النظام السوري حرض على اغتيال معشوق الخزنوي لوقوفه ضد الدكتاتورية

عضو مجلس الشعب السوري السابق، الدكتور محمد حبش

 

أكد عضو مجلس الشعب السوري السابق، الدكتور محمد حبش، أن استشهاد الشخصية الدينية والوطنية الكوردية الشيخ معشوق الخزنوي، كان درساً هائلاً للأحرار، وأن الشيخ تعرض لحملة كبيرة ولئيمة من خصومه الفكريين، الذين يرفضون نهجه في الحرية والكرامة، والتنوير الديني.

وقال حبش وهو رجل دين يعرف بأنه معتدل، إن “التحليل المنطقي أن هؤلاء الأشخاص كانوا يعمدون إلى إيذائه بكل الوسائل، ومنها اللجوء للمخابرات، ولا شك أنهم سيجدون تشجيعاً وتحريضاً من ضباط في النظام السوري ضد معشوق فهم يرونه خطراً حقيقيا على مشروعهم القائم على الدكتاتورية والظلم، ولكنني لا أملك دليلاً مادياً ضد شخص بعينه”.

كما وتحدث عن حقوق الشعب الكوردي في المقابلة التي أجرتها معه شبكة رووداو الإعلامية، قائلاً إن: “قيام فيدرالية واقعية للمنطقة بمن يعيش فيها من كورد وعرب، واعتماد اللغة الكوردية الى جانب العربية في هذا الإقليم ضمن سوريا موحدة هو أمر حيوي ويعزز مصالح العرب والكورد جميعاً”. وفيما يلي نص المقابلة:

رووداو: بعد انشقاق مئات الضباط والعناصر الأمنية من أعلى هرم النظام حتى أسفله بقيت قضية اغتيال الدكتور معشوق الخزنوي طي الكتمان دون كشف، هل تعتقد أن التعتيم ممنهج، متقصد أم أن الدائرة المسؤولة ما زلت متمسكة بالنظام؟

محمد حبش: الشهيد معشوق الخزنوي شمس كردستان وملهم الأحرار ونشيد الأرض… رحم الله روحه الطيبة وأعلى مقامه في درج الجنة…. قناعتي أنه الشخص الوحيد الذي كان يستطيع أن يحدث فرقاً حقيقياً في واقع الثورة السورية.

شهادته ورحيله كان درسا هائلا للأحرار، ولقد استشهد في أعقاب موقف مشهور في سنوية الشهيد الكوردي فرهاد وهو احد الشهداء العشرين الذين استشهدوا في أحداث 2004 وتعتبر تلك الكلمة الرائعة من روائع خطب الرثاء واليقين.

قناعتي الخاصة أن الشيخ تعرض لحملة كبيرة ولئيمة من خصومه الفكريين، الذين يرفضون نهجه في الحرية والكرامة، والتنوير الديني….وقد زارني بعض هؤلاء في مكتبي ومعهم وثائق وأدلة قالوا إنها تثبت كفر الشيخ وردته…. كان موقفي حاداً منهم، وقلت لهم كيف تجرؤون على تكفير أقوى صوت للإيمان في أرض كوردستان؟؟… وقد أخبرتهم بأن ما يمارسونه ليس إلا ثقافة الكراهية والحقد، ولا علاقة له على الاطلاق بقيم الإسلام.

بعد أسابيع تم اختطاف الشيخ معشوق، وبعد شهر ونيف قدم التلفزيون السوري عدداً من القتلة وبكل مرارة رأيت منهم هؤلاء الأشخاص الذين زاروني قبل أسابيع.

التحليل المنطقي أن هؤلاء الأشخاص كانوا يعمدون إلى إيذائه بكل الوسائل، ومنها اللجوء للمخابرات، ولا شك أنهم سيجدون تشجيعاً وتحريضاً من ضباط في النظام ضد معشوق فهم يرونه خطراً حقيقياً على مشروعهم القائم على الديكتاتورية والظلم، ولكنني لا أملك دليلاً مادياً ضد شخص بعينه.

ما سمعته منهم يجعلني أميل إلى أنهم القتلة ولكنني في الوقت نفسه أعتقد أن الجريمة لم تكن لترتكب لولا تحريض وضمانات من نافذين في السلطة.

بالطبع حين يتورط القتلة ثم يكشفون ويدخلون السجن يتبرأ المحرض من كل أفعاله، ولا أعلم أحداً التقى بهؤلاء المتهمين ليسمع منهم.

يؤلمني انني لم أكن على حجم الشهيد الكبير في مواجهة الشر الذي كادوه له، ولكن مكانه في الخالدين ونجاح أبنائه الرائعين في استئناف جانب من رسالته هو عزائي وعذري، ولا تزال كلماته في التجديد والتنوير هي محور ما نكتبه في سبيل يقظة العقل المسلم.

رووداو:  كنت قد زرت مدينة القامشلي في كوردستان سوريا ذات يوم ربما كانت زيارة وحيدة، وحضرت عرساً كوردياً لأحد أبناء الدكتور الشهيد معشوق، وربما بدأت تتلمس الوجود الكوردي على الأرض، هل تعتقد أن تخوفات النظام ومن بعده المعارضة من طموح الكرد مشروعة؟

حبش: سافرت مراراً إلى القامشلي وزرت الأهل في عامودا، وطفت ربوع الجزيرة الرائعة من الحسكة إلى عين ديوار… وكنت مراراً ضيفاً على الشيخ معشوق وعلى إخوته أيضاً، وعلى آل حقي وعلى الماردينية وآل كفتارو والعرب الكرام من آل الجربا.

ولكن أروعها بالطبع كانت مشاركتي في عرس نجل الشيخ معشوق التي تعلمت منها الكثير، وبالتالي عرفت مكانة الشيخ معشوق رمزاً للشباب  وأملا للحرية.

لقد عملنا معا من أجل الحقوق المشروعة للكورد في الاطار الاجتماعي وهدفنا بالطبع بقاء سورية موحدة ورفع المظالم التاريخية عن كاهل الكرد، وحملنا مطالب الكورد الذين جردهم النظام من كل حقوقهم الوطنية ومن المؤلم اننا تلقينا من رئيس الجمهورية وعوداً مباشرة بتحقيق المطالب المشروعة وبشكل خاص حق الجنسية ولكن هذا المطلب كان يلغى في آخر لحظة.

قال لي اللواء محمد منصورة المسؤول في الأمن السوري ذات يوم لقد استجاب الرئيس لطلبكم في عام 2004 وتم التوقيع على مرسوم الجنسية ولكن مظاهرات الكورد جعلته يتراجع في آخر لحظة وقال لي: هذا الرئيس لا يخضع للضغط وليّ الدراع!!! 

قلت له يا سيادة اللواء قد يكون الأمر جيداً حين يرفض ضغوط الخارج أما ضغوط الشعب فهذا شرف لأي رئيس أن يستجيب لضغط شعبه…وقال معشوق… لا تريدون ضغط الخارج ولا ضغط الداخل ولا تؤدون الحقوق، فماذا تنتظرون من الشعب الكوردي إذن؟؟؟؟

رووداو: هل تعتقد أن الفدرالية مخيفة أو غير مجدية للسوريين أم أنها مشروع يمكن أن يناسبهم كلهم وليس الكورد منهم فقط؟

حبش: ينص القانون الدولي على صيغتين: الفيدرالية والكونفدرالية، فالفيدرالية هي أقاليم ضمن الدولة الواحدة كما هو الحال في الامارات مثلا، أما الكونفدرالية فهي دول مستقلة تجمعها رابطة ما كما كان الحال في الاتحاد السوفياتي السابق، وفي الحالة السورية فالمناسب هو الفيدرالية، وهو لون من الإدارة الذاتية الواسعة يختار الشعب فيها مسؤوليه ونوابه ويدير ثرواته واقتصاده ضمن إطار الجمهورية السورية التي لا تعتمد شوفينية قومية.

لقد خاض الكورد في سوريا تجربة حكم مركزي صار عمرها مائة سنة عبر الدولة المركزية وتم خلالها الإخفاق باستمرار في تحقيق تنمية المنطقة الشرقية في سوريا، وعجزت الحكومات المركزية ان تقدم لهذه المنطقة ما يلزم لتنميتها، الرغم من أنها مستودع الخيرات من زراعة ونفط وثقافة وخي تستحق أفضل من هذا الواقع.

إن قيام فيدرالية واقعية للمنطقة بمن يعيش فيها من كورد وعرب، واعتماد اللغة الكوردية إلى جانب العربية في هذا الإقليم ضمن سوريا موحدة هو أمر حيوي ويعزز مصالح العرب والكورد جميعاً.

ومع ذلك فلن أكتم رأيي الواضح بحق الكورد في قيام دولة كاملة في البلاد الأربعة التي عاشوا فيها كل التاريخ في ايران وتركيا والعراق وسوريا، وعندما تتوفر هذه الظروف من التوحد والإرادة الدولية فأنا تماماً مع شمس كوردستان ولتذهب سايكس بيكو الى الجحيم.

رووداو: استغل النظام الكثير من “رجال الدين” ووظفهم لخدمة مشروعه السياسي والطائفي، وفي المقابل بنت المعارضة “شرعيين” ومحاكم “إسلامية”، حتى بدت الثورة إسلامية ثم طائفية، وألبست هذا الثوب. كيف تجدها أنت “ثورة، حرب أهلية، صراع طائفي” وهل لديك مخاوف من امتداد الصراع الطائفي إلى سوريا المستقبل؟

حبش: لا أعتقد أن الثورة قامت من أجل مطالب دينية فالدين حيوي وقادر على التكيف مع أشكال الحكم المختلفة وهو اليوم في الدول العلمانية في الغرب في ازدهار وتفاعل… الثورة قامت رداً على المظالم والاستكبار الذي واجهه النظام ضد الشعب وسحق به كرامته.

نحن لا نشارك تيارات السلفية الجهادية التي تصر على أن العالم الإسلامي دخل في عموم الردة لأنه لا يحكم شرع الله، ويقصدون بشرع الله بالطبع تطبيق الحدود من الجلد والرجم والقطع، لقد قدمت دراسة مستفيضة طبعت مراراً عن رفض هذا المنطق، ودعوت بوضوح إلى تمييز الدين عن الدولة وهو المصطلح الذي سبقنا إليه إخواننا المغاربة وهو يرادف بالطبع فصل الدين عن الدولة ولكن في إطار احترام الدين وقيمه العليا.

الدين قيم أخلاقية سامية، يلهم المجتمع سلوك الفضيلة، أما المصالح المجتمعية فينطبق عليها قول النبي الكريم أنتم أعلم بأمور دنياكم.

إنني واثق بأن الشعب السوري ليس متطرفاً ومع أن تسعين بالمائة من مقاتلي داعش والنصرة هم سوريون وعراقيون ولكن هؤلاء لم يكونوا كذلك لولا بطش النظام، لم يكونوا أبداً مشروع جهاديين ولكن الظلم هو من دفعهم إلى هذا، وأنا أراهن على وعي هذا الشعب السوري حين يبدأ الحل السياسي في سوريا.

وفي تحليل سياسي محض يجب أن نعلم أن المتدينين في سوريا تعرضوا لإهانات غير مقبولة على الاطلاق من النظام العلماني، في الجيش مثلا كان احتقار الدين سلوكا عاديا لاي ضابط يمنع الصلاة ويشتم الدين ويمنع الصيام في رمضان كل هذه الممارسات دفعت الناس الى الغضب ضد هذا الظلم وبالتالي الى حيارات من العنف.

قلت لهم مرارا انكم تملكون رؤية علمانية منفتحة ولكنكم تحكمون شعبا محافظا… وبعيدا عن القناعات فان السياسة تقتضي ان تحترم مقدس الناس ولو كنت لا تراه مقدسا، ولكن صيحاتنا للأسف كانت تذهب ادراج الرياح ويستمر سلوك احتقار القيم الدينية في الحياة العامة، وبالطبع فمن يحمل هذا اللون من احتقار الناس لا يحق له ان يحكمهم.

ومع ان النظام كان يباهي بعدد المساجد والعمائم ولكنه في الوقت نفسه كان يمارس إذلال المحافظين وازدراء الدين في مؤسسات الدولة.

إن النظام العلماني الحقيقي يحترم الأديان ولا يسمح بازدراء أي منها، ولكن النظام البعثي لم يمارس أبداً علمانية عاقلة أو مسؤولة، وتصرف بشكل متناقض تماماً كانت الأولوية فيه لقهر الناس وإرغامهم على قبول الظلم.

ولكن ما تقوم به التيارات الإسلامية هو نفسه ما انكرته على النظام وحين تمكنت من طرد النظام فقد مارست على الفور الأسلوب نفسه في قمع المخالف واذلاله، ولم يتغير شيء.

قناعتي أن الإسلام فضائل نبيلة يمكن تطبيقها في أي نظام عادل وانها تحتصر بقول الله تعالى فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمصيطر.

رووداو: هناك الآلاف من السوريين وغيرهم يتابعون حسابك على الفيسبوك ويتفاعلون مع ما تكتبه، تتجه معظم كتاباتك هناك إلى الشأن الديني الإصلاحي، هل تخاطب الناس في دنياهم أيضاً هناك؟

أختصر رسالتي في كلمتين إخاء الأديان وكرامة الإنسان، لقد خضنا معاً معشوق وأنا، غمار مواجهة ضارية مع الكهنة الناطقين باسم الرب الذين يريدون أن يفرضوا سلوك القطيع على أتباعهم من المؤمنين، وأن يجعلوا رسالتهم قاصرة على الدروشة والخضوع للكاهن، وتبرير جرائم السلطان والتخلي عن مسؤوليتنا الإنسانية والسياسية تجاه شعبنا رجاء أن يأذن لنا باستمرار المشيخة، وهذا ما رفضه معشوق بشموخ، وكتب فيه ببصيرة وشجاعة.

نريد ديناً حضارياً يؤمن بكرامة الإنسان ويعمل للإخاء بين الأديان ليس على أساس تفوق دين على دين أو شعب على شعب وإنما على أساس إخاء الأديان وكرامة الإنسان.

وهذه الحقيقة باتت اليوم محل احترام العالم كله فيما لا يزال كثيرمن الناس يعيشون على وهم الاستعلاء على الآخر المختلف دينيا او ثقافيا.

إن رسالتي باختصار هي دين بين الأديان وليس دينا فوق الأديان ، نبي بين الأنبياء وليس نبيا فوق الأنبياء، أمة بين الأمم وليس أمة فوق الأمم.

موقع مؤسسة رووداو الإعلامية