الوصية الأخيرة للشهيد قاضي محمد رئيس جمهورية کوردستان قبل إعدامه‌


الرئيس الشهيد قاضي محمد

 ترجمة النص : نواف بشار عبداللّه

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الشعب الكردي

الأخوة الأعزّاء!

يا شعبيَ المضطهَدُ والمظلومُ!

في هذه اللحظاتِ التي أعيشُ فيها ساعاتِ عمري الأخيرة. أناشدُكم بحقِّ عِشق اللهِ أن تكفّوا عن معاداة بعضكم لبعضٍ، بل كونوا لبعضكم دعماً وسنداً. واجِهوا عدوَّكم الظالمَ يداً بيد وصفاً واحداً، ولا تبيعوا أنفسَكم للأعداء دون ثمنٍ!. إنَّ أعداءَ الشعب الكردي كُثرٌ لا يُحصَون، وهم ظلَمةٌ وغدّارون لا يعرفون الرحمة. واعلموا أنّ وحدة الشعوبِ وتعاضدَها هي رمزُ حريتها وفخرُ وجودها، وأنّ الشعبَ الذي لا ينجزُ وحدتَه، لن يتمكنَ من تنظيم نفسه وسيبقى مضطهداً، مظلوماً ومسحوقاً. إنّ الشعبَ الكرديَّ ليس أقلُّ شأناً من شعوب العالم الأخرى التي أنجزتْ تحررَها من ظلم المستعمرين، بل أنه يتفوّق عليها بشجاعته وتضحيته. يقوم عدوّكم بالنظر إليكم وملاطفتكم بلسانه حينما يكون محتاجاً لتقديم خدمة له، وبعد الانتهاء من تلك الخدمة، فإنه لا يبدي أيَّ اهتمامٍ بكم ولا يسامحكم أبداً. وازيدكم علماً بأن الشعوبَ التي تحررت من الظلم كانت مثلكم تعاني الحرمان والاضطهادَ، لكنها حققتْ وحدتها، وتمكنتْ من التحرر والانتصار. ولكي تتخلصوا من الظلم وتنعموا بالحرية والعيش الكريم كباقي الشعوب التي تعيشُ على هذه الأرض، فإنني أناشدكم أن تحققوا وحدتكم، لا تكرهوا بعضَكم، ولا تبيعوا أنفسكم للأعداء!.

أيها الأخوة!

أعداءُ الكرد من أية قوميةٍ أو فئة كانوا، فهم لا يملكون الرحمة والوجدانَ، ولا تعرفُ قلوبُهم الرِّقة والشفقة حيالَ مآسيكم وفواجعكم، فلا تثقوا بهم على الإطلاق. إنهم يعملون ليلَ نهار وعبرَ أساليب الكذب والخداع وإغداق المال على البعض منكم كي يخلقوا الفتنَ ويشعلوا الحروبَ بينكم. وفي الوقت الذي تقومون أنتم فيه بإراقة دماء بعضكم، هم يتفرّغون لنهب وطنكم ويستمرون في ممارسة الظلم عليكم!. إنّ عدوَّ الكرد الأكبر والأشرس والأكثر ملعنةً، والأكثر بعداً عن الله وعديمَ الإنصاف هو العجم(الأتراك حالياً أفضلُ حالاً وأكثر تقدماً منهم)، فهم يمارسون مختلفَ صنوف الألاعيب والجرائم بحق الكرد. عادوا الكردَ وحاربوهم في كافة المراحل التاريخية، ولا تزالُ أحقادُهم حيالَ الكرد تستمرّ وتتعاظمُ حتى يومنا هذا. لقد وضعوا أياديهم على القرآن الكريم وأقسموا بأن يؤمّنوا على حياة الزعماء الكرد اسماعيل أغا(سمكو) وأخيه جعفر أغا وحمزة أغا منكوري وغيرهم، أولئك الذين انطلقوا من طيبتهم ونقاوة نفسهم فوثقوا بأقوال أعدائهم، الذين غدروا بهم غيلةً وقتلوهم بخيانة وخسّةٍ. لم يحترم التركُ والعرب والفرسُ وعودَهم والتزاماتهم مع الكرد عبر التاريخ وحتى يومنا هذا، وإنني كأخٍ صغيرٍ لكم أقولُ: لأجل حبِّ الله وعشقه اتحدوا وساندوا بعضكم بعضاً وكونوا على يقينٍ لو أطعمكم الترك والعرب والفرسُ العسلَ، فإنه لمن المؤكد بأنهم سيدسّونَ السمَّ فيه!… لا تثقوا بافتراءاتهم ولا تقتنعوا بأقوالهم. ولو وضعوا أياديهم ألف مرةٍ على المصحف الشريف وأقسموا لكم على أمر ما، فإن الغدرَ والخيانة بكم هو هدفهم الأولُ ومبتغاهم.

إنني أعيشُ الساعاتِ الأخيرة من حياتي، ولكي أدلّكم على الطريق الصحيح، فقد قلتُ لكم ما استطعت معرفته وقولَه. لقد ناضلتُ وضحيتُ بحياتي لأجلكم! ولم أترددْ مطلقاً في السير على هذا الطريق. والآن أقول لكم: لا تثقوا بالترك والفرس والعرب ولا تصدقوهم حتى لو وضعوا أياديهم على القرآن الكريم وأقسموا أغلظَ الأيمان. أنصحُكم لأجل عشق الله العالي ألا تثقوا بوعودهم كي لا يتمَّ الغدرُ بكم، لأنهم لا يعرفون الله سبحانه وتعالى ولا يؤمنون بالرسول(ص) ولا بيوم القيامة، وهم لا يؤمنون بالمثول بين يديّ الله تعالى يومَ الحساب. وبحسب نظرتهم حتى لو كنتم مسلمين، ولكونكم كرداً، فأنتم مذنبون!!مالُكم ونساؤكم حلالٌ عليهم!

لولا خيانةُ رؤساء العشائر لنا، أولئك الذين باعوا أنفسهم لحكومة العجم لما حلّت الكارثة بنا وبجمهوريتنا. نصيحتي لكم، علّموا أولادَكم، فلا ينقصا شيءٌ عن الشعوب الأخرى سوى العلم، ولكي لا تتخلفوا عن ركب قافلة الشعوب الأخرى، تعلّموا، لأن العلمَ هو السلاح الأقوى والأمضى في وجه أعدائكم. اعلموا وثقوا بأنه لو تحسّنَ تعليمُكم وتوحدتْ صفوفُكم، سوف تنتصرون على أعدائكم دون ريبٍ. آملُ ألا يبعثَ مقتلُ أخوتي وأولادُ عمومتي الذعرَ والخوف في أوصالكم. واعلموا بأنه حتى نصلَ إلى تحقيق أهدافنا فلسوف، يستمرُّ سقوطُ الكثير من أبنائنا على هذا الطريق. (وبما أنَّ القتلَ بانتظارنا سواءً ناضلنا أم لم نناضلْ، فإننا سوف نعمل بإخلاص لعلّ وعسى أن نحققَ مكسباً لشعبنا).

إنني متأكدٌ تماماً بأن الكثيرين منكم بعدَنا سوف يُخدَعون بالأعداء الذين يجيدون التنكّرَ والتمثيل وسيتمّ تصفيتهم وإنهاؤهم. وكذلك أنا واثقٌ بأن الكثير من الناس الذين يضاهوننا علماً ومعرفة ودراية سوف يتعثرون ويقعون في الشِّرْك والفخاخ التي ينصبها لهم الترك والعرب والعجم. كلّي أملٌ بأن يصبحَ قتلُنا على أيديهم عبرةً للكرد يتعلّمون منها في المستقبل.

نصيحتي الأخرى لكم هي أن تعملوا جاهدين من أجل سعادة شعبكم وخيره، وادعوا الله أنْ يسددَ خطاكم ويوفقكم في مسعاكم، وكونوا على يقينٍ إنْ تعاونَ الشعبُ معكم، فإنكم ستنجحون وتنالون الحرية بعونه تعالى. يمكنكم القولُ لماذا لم تصل أنت إلى الحرية؟ فإن جوابي هو: والله كنت حراً.. فها أنا اليومَ أضحي بمالي وروحي من أجل شعبي! فهل هناك حرية أكبر من هذه الحرية؟، بل هل هناك نعمة تفوق هذه النعمة؟. صدقوني، كنتُ أحلم دائماً بموتٍ مشرِّفٍ أقفُ فيه بين يديّ الله تعالى ورسوله، وأمام شعبي ووطني عزيزاً شامخاً …إنه انتصارٌ ونجاحٌ لي!..

أحبّائي!

كردستان بيتٌ لكل الأكراد، وفي جميع البيوت تُسنَد لكلّ فردٍ من العائلة العملَ الذي يناسبه ويجيده، ولا يحقُّ لأحدٍ أنْ يغضبَ لهذا. ولما كانت كردستان أيضاً بيتاً من هذا القبيل، فيجبُ توزيعَ الأعمال على أفرادها كلٌّ حسب معرفته وإتقانه له، لذا، لا تمانعوهم ولا تضعوا الحجارة في طريقهم. لا تحزنوا…وليتحمل البعض منكم مسؤولياتٍ على كاهله ويعملوا على تحقيقها، فالذين يتصدون لمسؤولياتهم وينفذونها بصدق وأمانة، يحصلون على الكثير. ثق تماماً بأن أخاك الكردي خيرٌ من العدوّ الحاقد!..لو لم تكن المسؤولية الكبرى ملقاة على عاتقي أنا، لما كنتُ اليومَ واقفاً تحت أعواد المشنقة!.لا تحملوا الحقد والكراهية تجاه بعضكم. أولئك الذين لم يكونوا ينفذون تعليماتنا وأوامرَنا، بل كانوا يرفضونها، قد تحوّلوا إلى أعداءٍ حقيقيين لنا، وهم الآن جالسين في بيوتهم بين أطفالهم ينعمون بنوم هانئ. ولأننا قد كرّسنا حياتنا لخدمة شعبنا، فإنني الآن وفي هذه اللحظات أمضي ساعات عمري الأخيرة في كتابة وصيتي تحت أعواد المشنقة منتظراً إعدامي! ..فلو لم تكن المسؤولية الكبرى ملقاة على عاتقي، لكنت الآن جالساً بين أطفالي وأنعم بنوم هانئ أيضاً.

إنني أُسدي إليكم الآن نصيحتي قُبَيل موتي، وأكتب لكم من تحت أعواد المشنقة ما يجب أن تقوموا به بعد مماتي، مع أنني مقتنعٌ بأنه لو كان البعض منكم قد تحمّل المسؤولية التي تحملْتها، لكان اليومَ جالساً حيث أجلس الآنَ تحت هذه المشنقة ينتظر قدومَ أجله. ولأجل أن أكسبَ رضى الله تعالى، وبهذه المسؤولية التي أحملها على عاتقي، وكعامل في خدمة الشعب الكردي، فإنني أسدي إليكم النصائحَ الواردة أدناه، آملاً أن تتعلّموا منها بعد الآن. اهتموا بنصائحي، بعون الله تعالى سوف تنتصرون على الأعداء وتنالون الحرية:

1- آمنوا بالله ورسوله(ص) وبكل ما أُنزِلَ من عنده، وقوموا بتأدية واجبات دينكم كاملةً دون نقصانٍ.

2- حافظوا على وحدتكم وتماسككم، وتنظيم صفوفكم، ولا تسيؤوا إلى بعضكم، ولا تحملوا الحقدَ تجاه بعضكم خصوصاً في ميادين العمل والمسؤولية.

3- كي لا يتمكّنَ العدوُّ من خداعكم، يطلب منك زيادة مستوى تعليمكم وتنمية معارفكم.

4- لا تثقوا بالأعداء عموماً، والتركَ والعجمَ منهم على وجه الخصوص، لأنهم أعداءٌ لكم في أكثر من جهة، فهم أعداء دينكم، وشعبكم، ولغتكم ووطنكم. وقد أثبتَ التاريخُ بأنهم كانوا على الدوام يبحثون عن حججٍ وذرائعَ لممارسة الظلم على الكرد، ويقتلونهم لأسبابٍ صغيرة، بينما هم يمارسون مختلف صنوف الإجرام بحق الكرد دون أيّ وازعٍ من ضمير.

5- في هذا العالم، ولأجل مصالح صغيرة عديمة القيمة في حياةٍ معدودة الأيام، لا تقوموا ببيع أنفسكم لأعدائكم!. فالعدوّ عدوٌ لا يمكن الوثوق به وائتمانَ جانبه.

6- لا تخونوا بعضكم في المجال السياسي، المادي والمعنوي، ومن ناحية الشرف، لأن الخائن مجرمٌ عند الله وعند البشر، وتعودُ الخيانةُ على صاحبها بالقتل!.

7- كونوا سنداً وعوناً لذاك الذي يقومُ بتأديةِ بعمله بإخلاصٍ دون خيانة، لا تواجهوه بالحقد والكراهية، ولا تصبحوا-لا قدَّرَ الله-عملاءً للأعداء ضده.

8- في وصيتي هذه، أدعوكم للمطالبة ببناء المساجد والمدارس والمستشفيات في وطنكم لخدمة شعبكم.

9- ناضلوا دون هوادة من أجل الخلاص من الظلم والعبودية، لا تتخلفوا عن ركب التطور، كي تعيشوا مثل باقي شعوب العالم أحراراً. فإنْ تحررْتم وأصبحتم سادة وطنكم، حينها سوف تحصلون على كلِّ ما تشاؤون. تحصلون على المال والأملاك والدولة والشرف.

10- لا أعتقدُ بأنني مديونٌ لأحدٍ غير الله تعالى الذي أدينُ له بنفسي وروحي، ولكن، فيما إذا كنتُ مديوناً لأحدٍ دون أن أتذكر، كثيراً كان ذلك الدَّيْنُ أم قليلاً، فإنني قد تركتُ ورائي الكثير من المال والأملاك، فليذهبْ إلى ورَثتي لطلب دينه وتحصيله.

عليكم أن تعلموا بأنكم لن تنالوا الحريةَ قبل أن توحدوا صفوفَكم في وجه أعدائكم. لا تظلموا بعضكم بعضاً، لأن الله سبحانه وتعالى يُفني الظالمين، وسوف يزول الظلمُ لا محالة لأنه وعدُ الله، وسوف ينتقمُ اللهُ من الظالمين.

إنني آملُ أن تُولوا هذه النصائح والإرشاداتِ جلَّ اهتمامِكم، ولسوف ينصرْكم الله على الأعداء وستنعمون بالحرية. وكما قال سعدي شيرازي: “كان هدفي هو النصيحة، وها قد أسديتُها”.

نحيلُكم إلى الله تعالى، ونحنُ نغادر هذه الحياة!.

مناضل شعبه ووطنه

قاضي محمد