الخطوط العامة للإستراتيجية الأمريكية الجديدة

آزاد أحمد علي

د. آزاد أحمد علي

ليس مصادفة أن أصبح السيد الملياردير دونالد ترامب الرئيس رقم (45) للولايات المتحدة الأمريكية،  كما لا يمكن تبسيط فوزه وإحالته فقط إلى مزاج جماهيري شعبوي، فالوصول إلى الرئاسة الأمريكية تتطلب سياقات سياسية وقانونية متدرجة ومعقدة، فضلا عن عملية تنافسية حزبية ودبلوماسية صعبة، تتطلب آليات ترشيح وترجيح ليست سهلة.

ينبغي أيضا أن لا نفترض أن مؤامرة خفية روسية، أو قوة كبرى غامضة قد جاءت به وساعدته للوصول إلى الحكم. حيث تشكل رئاسته حالة استثنائية لم تعد تهم أمريكا فحسب، بل العالم بأسره، لذلك التفسير يحتاج للتدقيق بين الإفتراضين التقليدين السابقين، ينبغي التذكير بأن رئاسة ترامب مازالت تتصل ببعض جذورها بالمرحلة المتأخرة للحرب الباردة وبالتالي لما بعد تفكك الإتحاد السوفيتي السابق، هي بصيغة ما أحد ثمار سقوط الأيديولوجية الإشتراكية الشمولية من جهة،  نتيجة أولية لخيبة الأمل من حملة ليبرلة العالم ورسملته على النمط الغربي من جهة أخرى.

ظاهرة ترامب هي أحد أهم ثمار الديناميات الداخلية للمتغيرات السياسية والأيديولوجية على الساحتين العالمية والأمريكية عبر العقود الأربعة المنصرمة. هذه الإدارة بطريقة ما تجسد عمق المتغيرات في منحى وسياسات الحزب الجمهوري، الأكثر قدرة على التجريب والمجازفة في السياسات الأمريكية الخارجية. إن الأيام السبعون الأولى من حكم ترامب حددت بصيغة ما الخطوط العامة للإستراتيجية الأمريكية، التي ستستند على أدوات وعقول عسكرية في المقام الأول ومن ثم رأسمالية في الدرجة الثانية، بالتالي نحن لسنا أمام جنرالات يقودهم الساسة في واشنطن، بل قادة عسكريون يصنعون السياسة، فالإدارة الأمريكية الجديدة تتجه لتكون عملية تزاوج بين المؤسستين العسكرية – الأمنية والمالية الرأسمالية.  خططت في البدء لرفع الأداء العسكري لأمريكا، عبر زيادة ميزانية الدفاع على حساب ميزانية  العمل الدبلوماسي. ستكون الإدارة الجديدة حسب فهمنا الأولي لمنهجها، إدارة لمرحلة ما بعد ليبرالية الرأسمال العالمي، تخطيا لما أسست ومهدت لها العولمة تقنيا،  إدارة تعمل على ترسيخ مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة الرأسمال المسلح (Reinforced Capitalism)، التي تأتي  في أحد أوجهها كرد فعل على عدم القدرة على ليبرلة العالم ولا حل المشاكل الرئيسية للمجتمعات المعاصرة سلميا.

إستراتيجية الإدارة الجديدة تنتقل من شعار أمريكا أولا الإنتخابي الشعبوي إلى شعار (أمريكا ستفوز بالحرب)، فأي حرب ستفوز بها، وإلى أي مدى ستزداد الفعاليات العسكرية، خاصة في ظل رفع ميزانية الدفاع بمقدار (54) مليار دولار، أي حوالي 9%. فهل نحن عمليا أمام مرحلة تعولم العسكرة والحروب؟! بدلا من المرحلة السابقة التي كانت تبشر بالديمقراطية ونشرها، التي طالما نظر لها كيسنجر، فوكوياما وكونداليزا رايس منذ أمد بعيد، حتى حلم بها الرئيس الأمريكي السابق أوباما لفترة وجيزة.

جملة من العوامل تشير بإتجاه إتضاح ملامح الإستراتيجية الأمريكية في سياساتها الخارجية عموما، والشرق الأوسطية خصوصا. إن التقدم في معركة تحرير الموصل بموازاة تحسن العلاقات بين أربيل وبغداد، إعادة إدارة العلاقات التحالفية التقليدية باتت تشكل أحد أبرز أسس هذه الاستراتيجية في  الساحة العراقية، كما أن الموقف من المسألة السورية يظل ذات علاقة وثيقة  مع إرتسام ملامح الاستراتيجية الأمريكية، فعبر الخطوات العملية لحل المعضلة السورية يمكن فهم المنهج العام للتناول الأمريكي للقضايا الساخنة في المنطقة والعالم. إضافة إلى مؤشرات اخرى  عديدة وجديدة تستند على مستويات التعاون الإقتصادي والعسكري مع دول الخليج العربي.

1- أمريكا المقسمة

الإدارة الأمريكية لم تستكمل بعد شروط فعاليتها، بل يكرر ترامب بأنه قد ورث “أمريكا مقسمة من أوباما”، فإن كان وصف أمريكا بالإنقسام مبالغ فيه لكن إنقسام إدارة أوباما كان مؤكدا، فهل سيتحقق التساوق والإنسجام بين أطراف الادارة الأمريكية الجديدة؟ هل ترامب قادر أن يقنع جميع المؤسسات ذات العلاقة الوثيقة بتوجهاته؟ أم سيظل الإختلاف في السياسات والإستراتيجيات قائمة بين (البنتاغون، سي اي إيه، الكونغرس). مهمة ترامب الأساسية تكمن في التقارب بين المؤسسات الأمريكية الفاعلة ذات التوجهات والسياسات المتباينة، حتى يتمكن من إعادة  تشذيب وترتيب تحالفاته في المنطقة، لأن هذه التحالفات والأولويات مازالت موضوعا خلافيا بين أطراف الإدارة الأمريكية نفسها، فحتى يوم 24/3/2017 لايبدي الكونغرس تناغما كافيا مع توجهات ترامب وسياساته، على الرغم من غالبيتها الجمهورية (إذا أخذنا موضوع أوباما كير نموذجا ومؤشرا أوليا).

لذلك ولدقة قراءة المشهد من الأهمية أن نعرف من سيكون مهندس السياسة الخارجية الأمريكية القادم؟ في ظل عدم ظهور شخصية كارزمية ذات ثقل فكري وسياسي من الصعب الإتفاق على فلسفة متماسكة وجديدة للحكم. أما كيف سيتم بلورة الاستراتيجية الأمريكية الراهنة والمستقبلية، من سيرسم مسارها فكريا وفلسفيا إن جاز التعبير؟ من  قادر أن يمرر هذه السياسة التي قد تتصادم مع القوانين الأمريكية، كما في حالة (حظر السفر لمواطني بعض الدول)، من هم الشخصيات الأبرز القادرون في هذا الحقل على إقناع ترامب والتأثير بشكل مباشر على قراراته العملية؟ بالتالي هل فعلا السياسة الأمريكية هي نتاج فكر ورؤى شخصية أم تخطط لها المؤسسات؟ مجموعة كبيرة من الأسئلة المتزاحمة تحتاج للإجابات الأولية والنظرية، كي يتم التمهيد لفهم الملامح العامة للإستراتيجة الأمريكية الجديدة.

ما يرجح كفة الميزان لصالح القيادات العسكرية أن أغلب المناصب المفتاحية قد تسلمها جنرالات سابقون في الجيش الأمريكي. الذين سيساهمون مباشرة في رسم السياسات، فثمة شخصيتان قد يكونا ذات علاقة وثيقة برسم الإستراتيجيات، الأول هو الجنرال مكماستر(H. R. (McMaster، مستشار الأمن القومي، الذي يكون عادة شخصية مدنية خبيرة بالسياسات الخارجية بخلاف هذا الإختيار، الثاني مدير (C.I.A) مايك بومبيو. بصرف النظر عن مستقبل دور هذين الجنرالين، إلا أن قراءة السيرة الشخصية لأي صانع قرار تظل مفيدة لوضع تصور عن ما سيتخذونه من قرارات، أو ما سيعتمدونه كمنهج للتطبيق. مكماستر ضابط عسكري برتبة فريق في الجيش الأمريكي، مقاتل ميداني، شارك بفعالية في حروب (الخليج الثانية، العراق، أفغانستان)، في الوقت نفسه بروفيسور في تاريخ العلوم العسكرية وصاحب رؤية استراتيجية محددة، ما يوحي بأن شغله لمنصب مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي ترامب، سيطبع بطريقة أو أخرى السياسات الخارجية بالمؤثرات  والمنهج العسكري الذي يتبناه. أما مدير وكالة المخابرات الأمريكية (Michael Richard Pompeo = مايك بومبيو) الذي يعد أيضا أحد العاملين في الجيش الامريكي، فضلا عما يقال عنه، بأنه يميل إلى المواقف المتطرفة من المسلمين، فقد سبق وأعلن رفضه للإتفاق النووي مع إيران.  في سياق هذا الاستعراض جدير بالأهمية أن يتم التذكير بوزير الدفاع جيمس ماتيس(James Norman Mattis) صاحب لقب (الكلب المسعور) والمقولة – الفلسفة المثيرة : “كن مؤدبا، كن مهنيا، ولكن لتكن لديك خطة لتقتل جميع من تقابلهم” ، ماتيس قارئ جيد في مكتبته الخاصة عدة آلاف من الكتب، وبالتالي نحن لسنا أمام جنرالات نمطيين يقودهم السياسيين كأنهم بيادق أو آلات حرب، بل قادة عسكريون أصحاب رؤى قادرون على رسم وصنع السياسات. وإذا اخذنا بعين الاعتبار أن وزير الخارجية ريكس تيلرسون (Rex Tillerson) هو رجل نفطي، حيث شغل منصب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة أكسون موبيل منذ عام 2006. المعروف عن هذا الرجل القادم من تكساس أيضا بنجاح عمله مع الروس، إذ منحه عام 2013 الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسام الصداقة. 

2- السلاح على حساب الدبلوماسية أم التنمية؟

 قبل أن تستكمل الإدارة الأمريكية كل طاقمها وبناء شخصيتها، يمكن التكهن بأن المؤسسات الأمريكية مهما كانت راسخة ورصينة في عملها، يتضح في المحصلة أن مواصفات وخبرات أغلب صانعي القرار الأمريكي الجدد ترجح إهتمامهم بقضايا الشرق الأوسط الساخنة في المقام الأول، فثمة مؤشرات على تفضيلهم الحلول العسكرية على العمل الدبلوماسي. لذلك نفترض أن أول هذه التطبيقات  لهذا المنهج العسكري  كان إقرار زيادة عدد القوات الأمريكية للمرة الثانية في غضون شهر، لتتحصن في شمال سورية. علما أنه في ظل العديد من التكهنات، أن عملية تحرير الرقة لا تحتاج إلى كل هذا العدد من القوات والأسلحة الثقلية خاصة المدفعية، أي من الممكن أن يتم توظيفهم في مواقع أخرى قريبة لاحقا.

شكلت الخطوة العملية الأمريكية في التمركز بمدينة منبج وغربها لمنع دخول القوات التركية والمعارضة السورية الحليفة لها، بهدف الحيلولة دون اشتباك حلفاءها المتحاربين، تموضعا عسكريا جديدا، بل في الواقع هو تموضع سياسي إستراتيجي وخطة يمكن تحليلها على عدة مستويات: أنها مؤشر على رغبة أمريكا بإستبعاد الدور الإيراني وتجميد الدور التركي لجعله بمثابة المساند فقط في العملية العسكرية، كمستوى أولي، أما المستوى الثاني من فهم التمركز العسكري فيكمن في الإعتماد على القوات ذات الغالبية الكوردية كحليف وشريك أساسي في معركتي الرقة وديرالزور، المستوى الثالث لتفسير الحدث يكمن في أنه جاء كبداية لتعاون روسي – أمريكي لمحاربة داعش، وربما تدريبا عمليا مشتركا لمكافحة الإرهاب. عبر إستعراض المستويات الثلاث السابقة من التحليل، يمكن أن نستنتج ملامح الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في سورية، علما أن السفير الأمريكي في سورية فورد ( Robert Ford)  يعدها قديمة، استمرارية لخطة أوباما الأصلية في كيفية تناول المسألة السورية. 

بات من المتعارف عليه أن السياسة الخارجية الأمريكية في بعض مراحلها قد طبعت إلى حد كبير بأفكار مستشار الأمن القومي، المستشار الجديد محارب وشخصية عسكرية بإمتياز، فبحسب مصادر متعددة أن ترامب قد أعطاه  مساحة واسعة  للتحرك، لذلك من المرجح أن تزداد الفعاليات العسكرية، بل يترسخ النهج العسكري في السياسة الخارجية الأمريكية، هذا ما يستشف أيضا من رغبة ترامب المتصاعدة في تحديث وتضخيم الجيش الأمريكي بطلب (30) مليار 

دولار إضافي، لتصل إجمالي الزيادة في ميزانية الدفاع الأمريكية إلى (54 مليار دولار) أي ما يعادل 9%. 

 تقديم وتطبيق هذا النهج العسكري قد يكون عبر الساحة السورية، حيث يشكك مكماستر في نوايا كل من روسيا وايران، فقد سبق له أن صنف في مقالات قديمة موسكو بالخصم وليس الشريك.  إن الإحتكاك العملي على ساحة الجبهات السورية في الأسابيع القادمة ستكون إختبار جديد لنوايا الدولتين، فقد يستخلص الأمريكان منها ما سيتخذونه لاحقا من مواقف إزاء كل من روسيا وإيران.

هذا وقد سارعت التحركات العسكرية الأمريكية من الوصول إلى عتبة الإختبار هذه، فعملية الانزال للمارينز يوم 22/3/2017  في محيط مدينة الطبقة غرب نهر الفرات  قطعت الطريق أمام مشاركة القوات التركية وحلفاؤها من (الجيش الحر)، كما وضعت حاجزا عسكريا أما تقدم القوات الحكومية السورية وحلفاؤها من (الميليشيات الشيعية).

3- الإستثمار في الحرب؟

إن رؤى الجنرالات وخاصة وجهة نظر مكماستر في تطبيق ما يشبه إستراتيجة مستعارة من تجربة العراق، أي “استراتيجية العمل من البيت أو الباب المجاور from next door”  ، والتي تركز على عملية توطين القوات الأمريكية في مناطق مجاورة لأرض المعركة من جهة والإعتماد على الحلفاء المحليين من جهة أخرى، تلتقي مع طروحات ترمب الشعبوية الراديكالية، بما فيه توسيع قاعدة الحلفاء المشاركين في الحرب، لإستجرار الأغنياء منهم للمشاركة المالية في جهده العسكري القادم (اليابان، السعودية، ألمانيا، بريطانيا). سيتطلب هذا النهج على الأرجح التركيز على سياسة (أمريكا أولا) عسكريا، وبالتالي ستفتتح مرحلة جديدة من التوغل والإنخراط العسكري الأمريكي الواسع في مواقع متعدد من العالم، ويمكن الإفتراض أننا نتجه نحو مرحلة قد تكون أبرز سماتها توجه الرأسمال العالمي بقيادة أمريكا للإستثمار في الحرب، سواء طلبا للربح أم خوفا من تزايد المخاطر الأمنية، هذا مايستشرف من نتائج لقاءات ترامب مع ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والمستشارة الألمانية السيدة ميركل وقبلهلما رئيس الوزراء الياباني  شينزو آبي.

 قد تكون العمليات العسكرية في الرقة شرق سورية أحد أبرز الدلائل على إتضاح مسار السياسة الأمريكية في هذا الحقل، أي حقل الاستثمار في الحرب على التطرف، فبعد أن تم تحييد وتقييد تركيا على جبهة منبج، وربما تحصين هذا الموقع الإستراتيجي أمام تمدد تركيا مستقبلا، ستواصل أمريكا التعاون مع القوى الأخرى على الأرض من جهة، وتقلل من دور الواحدة تلو الأخرى كهدف مشخص في نهائية المطاف، فقد سبق وأعلن الأمريكان بأن وجودهم في منبج كافي، وليس ثمة داعي لتقدم قوات أخرى، هذا ما ترجم تماما بعد أيام قليلة في عملية سد الطبقة بغرب محافظة الرقة. 

ميدانيا جاوز عدد القوات الأمريكية في شمال سورية الألف في إنتظار الألف الآخر، أغلبهم من قوات المشاة، فضلا عن القوات البحرية، مع وجود عدد كبير من المدرعات،  بالتوازي مع انشاء قواعد ثابتة للمدفعية. إن العدد ونوعية الأسحلة وكذلك بناء القواعد، التمركز الكثيف في قاعدة عين الأسد بغرب العراق، كلها مؤشرات على بقاء أمريكي طويل الأمد في مناطق العرب السنة وفي محيط البادية العراقية – السورية المشتركة. إن الإسراع في الاعلان عن نشر المزيد من القوات الأمريكية بطريقة تقليدية ورسمية، والكشف عن انشاء قواعد ثابتة للمدفعية، فضلا الاستعانة بالمارينز من الوحدة رقم (11) كلها دليل على سياسات عسكرية تقليدية قادمة مع احتمال البقاء لأطول فترة ممكنة . ما يعزز إفتراضنا بتثقيل الجهد العسكري أيضا، هو الإهتمام الكبير بالمناورات وفعاليات التمرين العسكري “حسم العقبان 2017″، المتقدم على مستوى الشرق الأوسط، التي إنطلقت يوم الأحد 19/3/2017، في مياه دولة الكويت بمشاركة القوات المسلحة السعودية وست دول خليجية وأوربية، منها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.  إذ تأتي هذه التدريبات بالتزامن مع زيادة حدة التصريحات الموجهة ضد سياسة إيران، ومقدمة لخطوات عملية عسكرية أوسع في محيط مياهها الإقليمية، خاصة بعد دخول حاملة الطائرات جورج بوش إلى مياه الخليج. 

إن سياسة الضغط التي تمارسها إدارة ترامب على حلفائها لتقديم الدعم المالي لمساندة جهدها العسكري مقابل تقديم الحماية الصريحة لبعض الحلفاء، أي تطبيق شعار المال مقابل  التحالف الآمن لتأمين ديمومة (الحماية والقواعد)، كإمتداد لشعارات الحملة الانتخابية أو في سياق تلمسها خلال النشاط الدبلوماسي ولقاءات ترامب الأخيرة، تؤكد على أنه قد تم إستجرار السعودية بدرجة ما، وربما اليابان أيضا، للقبول بشراكة مالية تستثمر في الحرب، سواء في قضايا مكافحة التطرف أو الأمن السيبراني. قد يدرج هذا التعاون الإقتصادي تحت عناوين للاستثمار والتنمية والمشاريع المشتركة، لكنها تهدف إلى تمويل الحرب على الارهاب في هذه المرحلة، وربما أيضا في مجال الحرب الإلكترونية – التقنية القادمة، فطبيعة الاستثمارات الأمريكية القادمة في حقول حماية البيئة والتعليم والصحة ودعم منظمة اليونسكو لم تتضح، بل غائبة عن الخطط.

مهما كانت درجة تكهناتنا، أو دقة قراءتنا، فنحن أمام حقيقة بدء مرحلة جديدة تتصف بمتغير كبير قد طرأ على طبيعة وتوجهات الرأسمال العالمي وآفاق تحالفاته، سواء في مواجهة التطرف الإسلامي راهنا أو أي خطر آخر يبرز لاحقا. في المحصلة هي بداية مرحلة تشكل إمتداد لصيرورة عولمة الرأسمال العالمي الذي لم يعد قادرا على أن ينشر الليبرالية المنسجمة مع النماذج الغربية، وظل عاجزا عن الإجابة على تساؤلات العصر في العقود الماضية، لكنه  كرأسمل وكقوة أولى يسعى للتكيف مع مسلتزمات التمركز في مناطق ساخنة من العالم، مناطق غير قابلة للتحول السلس نحو النموذج الديمقراطي الغربي. على إعتبار أن الرأسمال المعولم لن يهزم كقوة مالية وكقوة سياسية ولن يقر بعجزه، فهو مضطر في هذه المرحلة القريبة القادمة أن يعزز أحد أهم أركان وجوده، أي رفع مستوى العسكرة، التسلح وإعادة  نشر ظاهرة تسليح الجيوش إلى أقصى الحدود للاستثمار ليس في “الحروب الأمنية” فحسب، بل لتظل هذه الدول الرأسمالية قائدة تتحكم بالتجارة العالمية، سائدة وتحقق المزيد من عمليات تصنيع السلاح والتراكم المالي، تهرب بجدارة من استحقاقات السلم ومساعدة عوالم الفقر وتنميتها. 

ما يستنتج أيضا من خطابات ترامب وتوجهات طاقم حكمه أن الانخراط العسكري لايتوقف على سورية، بل هو شعار أشبه ما يكون بفلسفة ونهج: “ترامب يؤكد على أن: “يجب أن نربح الحرب”  نحن امام مرحلة تتصف بقيادة ما يشبه لجنة عسكرية في واشطن ستعمل على عسكرة مراكز الرأسمال وليس لبرلتها، فقد يطوى  لحين ولو نسبيا مرحلة الرأسمال الليبرالي. وربما كانت أول سمات هذه المرحلة، الحرب المتبادلة بين  ترامب  ومراكز القوى الليبرالية  في الصحافة والاعلام الأمريكي نفسه، فإن لم يكن كذلك فماذا يعني إذن شعار (على أمريكا أن تربح الحرب) وأي حرب هذه؟!

4- النتيجة

 قد يتوقف كثيرا نجاح سياسات أمريكا في الخارج على التوافق والانسجام داخل الادارة الأمريكية قبل إتفاقهم مع الشركاء في الناتو، لكن انخراطها المتصاعد في الحرب السورية ستؤثر بل ستتأثر وهي ذات علاقة جدلية وثيقة بموقف أمريكا من حلفائها الأساسيين في الساحة السورية (روسيا، تركيا والكورد)، فرجحان مصالح هذه الأطراف هي التي ستحدد المسار العام لاستراتيجية أمريكا الأمنية في الشرق الأوسط. كما قد تحقق الإدارة الأمريكية الجديدة عبر تواجدها العسكري المكثف في سورية والعراق إنتصارات على الارهاب، وقد تقوم بخطوات لاحقة تثلج صدر العديد من حلفائها من أبناء شعوب المنطقة، كأن تتمكن من إبعاد نفوذ ايران عن سورية ولبنان، تجهيز وضبضبة حقائب رئيس النظام في دمشق، إنهاء الوجود العسكري لداعش وجفش، لكن مخرجات هذه المرحلة التي سميناها من حيث التعريف والتصور العام بمرحلة (الرأسمالية المسلحة Reinforced Capitalism) غير قادرة على الإجابة على التساؤلات الكبرى والملحة لشعوب المنطقة، كما ليست لها القدرة على حل مشاكلها الجوهرية، كمقاربة جوهر التطرف ومسبباتها، الغائبة تماما عن أجندات الإدارة الأمريكية والدول الرأسمالية الأخرى.

المصادر:

1-العولمة والديمقراطية والإرهاب. إيريك هوبزباوم، ت: أكوم حمدان. مركز الجزيرة- قطر 2009

2-السيرة الشخصية لكل من القادة الأمريكان الجدد: دونالد ترامب، مكماستر، بومبيو، ماتس، ريلكسون.

3-Trump’s Military Strategy Reflects A More Aggressive Stance March 10, 2017   http://www.npr.org 

4-https://www.defense.gov/News/Article/Article/1121459/trump-seeks-30b-more-in-fiscal-2017-to-rebuild-military-fight-isis 

5-www.washingtonpost.com/world/middle_east/with-a-show-of-stars-and-stripes-us-forces-in-syria-try-to-keep-warring-allies-apart/2017/03/08 

6-http://alkhaleejonline.net/articles  الخليج أونلاين

 

عن موقع مؤسسة رووداو الإعلامية