الهبة الإيرانية وحدود التوقعات

 إ.نبيل عمرو

توقيت الهبة الإيرانية أزعج القادة الرسميين، لكونه يشكل فرملة – ولو مؤقتة – لاندفاعهم المبالغ فيه في تطوير نفوذهم على صعيد الشرق الأوسط.
وما يدل على ارتباك القيادة الرسمية، هو التوصيف الساذج لدوافع الهبة، مثل كونها صناعة أميركية إسرائيلية، أو أنها ذات مضمون اقتصادي، وليس سياسياً.
وهذا التوصيف يشير – من جهة أخرى – إلى اعتراف رسمي بنفوذ أميركي إسرائيلي داخل الدولة الثورية، مع أن ذلك ليس صحيحاً ولا دقيقاً، إلا أنه إقرار بعجز وفشل.
وحين يصل التغلغل الأميركي الإسرائيلي – حسب رواية النظام – إلى حد تسيير مظاهرات، وإنتاج هبات شعبية تشمل كل المناطق الإيرانية، ولا تجد السلطة الرسمية لمواجهته سوى الاتهامات والتشهير والقمع، فهذا هو ما يؤشر لخطر حقيقي يتهدد النظام، قد لا يصل في هذه الفترة إلى حد الإطاحة به، إلا أن الخلخلة دائماً هي مقدمة لانهيارات جزئية، قد تبلغ في مرحلة ما انهياراً شاملاً. أما حكاية الفصل بين السياسي والاقتصادي فهي ليست مجرد سذاجة في التوصيف؛ بل هي خطأ منهجي في تقويم ما يحدث، فالإيرانيون الذين يعانون من العقوبات التي لم ترفع بعد، ويخشون من عقوبات مفترضة، يدركون أن تردي الوضع الاقتصادي هو نتاج لهذه العقوبات، بقدر أن العقوبات ذاتها نتاج لسياسة التوسع غير الضروري وغير المبرر.
هنالك شيء يشبه ما حدث في الاتحاد السوفياتي، ومع الإقرار بالاختلاف بين الدولتين الشيوعية والإسلامية، إلا أن للانهيار سبباً مشتركاً، وهو انعدام التوازن بين الإمكانات الذاتية للدولة، وبين تطلعاتها التوسعية على الصعيد الكوني، وكذلك انعدام التوازن بين الإنتاج الحربي المتفوق، وبين الإنتاج الذي يحتاجه الناس للحياة.
كان السلاح السوفياتي هو الأفضل في زمنه، إلا أن الحياة السوفياتية كانت الأتعس، بالقياس لكل حياة قريبة أو بعيدة عنها، فكان الانهيار في زمن قياسي، ولكل انهيار وسائل مختلفة في التعبير، إلا أن الجذر يظل واحداً.
ليس منطقياً توقع أن الهبات الإيرانية بصورتها الراهنة قد تكون صورة طبق الأصل من الربيع العربي مثلاً، فالنظام الذي لديه مدى مفتوح على القمع بلا ضوابط ولا حدود، يمكن أن يبطش بالمتظاهرين، وقد فعل ذلك حيال هبات أقوى وأوسع من الراهنة، إلا أن التغيير في ظل النظم ذات القدرات الخارقة على القمع يكون متدرجاً وبطيئاً، وفي النهاية سيملك القدرة على التغيير. حدث ذلك في إيران نفسها حين كان نظام الشاه هو الأقوى في الشرق الأوسط، وحدث ذلك في معظم بلدان الربيع العربي، بما في ذلك حلفاء إيران الذين امتلكوا زمام دول مهمة، واستخدموا أقصى درجات القمع والسيطرة، واستفاقوا أخيراً على انهيار نرى مآسيه وتداعياته على مدى سنوات، وإلى مدى قادم لا يُعرف بعد.
في كل الحالات، سواء كانت هنالك هبات واسعة أم محدودة داخل الدولة الإسلامية، فإن هنالك حاجة ملحة لتعديل السياسة والخطاب. فكل تطلع لتطوير النفوذ الخارجي يحتاج إلى إنفاق باهظ، ويولد عداوات واسعة، وفي هذا الزمن الذي تتحدث فيه الإمكانات الاقتصادية والأمنية أكثر مما تتحدث الأفكار والشعارات، فإن على الدولة الإسلامية أن تراجع سياساتها على ضوء إمكاناتها الفعلية، والمساحات الواسعة أو الضيقة التي يمكن أن تنفتح أمامها.
حين قامت الثورة الإيرانية واعدة بتحقيق أماني شعوب المنطقة كلها في التحرر والتحرير والاستقلال، انفتح المدى أمامها واسعاً دون تدقيق في البعد الطائفي والديني للثورة القادمة من بلاد فارس، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، وها نحن نرى أي استقطاب فرض أخيراً على المنطقة، وإلى أي مدى سيذهب الإنفاق الباهظ على هذا الاستقطاب سدى، أو بمردود عكسي.
إن بيد الدولة الإيرانية أن تطفئ النار بتحول جريء نحو خطاب التعايش مع المحيط واحترامه، وعدم التدخل في شؤونه، أو أن تصب الزيت على النار مثلما يصدر عن بعض النافذين في طهران، من تصريحات تقول لشعوب المحيط كله: «احذرونا».

عن موقع جريدة الشرق الأوسط