الدين والعنف: ظواهر المجتمع المريض

 إ.غسان الإمام

هل المجتمع العربي مريض؟

نعم، وبأحرف كبيرة. الاعتراف ليس انهزامية متشائمة، أو إدانة ذاتية، إنما إمعان النظر في الداء هو السبيل الوحيد للبحث عن الدواء.

لكن ما هي ظواهر المجتمع المريض؟

التكاثر العشوائي الهائل يُسَوِّر المدن بالأحزمة البشرية الناسفة، أحزمة البؤس والغضب على الفساد الذي يلتهم قلب المدينة، الفساد في الإدارة والاقتصاد ولذائذ الشريحة البورجوازية وحياتها المترفة اللاهية.

ثم فشل التنمية. نسمع عن نسب نمو اقتصادي مرتفعة، ثم نعرف ان الاردني العامل أو المتعطل يغمس الخبز الحاف بالشاي في وليمة العشاء. يسهر قليلا مع التلفزيون، ثم يقارب اللذة الوحيدة، من دون تفكير في المسؤولية عن إنجاب الطفل الرابع والخامس والسادس. غدا يلقيهم في الشارع أو يرسلهم إلى المدرسة الابتدائية، حيث يبرمجهم التلقين، ويوجههم الى المسجد، قبل ان تسترده الدولة من أئمة الغضب العشوائي الموجه ضد الذات وضد العالم بكفاره ومؤمنيه.

ثقافة الوصاية من ظواهر الخلل الاجتماعي. ثقافة الوصاية ترادف ثقافة التلقين. المجتمع واقع تحت وصاية الدولة أو النظام أو الحزب. لا مهرب الى الهواء الطلق، الى الحرية. النظام نفسه مهدد تحت رايات «الإصلاح» الأميركي العشوائي، بمعارضة متأمركة أسوأ. تم «إصلاح» النظام في العراق بالقوة. الديمقراطية العشوائية جاءت بديمقراطية طائفية مشوهة تحكمها أحزاب دينية تتدخل في صميم الحياة اليومية التي لم يجرؤ نظام صدام على اقتحامها. في بغداد والبصرة والناصرية، يجري قتل الحلاقين اذا لم يحلقوا للزبون حلاقة طالبانية!

مجتمع الوصاية قادر على الاستقبال. انه ايضا قادر على الإرسال. إشعاعه على العالم يحمل شرارة العنف الغاضب المشبع بالكراهية والموت «للكفار». أبلغ ابن لادن والظواهري المجتمع أن الديمقراطية حرام، وأن المدنيين الذين انتخبوا بوش وبلير يستحقون القتل بالسموم والمتفجرات. الشيخان الضليلان لا يعرفان ان المواطن الأوروبي لا ينتخب ممثليه على أساس سياساتهم الخارجية، وإنما على أساس أيهم أقدر على تنمية الاقتصاد والمكاسب الاجتماعية.

المجتمع المريض ينهار لديه الذوق الثقافي الرفيع. نقص التذوق الجمالي في مناهج التربية والتعليم، وتردي المستوى الثقافي لدى المدرس والمعلم، انعكسا على أجيال عريضة لا تحترم اللغة ولا تتذوقها، أجيال مزدوجة الشخصية: مهووسة بالتلقين المتقشف، ومهووسة بلذائذ تلفزيونية تعرض نجوم الاستعراض الغنائي والإذاعي بأساليب جنسية مكشوفة.

كان ريمون إده يباهي بركاكة لغته العربية وهو يطقطق أسنانه. «الحكيم» جعجع يشكو من العربية لا اعترافا بسقمه وعدم قدرته على التعبير بها، فيما كانت نخبة مثقفي اتجاهه المضاد للعروبة، كالفيلسوف شارل مالك والعلامة البستاني، يباهيان باللغة العربية ويدعوان الى اتقانها لإدراك جماليتها.

كانت الحروب الصليبية عنفا دينيا. كانت نتاج مجتمع أوروبي مريض بالهوس الديني. عندما تحررت أوروبا من استبدادية التلقين، تسلحت ضد المجتمعات المتخلفة بالعنصرية القومية الاستعمارية، ثم التهت عن هذه المجتمعات بالصدام الدموي بين الثقافات الفاشية والماركسية والرأسمالية. حققت الرأسمالية نصرها بالاستعانة بالثقافات الدينية الضيقة، ثم اصطدمت بها، فكانت مآسي نيويورك وأفغانستان والعراق وفلسطين.

استغلت الثقافة «الجهادية» غضب المجتمعات المتخلفة والمريضة على الظلم الدولي لها، فعززت دعوتها بنشر ثقافة العجز واليأس، ثقافة الانتحار باسم «الجهاد ضد الكفار». تحول الدين من عقيدة إنسانية إلى آيديولوجية دموية. وتم توظيف أجيال الحرمان الإسلامية في المجتمعات الأوروبية والاميركية المستقبلة لها، في استخدام العنف ضدها.

حل العنف الديني المحلي والمصدَّر محل العلم كأداة للتنمية وللانتقام النبيل والسلمي من رأسمالية مسيطرة. حدث بون شاسع بين شرق آسيا وغربها. انتقم العرق الاصفر (اليابان. الصين. كوريا) من الغرب الظالم له بمجاراته ومنافسته في تبني الهوس بتطوير العلم وتطبيقاته الصناعية، وتصدير ديمقراطية السلع الإلكترونية الرخيصة.

في غرب آسيا، انصرف العرب والباكستانيون والايرانيون الى تبني الهوس الديني، وتلقي «الإلهام» من أئمة خارج منطق العصر، ومهتمين بإغراق العالم بالعنف. النظام الذي يحارب الآن العنف الديني يحصد ما زرع. احتضن النظام المؤسسة الدينية التقليدية، فخدمته بفتاواها ودعاواها في عرقلة الإصلاح السياسي، وفي أحكام الوصاية السلطوية على المجتمعات المهووسة، وفي الوقت الذي كان النظام يقدم الإنفاق الهائل على أجهزته الأمنية والعسكرية، على الإنفاق على التنمية البشرية والاجتماعية، كانت المؤسسة الدينية التقليدية، تدري أو لا تدري، تخدم الأحزاب الدينية والأصوليات المتسيسة في الوصول الى الهدف المشترك، هدف إقامة «الدولة الدينية»، وإن اختلفت الوسيلة.

قد تقول لي إنك أسهبت في شرح وتفسير الداء، فما هو الدواء؟

لا أملك دواء. الحل ملك إرادة جماعية. الحل ليس في تحميل النظام السياسي وحده مسؤولية الخلل الاجتماعي، كما فعلت تقارير الخبراء العرب لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية. الحل هو في البحث الجاد في لجان مشتركة تعمل بعيدا عن الاضواء، لتحديد مسؤوليات ووضع حلول طويلة الأمد. هذه اللجان يشارك فيها النظام السياسي والأمم المتحدة والصناديق الدولية، ومؤسسات المجتمع المدني من دينية وغير دينية.

لا حلول سحرية جاهزة، كما تدعي الاحزاب الدينية، وبؤس التجربة الايرانية دليل واضح، انما الحل في عقد تفاهم إنمائي جماعي بين هذه المؤسسات. وأقدم هنا مثلا واحدا، فأقول إن النظام السياسي يخشى الجهر ببرامج تخطيط الأسرة، خوفا من الأحزاب الاصولية والمرجعية الدينية. الأديان السماوية هي أديان الوفرة السكانية. الدين مع التكاثر عندما كانت الارض لا تجد من يستغلها ويعمرها، لكن في عصر أكثر من ستة مليارات انسان على الارض، لا بد من اقتناع المؤسسات الدينية بربط انتاج البشر للبشر بإنتاج السلع والازدهار الاقتصادي. ليس معقولا أو منطقيا ان ينتج المصريون (72 مليون نسمة) مليون طفل كل تسعة أشهر، في أرض لا تزيد مساحتها الزراعية والعمرانية عن ستين ألف كيلومتر مربع (أكثر قليلا من ثلث مساحة سورية).

أستغربُ كيف تقيم الدولة الافراح والليالي الملاح للأعراس الجماعية! العرس الجماعي في الواقع مأتم اجتماعي لمزيد من التكاثر السكاني، مأتم يكرس فشل التنمية الاقتصادية في توفير العمل للعرسان الذين تقرضهم الدولة للتناسل، ولا تقرضهم لافراغ طاقاتهم في بدء عمل شريف.

عن جريدة الشرق الاوسط