاتلو الحركة إلى إقليم كردستان العراق.

بعد وفاة عثمان عبد العزيز في 1999 تولّى شقيقه (علي عبد العزيز) قيادة الحركة حتى وفاته في 2007، بعدها تولى (الشيخ صديق عبد العزيز) قيادة الحركة، وحالياً يقودها (الشيخ عرفان عبد العزيز ) ابن مؤسس الحركة (عثمان عبد العزيز)، وتعتبر الحركة سادس حركة سياسية في إقليمم كردستان العراق بحسب الانتخابات النيابية عام 2013(13) ، ولها مقعدٌ واحد في البرلمان.

4. حركات أخرى

إلى جانب الحركات المذكورة، وهي حركات سياسية علنية، شهدت الساحة الكردية في إقليم كردستان العراق عدداً من الحركات المتشددة والمقربة من القاعدة؛ منها: جماعة (أنصار الإسلام) بقيادة (الملا كريكار)، الذي انشق عن الجماعة الإسلامية في 2001، و(جند الإسلام) و(تنظيم حماس الإسلامي في كردستان). وقد بايع قسمٌ كبيرٌ من عناصر هذه التنظيمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في 2014 وقاتل قسمٌ منهم في سورية، إلا أنّ أعدادهم قليلة بالمقارنة مع التنظيمات الإسلامية الثلاث الأساسية في إقليم كردستان العراق.

ب. تركيا 

اقتصرت الحركة الدينية في الوسط الكردي في تركيا على حزب واحد فقط هو (حزب الدعوة الحرة HUDA PAR– حزب الله سابقاً-). ولكن التاريخ السياسي الكردي في تركيا مليء بالشخصيات الدينية التي كان لها دور سياسي في المجتمع الكردي.

ومن أهم هذه الشخصيات: (الشيخ سعيد بيران 1865-1925) و(الشيخ عبيد الله النهري 1831- 1888)، ومن الشخصيات الكردية المعروفة والتي دخلت في المجال السياسي ومن ثم تركته (الشيخ سعيد النورسي 1877-1960)، وهو من الأشخاص الذين نادوا بالأخوة بين المسلمين كرداً وتركاً، ورفض المشاركة مع الشيخ سعيد بيران في ثورته عام 1924 لهذا السبب، وكان له أثر كبير في الحركات الدينية في تركيا سواء الحركات الإسلامية التركية أم الكردية.

1. حزب الدعوة الحرة (حزب الله سابقاً)

تأسّس حزب الدعوة الحرة في 1979 على يد عدة أشخاص أبرزهم (حسين ولي أوغلو، فيدان غونغور، عبدالله دالار، منصور غوزال سوي، عبد الله ييغيت) ، والذين كانوا قد أسسوا في البداية حركة (الوحدة).

حدثت صراعات داخلية ضمن الحركة نتيجة للخلاف حول طريقة الرد على تعدّي حزب العمال الكردستاني على امرأتين محجبتين، حيث أصرّ (حسين أوغلو) على الرد المسلح، بينما فضّل (فيدان غونغور) التريث، وكان هذا الخلاف سبباً في انشقاق الحركة إلى شقين هما جماعة (غونغور) والتي عُرفت بـ (جماعة المنزل) نسبة إلى (مكتبة منزل) التي كان يملكها (فيدان غونغور) ومنها أسس جماعته. والأخرى (جماعة العلم) بقيادة (حسين ولي أوغلو)، وحينها بدأ اسم (حزب الله)(15)  يخرج للعلن، وتسبب الانشقاق إلى حدوث صدامات بين الطرفين نتج عنها انكماش جماعة (المنزل) بعد مقتلِِ عدد كبير من قياداتها، وخاصة بعد اختطاف زعيمها (فيدان غونغور) من اسطنبول، والعثور على جثته في باتمان.

حدثت صدامات عنيفة بين (حزب الله) و(حزب العمال الكردستاني) من سنة 1991 حتى 1995 قُتل خلالها الآلاف من الطرفين ولا سيما في مدن (باطمان، نصيين، ديار بكر، استنبول). في 1997 نفّذت الحكومة التركية حملة اعتقالات استهدفت أعضاء وقيادات الحزب في إطار حملتها ضد حكومة (نجم الدين أربكان)، والمحسوبين عليها من (المتدينين)، وفي عام 1999 بعد اعتقال (عبد الله أوجلان) زعيم حزب العمال الكردستاني ارتفع معدل الاعتقالات بحق أعضاء وقيادات الحزب.

وفي 17/1/2000 قُتل زعيم الحزب (حسين ولي أوغلو) بعد اقتحام الأمن منزلاً في استنبول كانت تستخدمه الحركة كمقر لها، علماً أنّه لم يكن مطلوباً للأمن.

يربط الكثيرون تأسيس وزيادة قوة (حزب الله) بدعم الحكومة التركية له ليكون منافساً لحزب العمال الكردستاني، ويستشهدون على ذلك بأنّ قيادات حزب الله كانت تعمل علناً، وكان الحزب يُدرّب عناصره في معسكرات ضمن الأراضي التركية وليس خارجها.

حصلت صدامات مسلحة بين الحزب وأنصار حزب الشعوب الديمقراطي الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني في تركيا بين عامي 2014 و 2015، وقُتل خلالها عددٌ من الطرفين، إلا أنّ الصدامات لم تستمر كثيراً كما حصلت في تسعينات القرن الماضي.

يُشكّل الحزبُ حالياً تهديداً فعلياً لحزب الشعوب الديمقراطي الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني بسبب خلفيته الإسلامية التي ستؤثر إيجابياً على تقرّب الجماهير منه، فمعظم أكراد تركيا يحترمون رجال الدين.

وقد شكّلت مكانة رجال الدين في الوجدان الكردي التركي سبباً في تغيير حزب العمال الكردستاني سياسته تجاه الدين التي طالما حاربه منذ تأسيسه وحتى اعتقال عبد الله أوجلان في 1999، فبعد حزمة من الاصلاحات والتغييرات داخل الحزب؛ بدأت المؤسسة الحزبية بالتقرّب من رجال الدين، وأسس الحزب مؤسسات دينية تابعة له، وحاول الحزب استقطاب المتدينين لصالحه، فعقد (مؤتمر الإسلام الديمقراطي) في مدينة آمد (دياربكر) الكرديّة، جنوب شرق تركيا في 10/5/2014، حيث أرسل زعيم حزب العمال الكردستاني (عبد الله أوجلان) من سجنه رسالة إلى المؤتمر، كما استقطب الحزب عدداً من شيوخ الدين كإمام الجامع الكبير في ديار بكر (الملا عبدالرحمن درّه).

ويقوم الحزب بتطبيق سياسة مشابهة في المناطق الخاضعة لسيطرته في المناطق الكردية في سورية، حيث قام منذ اعلان الإدارة الذاتية في 2013 بتشكيل (وزارة الشؤون الدينية) والتي تم تغييرها فيما بعد في 2016 إلى (مكتب شؤون الأديان) الذي يرأسها (الشيخ محمد القادري)، وكذلك أسس الحزب (اتحاد علماء المسلمين الكرد) الذي يرأسه حالياً (الملا محمد رشيد الغرزاني).

وتجدر الإشارة إلى ظاهرة موجودة بين أكراد تركيا وهي ظاهرة (الانضمام إلى تنظيم الدولة)، وتتركز هذه الظاهرة بين أكراد منطقة (بينغول) وهم من الكرد (الزاز)، وتشير بعض التقارير إلى انضمام ما يقارب (600) شخص من أكراد تلك المنطقة إلى تنظيم الدولة كأقل تقدير .

ج. سورية

كانت الحركات السياسية الدينية في المناطق الكردية السورية معدومة قبل عام 2011، واقتصرت على حضور محدود لجماعة الإخوان المسلمين في فترة الثمانينات، والتي لم يعد لها وجود في المناطق الكردية بعد الرد العنيف للنظام على الجماعة في ثمانينات القرن الماضي سوى بعض الخلايا النائمة البسيطة(17) ، واقتصرت الحركات الدينية في تلك الفترة على الطرق الصوفية فقط، مع مشاركة شخصيات دينية –بصفة شخصية– في الحركةة السياسية الكردية، منهم (الشيخ محمد عيسى سيدا قره كوئي 1924-2001) الذي كان من مؤسسي الحزب الديمقراطي الكردستاني–سورية، و(الشيخخ محمد باقي ملا محمود 1936-2008) السكرتير السابق للحزب الديمقراطي الكردي السوري، و(الشيخ محمد معشوق الخزنوي 1957-2005).

شهدت المناطق الكردية في سورية بعد عام 2011 ظهور حركات إسلامية سياسية في الداخل والخارج، وتبنت الفكر الإسلامي منهجاً لها في العمل السياسي، ولكنّها كانت حركات صغيرة ولم تتمكن من الاستمرار بالعمل، أو توسيع قاعدتها الشعبية داخل المناطق الكردية. وهنا سنسرد بعض التفاصيل عن تلك الحركات قبل وبعد الثورة، وأسباب عدم نجاح تلك الحركات من تأسيس قاعدة شعبية، أو حضور عملي واضح على الأرض.

الحركات الصوفية

1. الطريقة النقشبندية 

تعود بدايات هذه الطريقة في المناطق الكردية بسورية إلى عام 1912 حيث أتى بها (الشيخ أحمد الخزنوي) المولود في قرية خزنة جنوب شرق القامشلي سنة 1887، حيث كان يدرس على يد مشايخ تلك الطريقة في تركيا. ازدادت الطريقة قوةً في عهد أبنائه الذين توارثوا عنه المشيخة (معصوم، علاء الدين) إلا أن أوج القوة التي وصلت إليها هذه الطريقة كانت في عهد ابنه (الشيخ عز الدين الخزنوي) المولود عام 1925، والمتوفي سنة 1992، ليستلم بعدها ابنه (الشيخ محمد عز الدين الخزنوي) المشيخة عن أبيه.

أدّى استلام (الشيخ محمد عزّ الدين) لمشاكل ضمن عائلة الخزنوي؛ حيث رفض (الشيخ عبد الغني الخزنوي) وهو ابن (الشيخ أحمد الخزنوي) استلام ابن أخيه للمشيخة، ورأى نفسه أحق بها، وانقسمت الطريقة والعائلة إلى قسمين: قسمٌ في قرية (تل معروف) وهم جماعة (الشيخ محمد) وبقي معه القسم الأكبر من المريدين، والقسم الآخر في قرية (خزنة) وهم جماعة (الشيخ عبد الغني).

وفي 24/10/2015 توفي الشيخ (محمد الخزنوي) إثر حادث سير في السعودية، بعد عدة أشهر من مقتل أخيه (الشيخ محمد معشوق الخزنوي) على يد النظام السوري في 1/6/2005. استلم بعدها المشيخة ابنه (الشيخ محمد مطاع الخزنوي) والذي انتقل إلى قرية (تل عرفان) بريف الدرباسية بمحافظة الحسكة بسبب خلافات مع عمه (الشيخ محمد راشد). ويعيش الشيخ محمد مطاع حالياً في مدينة (أضنة) بتركيا بين مريديه.

(18) .

وسواء صح ما قاله درويش أو لا، فإن الطريقة كانت تبتعد بمريديها عن الحركات السياسية، وتوجههم نحو العبادات واحترام الطريقة فقط. كما كانت الطريقة تتلقى دعماً من الحكومة السورية والتركية معاً، ولا نبالغ إذا شبهنا دعم الحكومة السورية حينها للطريقة النقشبندية بدعمها لحزب العمال الكردستاني، فقد أسست الطريقة النقشبندية معهداً علمياً كان يدرس فيه آلاف الطلاب، وكانت تفرزهم إلى المساجد في المنطقة الكردية، وفي سورية عموماً كأئمة وخطباء، من دون أن تتدخل دائرة الأوقاف التابعة للنظام السوري في عملهم أو فرزهم.

2. الطريقة القادرية

الطريقة القادرية في المناطق الكردية في سورية ليست قديمة كالطريقة النقشبندية، فازدهار هذه الطريقة كانت على يد (الشيخ عبيد الله القادري) المولود عام 1944 في مدينة عامودا بمحافظة الحسكة، معظم مريدي هذه الطريقة كانوا من العرب، من دير الزور والرقة وحلب.

تشيّعت الطريقة القادرية قبل عشر سنوات تقريباً، وأسست (حسينية) كبيرة في مدينة عامودا إلا أنّها لم تبدأ العمل بسبب بدء الاحتجاجات الشعبية عام 2011، وانتقل (الشيخ عبيد الله) بعدها إلى تركيا حيث ما زال يعيش هناك حتى اليوم، وتحولت الحسينية إلى مركز إيواء للنازحين.

على غرار الطريقة النقشبندية، أبعدت الطريقة القادرية مريديها عن الخوض في السياسة، وكذلك تلقت دعماً كبيراً من النظام السوري، وكانت للشيخ عبيد الله علاقات مع الحكومتين الليبية والإيرانية.

إلى جانب هذا الطرق الصوفية تواجدت في المنطقة الكردية عدد من العوائل التي عرفت بتدينها، وأصبحت قبلةً لعدد غير قليل من أبناء المنطقة، وأهم تلك العوائل عائلتي (ديرشوي)؛ والتي عُرف من أبنائها: (الشيخ محمد نوري والشيخ محمد نذير)، وعائلة (حقي)؛ والتي عُرف من أبنائها: (الشيخ عدنان حقي والشيخ خاشع حقي). إلا أنّ هاتين العائلتين لم تصلا إلى درجة الطرق المذكورة من حيث الشعبية أو دعم النظام، بل كان البعض من أبنائهم من المعارضين لحكم الأسد، ولعلَ هذا هو السبب في عدم سماح النظام لهم للعمل بحرية كما سمح للطرق الصوفية الأخرى.

الشخصية الدينية السياسية الأبرز في تاريخ الحركة الكردية في سورية قبل الثورة هو (الشيخ محمد معشوق عزالدين الخزنوي) ابن شيخ الطريقة النقشبندية (الشيخ عزالدين)، والمولود في قرية تل معروف في 25/1/1958، حاصل على درجة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية بكراتشي بباكستان، توجه الشيخ نحو العمل السياسي في عام 2004، وبدأ بنقد النظام علانيةً، ولأنّه كان يمتلك أسلوباً خطابياً؛ فقد تأثر به عدد كبير من السياسيين الكرد وغير السياسيين، وله خطابات كثيرة ينتقد فيه النظام وبعبارات شديدة ، ويدعو إلى منح الكرد حقوقهم ضمن إطار الأخوة الإسلامية، وتواصلل وتقرّب من الكثير من الأحزاب السياسية الكردية، وخشي النظام من التأثير الكبير للشيخ معشوق على الجماهير الكردية، وكذلك خشي من أن يكونن السبب في توحيد الأحزاب الكردية التي التف عدد منهم حوله بسبب الكاريزما والشخصية القوية التي كان يتمتع بها الشيخ، إضافة إلى خشية النظام من قيامه بتأسيس حزب إسلامي كردي يجمع ويوحد في صفوفه المتدينين الكرد المبعثرين في المدن الكردية دون إطار يجمعهم.

لم يدم نشاط الشيخ معشوق طويلاً، فقد تم اختطافه في دمشق من قبل الأجهزة الأمنية في سورية بتاريخ 10/5/2005، وعُثر على جثته في دير الزور بتاريخ 1/6/2005، وقد شارك في تشييعه عدد كبير من مناصريه، ومن مناصري الأحزاب الكردية، وتحولت إلى مظاهرات مناوئة للنظام ومطالبة بالحقوق الكردية، مما تسبب في اعتقال العشرات ممن شاركوا في تلك المظاهرات خلال أيام عزاء الشيخ  ، حيث كانت المجموعات تنطلق منن خيمة العزاء مشكلة مظاهرات ضد النظام في مدينة القامشلي.

الحركات السياسية

بعد عام 2011 بدأت تتأسس حركات دينية منها سياسية ومنها من دعى إلى فصل الدين عن السياسة، ومن تلك الحركات :

1. اتحاد علماء المسلمين الكرد 

تأسس عام 2014 بدعم من حركة المجتمع الديمقراطي، وعَقد مؤتمره الأول في 16/5/2015  في مدينة القامشلي، ومؤتمره الثاني  فيي 29/10/2016.

يتألف الاتحاد من ما يقارب (200) رجل دين من أئمة المساجد وخطباء الجوامع في المناطق الكردية، ويرأسه (الملا محمد رشيد الغرزاني). ويدعو الاتحاد إلى فصل الدين عن السياسة والدولة، ويقوم حالياً بدور (وزارة الأوقاف) بالتعاون مع (مكتب شؤون الأديان) التابع للمجلس التنفيذي في مقاطعة الجزيرة والذي يرأسه (الشيخ محمد القادري) الذي تلقى جزءاً من علومه في (إيران).

2. جبهة العمل الوطني لكرد سورية

تأسست جبهة العمل الوطني في 15/1/2012 خلال اجتماع في القاهرة ، وتتألف الجبهة من: جمعية علماء الكرد في سورية، وحدة العملل الوطني لكرد سورية، رابطة المرأة الكردية، التمثيل الكردي في تنسيقية الثورة السورية–الأردن، تنسيقية أحرار قامشلو، مستقلون، ممثلون عن عشائرر كردية. وذلك بحسب البيان التأسيسي الذي نشرته الجبهة على صفحتها الرسمية .

ورغم ورود اسم (تنسيقية أحرار قامشلو) في البيان التأسيسي الذي نشر في 9/2/2012، إلا أنّ بيان انضمام تنسيقية أحرار قامشلو لجبهة العمل الوطني لكرد سورية كان في 14/4/2012، أي بعد شهرين من تأسيس الحبهة .

ويشغل منصب الأمين العام للجبهة (إبراهيم درويش) وهو كردي مقيم حالياً في فرنسا، ورئيس الجبهة هو (الدكتور مصطفى مسلم) شقيق (صالح مسلم) رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي pyd، ويشغل منصب مدير (جامعة الزهراء) في تركيا حالياً.

(26)

ليس للجبهة حتى اليوم إعلام نشط، فموقعها الالكتروني متوقف، وهي مقتصرة على صفحة على موقع (فيسبوك). كما لا توجد لها نشاطات داخلية وخارجية (بحسب متابعتنا لصفحتهم) وكذلك تواصلنا مع أمينها العام (ابراهيم درويش) الذي عزا ذلك إلى القبضة الأمنية للإدارة الذاتية في المناطق الكردية، وضعف التمويل المادي، وعدم وجود خبرات فنية عندهم(27) .

3. جمعية علماء الكرد في سورية 

أقدم حركة دينية بين أكراد سورية، ويعود تأسيسها إلى عام 1992، وكانت تنشط في المجال الإغاثي والتعليمي في إقليم كردستان العراق، يرأسها الدكتور (مصطفى مسلم) شقيق (صالح مسلم) الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي pyd، وهو دكتور جامعي يشغل حالياً منصب رئيس جامعة (الزهراء) بتركيا. ومع أنّ النظام الداخلي للجمعية لا توجد فيه أيّة بنود سياسية

ليس لدى الجمعية إعلام نشط يتحدث باسمها، ولا حتى موقع الكتروني أو صفحة فيسبوك.

4. وحدة العمل الوطني لكرد سورية 

تأسست في الأردن أواخر عام 2006 على يد عدد من الكرد المقيمين في الخارج من بينهم (إبراهيم درويش) الأمين العام لجبهة العمل الوطني لكرد سورية حالياً، وانضمت وحدة العمل الوطني في 2012 إلى جبهة العمال الوطني لكرد سورية.

كان عمل وحدة العمل الوطني قبل عام 2011 مقتصراً على العمل الإغاثي والإعلامي، بالإضافة إلى نشاطات خارج سورية. كان للحركة موقع الكتروني إلا أنّها حالياً متوقفة لمشاكل تقنية، وهي ضعيفة إعلامياً كمثيلاته ضمن (جبهة العمل الوطني لكرد سورية)، رغم أن موقعها الإلكتروني، المتوقف حالياً، كان نشطاً وبشكل كبير قبل عام 2011 .

5. الحزب الإسلامي الكردي السوري

إلا أنّ الحزب كغيره من الحركات الإسلامية الأخرى لم ينشط بشكل كبير في المناطق الكردية في سورية، ولا يوجد له حالياً أي أثر، سوى على صفحات الإنترنت.

6. رابطة علماء ومثقفي الجزيرة في سورية 

تأسست الرابطة في تشرين الأول/أكتوبر 2012 على يد عددٍ من المثقفين ورجال الدين الكرد السوريين ، وانضمت الرابطة إلى (تيار المستقبل السوري)، ويرأسها (عبد الرزاق خلف) المولود في عامودا، والمتخرج من كلية الشريعة في جامعة دمشق، والحاصل على درجة الماجستير، ويقيم حالياً في تركيا.

لا توجد للرابطة حالياً أية نشاطات ملموسة في المناطق الكردية، ويقتصر نشاطها في تركيا، وعبر المواقع الاعلامية فقط. وإعلامها ضعيف، ولا تملك سوى صفحة على موقع فيسبوك.

7. حركة الحياة الجديدة

تأسست حركة الحياة الجديدة في 1/9/2011 بمدينة كركي لكي/المعبدة بمحافظة الحسكة، ويرأسها (أسعد شمسي) معلم الرياضيات سابقاً، والمقيم حالياً في تركيا .

انضمت الحركة إلى (المجلس الوطني السوري)، وانضمت مع المجلس إلى (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية)، وأسست مع عدة مجموعات سورية هي (التيار الوطني السوري، كتلة التحرير والبناء، الكتلة الوطنيّة التركمانيّة السوريّة، تيار التغيير الوطنيّ، حركة الحياة الجديدة في سورية) ما يسمى بـ (الائتلاف الوطنيّ في سورية )، وهو غير (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية).

حركة الحياة الجديدة من الحركات الضعيفة على الأرض في المناطق الكردية، ولا يوجد لها نشاط ملحوظ، وليس لديها موقع الكتروني أو جريدة أو أية وسيلة إعلامية سوى صفحتها على فيسبوك.

وبحسب رئيسها فإن السبب الرئيسي لضعف نشاطها هو الضغط الأمني في المناطق الكردية، وعدم وجود تمويل مادي أو تبرعات للحركة لكي تنشط بشكل جيد إعلامياً(36) .

8. حركة الحق والعدالة الإسلامية الكردية في سورية

تأسست الحركة في 12/12/2011 بحسب إعلانها في بيانها التأسيسي(38)

(39)

وتُظهر هذه الافتتاحية لبيان تأسيسي لحركة إسلامية كردية في سورية مدى الشرخ بين الحركات القومية والدينية أو بين المتدينين والقوميين بين أكراد سورية ، وبكل تأكيد فإنّ هذه الشرخ موجود في تركيا كذلك، إلا أنّه أقل بكثير في العراق، وخاصة في مناطق سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، ولعل ّ السبب الأبرز وراء ذلك هو خلفية عائلة البرزاني الدينية، والتي خلقت أجواء من الارتياح بينها وبين المجموعات والأحزاب الإسلامية في كردستان العراق.

واقع الحركة الدينية الكردية في سورية 

من الملاحظ أنّ جميع الحركات الدينية في سورية ضعيفة إعلامياً، ولا توجد لديها صحف أو مجلات، ولا حتى دوريات تصدر باسمها الكترونياً أو ورقياً، ناهيك عن عدم وجود فضائية تنشر فكرها أو تغطي نشاطاتها، على العكس تماماً من تلك الموجودة في تركيا والعراق، حيث تمتلك الحركات الدينية الكردية هناك جميع الوسائل الاعلامية بأنواعها (صحف، مجلات، إذاعات، فضائيات).

ومع أنّ بعض من قياديي الحركات الإسلامية في سورية أرجعوا ذلك إلى ضعف التمويل المادي عندهم إلا أنّ هذا السبب غير كاف، فبعض الوسائل الاعلامية لا تحتاج تمويلا مادياً كبيراً، وإنما تحتاج كادراً بشرياً (كالمواقع الإلكترونية، والنشرات الدورية الالكترونية)، فحتى صفحات التواصل الاجتماعي عندهم لا تعمل بشكل جيد، وهذا يدل على مدى الضعف الكبير عند تلك الجماعات من ناحية الكادر البشري المتفرغ للحزب او الحركة.

جميع تلك الحركات تعمل خارج المناطق الكردية إما في تركيا أو أوروبا، وحتى بعضها تأسس في الخارج، ومعظمهم وإن كانوا يمتلكون رؤية سياسية إلا أنّ عملهم اقتصر على الاغاثي فقط، والسياسي منه اقتصر على بيانات سياسية فقط.

منذ تأسيس الحركة السياسية الكردية في سورية في 14/6/1957، ووصول عدد الأحزاب الكردية إلى ما يقارب (30) حزباً أو أكثر حتى اليوم، لم تشهد الحركة وجود جسم سياسي ديني، فقد اقتصرت على أحزاب يسارية وقومية كانت تعتمد في مناهجها على الفكر الماركسي الشيوعي، وذلك على العكس تماماً من أقرانهم من أكراد العراق وأكراد تركيا، وكذلك على العكس من أقرانهم السوريين في المناطق الأخرى وخاصةً المعارضة السورية، حيث تكثر وجود حركات دينية سياسية فيها، ولها قاعدة شعبية كبيرة بين السوريين.

ورغم محاولات بعض الإسلامين تأسيس حركات دينية بين أكراد سورية بين الحين والآخر إلا أنّها لم تكلل بنجاح كبير وخاصة على المستوى الميداني والشعبي، وبقيت تلك الحركات أسيرة المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، أو مقتصرة على العمل الخارجي فقط. وكثرت هذه المحاولات بعد عام 2011، حيث تم تأسيس وتشكيل عدة أجسام سياسية إسلامية بين الكرد السوريين وقد سبق ذكرها(40) ، إلا أنّها كذلك لم تخرج عن إطار عملل بسيط مقتصر على مواقع إلكترونية وصفحات تواصل اجتماعي.

يقول بعض الباحثين إنّ السبب وراء ذلك هو أنّ الكرد السوريون المتدينون (معتدلين)، لذلك فهم يبتعدون عن الإسلام السياسي، ولكنّه سبب غير كاف لشرح هذه الظاهرة التي تكاد تكون معاكسة للمناطق الجغرافية المحيطة بالكرد السوريين سواء في تركيا و العراق أو في سورية أيضاً. فهذه الظاهرة لها أسباب كثيرة اجتمعت وخلقت النتيجة الحالية من غياب الحركات الدينية القوية في الساحة السياسية الكردية في سورية، وهي :

•  تأسيس الحركة السياسية الكردية منذ بداياتها كانت على يد أشخاص يحملون الفكر الماركسي، والكثير منهم كانوا أعضاء سابقين في الحزب الشيوعي السوري، لذلك كانوا بعيدين عن التدين، وكانوا هم المسيطرون دائماً على الحركة السياسية الكردية، ولا زالوا حتى الآن هم المسيطرون. وكانت رؤاهم السياسية وأنظمتهم الداخلية تنص على بنود يراها الإسلاميون منافية للدين، كبند علمانية الدولة مثلاً.

•  ابتعاد الفكر الديني عن الفكر القومي، بما دفع رجال الدين (الملالي، الشيوخ، المتصوفون) للابتعاد عن الحركات السياسية الكردية، وكانوا يخشون من تأسيس حركات سياسية خاصة بهم.

•  اتهام الإسلام من قبل الحركة السياسية الكردية بأنّه سبب التخلف والويلات التي حلّت بالكرد، وانتشار مثل هذه الأفكار بين القواعد الشعبية لتلك الأحزاب، وازداد هذا الشيء أكثر بعد أحداث العراق في 2003 وتنفيذ تنظيم القاعدة عدة عمليات إرهابية بحق العراقيين عرباً وكرداً، حيث كان معظم أكراد سورية من المتعاطفين بشكل كبير مع العراقيين، والمؤيدين لدخول أمريكا للعراق.

  خوف الشارع الكردي المتدين والقومي من التعامل مع الحركات الدينية بعد التعامل العنيف للنظام مع الإخوان المسلمين في سورية، وصدور القانون (49) عام 1980 والذي ينص على إعدام كل شخص متهم بالانضمام لجماعة الإخوان المسلمين، وكان هذا سبباً في خوف المتدينين الكرد من تأسيس جسم سياسي خاص بهم خوفاً من اتهامهم بأنهم من جماعة الاخوان المسلمين أو خوفاً من مواجهة ذات مصيرهم، وكذلك هرب عدد من الإسلاميين الكرد في ثمانينيات القرن الماضي إلى العراق والأردن ودول الخليج بسبب علاقتهم بجماعة الاخوان كان سبباً في ازدياد خوف الكرد من الحركات الدينية.

• (41) ، ثالثاً:: رغبة البعض منهم وخصوصاً حزب الاتحاد الديمقراطي في إبعاد الشباب الكرد عن المجموعات الإسلامية التي تحمل السلاح ضد وحدات حمايةة الشعب، لذلك كانت هناك حملات إعلامية ممنهجة ضد تلك الجماعات الإسلامية، ووصل إلى درجة اتهام الإسلام بأنّه دين الارهاب من قبل بعض الكرد، وخاصة بعد الهجوم الذي شنّه تنظيم الدولة على كوباني عام 2014.

وكانت العلاقة بين المتدينين والقوميين في المناطق الكردية السورية علاقة نستطيع وصفها بـ (عدم محاباة باطنية) كان يخفيها كل طرف عن الآخر، ويظهرها كل طرف بين أقرانه (المتدينين أو القوميين)، وما كان يساهم في تخفي هذه الظاهرة هو عدم وجود أحزاب وحركات اسلامية سياسية بين أكراد سورية.

بعد عام 2011 بدأ السياسيون الكرد بإظهار مخاوفهم من وجود الإسلام السياسي في الوسط الكردي علناً، حيث تبنى (المجلس الوطني الكردي) في مؤتمر الأول الذي عقد في تشرين الأول/نوفمبر من عام 2011 مبدأ (علمانية الدولة في سورية) وركّز عليها كثيراً من خلال اللافتات التي كان يرفعها في المظاهرات، أو الكلمات التي كان يلقيها قياديو المجلس خلال المظاهرات أو لقاءاتهم الإعلامية، فيما بدا كردة فعل على (أسلمة) الثورة السورية والتي ترفضها معظم الأحزاب القومية الكردية، وما زال المجلس الوطني الكردي مصرّ على الاحتفاظ بمبدأ (علمانية الدولة)، رغم بعض الطروحات التي تم تقديمها للمجلس للتحول إلى (الدولة المدنية).

في الجانب الآخر تخطت (الإدارة الذاتية) خطوات أكثر عملية نحو (علمانية الدولة)، حيث قامت بتطبيق مبدأ التساوي بين الجنسين، والاعتراف بالزواج المدني ، ومنع تعدّد الزوجات.

عن موقع إتحاد الديمقراطيين السوريين