اللامركزية ومستقبل الدولة في سوريا


نشرت مبادرة الإصلاح العربي دراسة ل “بسمة قضماني” -المديرة التنفيذية للمبادرة- حول ضرورة تنفيذ حكم اللامركزية في سوريا -في إدارة الأرض والمجتمع بما يناسب طبيعة البلاد، فهو يعد نظاما لا غنى عنه ويساهم كثيرا في حل وتسوية عدد من الأزمات، وأن الصراعات الدائرة الآن لا ينبغي أن تعرقل تحقيق ذلك.

تبدأ “قضماني” بالتأكيد على أنه لم يعد ممكنا غض الطرف عن عملية التنظيم الإداري للأرض في سوريا تحت ذريعة عدم وجود سلطة تمثل الشعب وتحظى بشرعية الانتخابات لتضطلع بهذه المهمة. فإلى جانب تطلعات الأكراد للإقرار بحقهم في الحكم الذاتي والاعتراف بخصائصهم القومية؛ لا مفر أمام السوريين من القيام بمراجعة واقعية للنظام المركزي الذي ساد لأكثر من ستين عام، والذي كان يخدم آلية حكم غير شفافة وقمعية احتكرت السلطة وموارد البلاد. 

ثمة أمثلة عديدة في مناطق مختلفة عبر العالم، أثبتت أن إعادة الترسيم الإداري لأراضي البلاد يمكن أن يكون عنصرا حاسما في تسوية النزاعات وجزء لا يتجزأ منها، أو في الوقاية من بعض الصراعات في مراحل اندلاعها الاولى. فعلى سبيل المثال، لم تتم تسوية قضية أتشيه في إندونيسيا إلا بعد اعتماد نموذج ترسيم إداري جديد للبلاد، والحال ذاته في جزيرة كوستاريكا عندما نجحت فرنسا في نزع فتيل الاضطرابات الانفصالية بها من خلال التفاوض على وضع خاص للجزيرة في إطار خطة لا مركزية موسعة للبلد بأكمله.

لكل ذلك بات من الضروري أن يتم بسوريا ترسيم إداري جديد ونهائي للبلاد، أو على أقل تقدير أن تقرّ المبادئ التي ستحكم العملية لإنجاز إصلاح ناجح. 

من جهة أخرى لابد من الإشارة إلى أن هناك افتقار إلى الثقة بين مختلف المجموعات التي تشكل المجتمع السوري، إذ قام نظام حكم الأسد على التقسيم الطائفي واستغل ذلك التقسيم من أجل إشعال مواجهات عسكرية ذات طابع طائفي. فقد عاشت سوريا لأكثر من نصف قرن تحت إمرة حزب البعث الذي روَّج للعروبة بصيغة شوفينية وأنكر دائما تنوع مكونات المجتمع السوري قامعا المطالب المتصلة بالتعبير عن هذا التنوع الاجتماعي.

وإذا أردنا الوصول إلى رؤية ملائمة للامركزية المنشودة في سوريا فلابد من أخذ خارطة البلاد العرقية والطائفية مرجعا، وأن يتم الاعتراف بالتداخل والتمازج القوي للطوائف فيما بينها في شتى أنحاء البلاد. فلا توجد منطقة واحدة في سوريا –باستثناء جبل الدروز- تقطنها غالبية من مجموعة عرقية أو طائفية واحدة بعينها. 

تقول “قضماني” رغم أن غالبية السوريين يرفضون تقسيم الدولة أو تقاسم السلطة وفق أسس طائفية، فإن صيغة الحكومة وتنظيم الأراضي الذي يأملونه لا يزال غير واضح. ويعلم السوريين جيدا أن ذلك أمر ضروري، ولكن المسألة لا تحتوي أولوية قصوى لدى الجميع، أو على الأقل لا يتم إعطائها الدرجة ذاتها من الأولوية. لكن إجمالا ينبغي أن تتم معالجة الأمر على المستوى السياسي قبل أن تتفاقم الأزمة أكثر من ذلك. 

***

إن حديث السوريين عن الفيدرالية –عربا كانوا أو أكرادًا، يكشف أن القليل منهم فقط مطلعون على مختلف عصر النقاش وأنهم يتحدثون عن بلدان فيدرالية عديدة دون أن يعرفوا أصل تكونها في هيئة فيدرالية وكيف تحولت إلى نظام لا مركزي، وكيف أن لها العديد من المخاطر إذا لم يتم الإعداد لها جيدا، وهكذا يبدو أن الفيدرالية التي يتم الحديث عنها هي محض شعار جديد أو مفهوم يطرحه الأكراد بعدما اقترحته عليهم بعض البلدان دون أن يقوموا بدراسته فعليا.

كما يبدو جليا أن البلدان الأجنبية لا تلعب دائما دورا إيجابيا، فكثير من المعلقين والمسئولين السياسيين الغربيين يتحدثون عن جعل سوريا فيدرالية أو كونفدرالية دون أن يكون لديهم أدنى معرفة بتاريخ سوريا وطبيعة تكوينها الاجتماعي، وكأن الأمر هو محض تقسيم للأراضي.

في السياق ذاته فقد أجرى أحد المراكز البحثية استطلاع رأي بين السوريين حول مسألة الفيدرالية، نتج عنه أن أكثر من 85% من غير الأكراد يعارضون الفيدرالية، بينما أكثر من 85% من الأكراد يؤيدون الفكرة. وبما أن الاستقصاء لم يكترث بوضع أي تعريف أو شرح للمسألة، فقد كان بديهيا أن تزيد الأسئلة والاستقصاء برمته من حدة الاستقطاب القائم في إطار هذا النقاش، كما لو كان الأمر يتعلق بإبداء الرأي بحزب دون معرفة شيء عن برنامجه وأفكاره.

لهذا فأمام الحالة السورية يغدو من الضروري أن ينطلق نقاش جاد حول مسألة اللامركزية، ليصبح لها مضمون واضح من خلال توضيح فكرة تعدد نماذج الفيدرالية بتعدد الفيدراليات في العالم أجمع، ومن خلال التشديد على أن الاستقلال الذي لا يصحبه تعريف واضح للعلاقة بين الدولة المركزية والسلطات المحلية يؤدي إلى فشل الدولة بأكملها، ومن ثم إلى فشل المناطق المستقلة أيضا، كما الحال في العراق واليمن.

اليوم تتجلى المفارقة في الدائرة المفرغة التي يدور فيها الصراع وتنعكس بآثارها السلبية؛ فكلما ضعفت الدولة وضعفت قدرتها على تمثيل الأمة، نشطت القوى الطاردة المركزية وعجزت الدولة عن التعامل مع مطالب المجموعات المختلفة. 

***

لقد غيَّرت الثورة سوريا والسوريين على أصعدة كثيرة ومتنوعة، والأمر الذي طوّر النقاش حول التنظيم المستقبلي للأراضي السورية وزاد من سرعة طرحه هو مطالب الأكراد في المقام الأول، إلى جانب التجارب الجديدة للحكومة المحلية التي ظهرت بعد انسحاب قطاع الخدمات الإدارية التابعة للدولة، من المناطق التي سيطرت عليها المعارضة.

إجمالا فعلى السوريين أن يعيدوا النظر منذ الآن في كيفية العيش معا، أو في معنى العقد الاجتماعي الوطني الجديد، بعيدا عن الدولة التي تسيطر عليها سلطة فاسدة وذلك في انتظار أن تدرج اللامركزية في إطار مؤسسات جديدة بعد أن تستعاد سلطة الدولة. 

لابد من الإشارة والتأكيد على أن اللامركزية في الغرب تعد مرادفا للحكم الرشيد، وأن إرساء الديمقراطية في البلاد وتحديثه يحتاجان إلى لامركزية مطبقة على نطاق واسع وجرعة كبيرة من البرجماتية لتصميم نموذج لإدارة الأراضي والمجتمع بشكل يتناسب مع تاريخ البلد، بدلا من النماذج التي يقدمها الخبراء الأجانب الذين يقدمون أنفسهم على أنهم مصممي الدولة السورية الجديدة.

***

تختتم الكاتبة بأنه ينبغي ألا يُحمَّل ملف اللامركزية أكثر مما يحتمل بالفعل، فاللامركزية لا يمكن أن تحل إشكاليات عميقة تتطلب إيجاد حل تاريخي، وبناء عقد اجتماعي جديد بين السوريين. وهي إشكاليات ذات طبيعة سياسية متأصلة. فهذه مسائل ينبغي إدراجها في دستور ديمقراطي للبلد، إلا أن صيغة اللامركزية يمكن التفاوض حولها لتأتي بدءا من الآن بإجابات عملية من شأنها تفادي العراقيل والخروج من الأزمات المحتملة، فاللامركزية هي قلب صيغة الحوكمة لسوريا.

عن موقع الشروق