تدمير اليزيدين

نشر موقع «لوموند دبلوماتيك» تقريرًا عن مأساة الأقلية اليزيدية في العراق، وما حل بهم بعد استيلاء داعش على مناطقهم.
قال التقرير:

أصبحت مدينة سنجار، شمالي غرب العراق، شبه مهجورة، إذ لم يعد إلى المدينة بعد إعادة استيلاء المقاتلين الأكراد عليها، سوى 50 عائلة، من أصل سكانها البالغ عددهم 80 ألفًا، والذين فروا منها عندما وصل إليها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). عدد قليل من مقاتلي البشمركة يمشون الهوينا تحت أشعة شمس منتصف النهار. عندما تهب الرياح، تبدأ المصاريع المعدنية للمحلات، التي مزقتها القذائف، في الصرير، فيرتفع الصخب، وكأنَّ سنجار مسكونة بأرواح معذبة. يمضي المقاتلون وقتهم في الدخول والخروج من مدرسة محلية تحولت إلى مقر عسكري، أو يجلسون انتظارًا للأوامر.

قال قاسم شاهشو، قائد البشمركة اليزيدي في سنجار، والمتصل بالحزب الديمقراطي الكردستاني: «لقد تعرضنا للإبادة الجماعية من قبل، لكنَّ المذبحة الحالية تحدث في عصر التكنولوجيا الفائقة. لقد فقدنا آلاف الناس، وما زالت آلاف من أخواتنا سجينات لدى داعش». اعتاد أبو ماجد، وهو طباخ، أن ينظم احتفالات الزواج. عندما أراني صورة عائلته لم يستطع أن يتحكم في دموعه، إذ أسر مقاتلو داعش زوجته وبناته الثلاث وأحد أبنائه الذكور، في شهر أغسطس/ آب 2014. لم تنجح سوى ابنته ذات الـ23 عامًا في أن تتواصل معه، منذ شهرين، من محبسها في الرقة، «عاصمة» داعش في سوريا. لم يبق لأبي ماجد سوى ولد واحد. كل عائلة يزيدية لديها قصص مثل هذه عن حيوات حطمها العنف الجهادي.

يقول التقرير إنَّ أية كتابة لتاريخ الشرق الأوسط من وجهة النظر اليزيدية سوف تكون مختلفة كل الاختلاف عن التاريخ الذي بحوزتنا. يتحدث اليزيديون الكردية، ولهم ثقافة متفردة، بنيت حول دين توحيدي، منقول بالمشافهة، مستمد من الزرادشتية مع تأثيرات إسلامية ومسيحية. يسكن اليزيديون المناطق الكردية في العراق، وأهم الأماكن المقدسة عندهملالش ، شمالي الموصل. وهناك أيضًا يزيديون في جنوب القوقاز، والمهجر في الدول الغربية. اليزيديون في العراق جزء من مشهد ديني قديم وغني، جنبًا إلى جنب مع الشبك، والصابئة المندائيين، والكلدانيين، والكنيسة الشرقية الآشورية،والمسيحيين السريانيين. وينقسم المجتمع اليزيدي إلى طبقات، ويقوده المشايخ، أو القادة الدينيون، والزواج خارج دينهم ممنوع منعًا باتًا.

نفذ تنظيم داعش، في صيف 2014، هجومًا مفاجئًا، فاستولى، استيلاءً غير متوقع، على الموصل، ثاني أكبر مدن العراق في شهر يونيو/ حزيران، وهزم مقاتلو داعش البالغ عددهم حوالي 1200 مقاتل، ما يقارب 30 ألفًا من القوات العراقية. حدث هذا في سياق الصراع على السلطة بين القبائل السنية المحرومة، ووجهاء المدن الغاضبين من خسارتهم للسلطة بعد الاجتياح الأمريكي. وجاء ذلك أيضًا نتيجة للسياسات الطائفية التي اتبعها رئيس الوزراء حينها، نوري المالكي. ومع ذلك، ولدهشة الجميع، بعد تقدم قوات داعش ناحية بغداد، استدار التنظيم، وهاجم مناطق واقعة تحت السيطرة الكردية.

بدأ الهجوم في الساعات الأولى من صباح الثالث من شهر أغسطس/ آب 2014، على المناطق التي يقطنها اليزيديون في سنجار. شعرت قيادة البشمركة بالذعر، وأمرت مقاتليها بالانسحاب، تاركة السكان اليزيديين تحت رحمة الجهاديين. انهارت المقاومة اليزيدية المحلية، المسلحة بالأسلحة الخفيفة فحسب، في ظرف ساعات. وهرب السكان ناحية الجبال، لكنَّ كثيرًا منهم، خصوصًا أولئك الذين لم تكن لديهم سيارات، وقعوا في الأسر. كانت هناك مشاهد مرعبة: فصل الرجال عن النساء، وغالبًا ما قتلوا على الفور. وصل بعض المدنيين إلى هضبة سردشت بجبل سنجار، فطاردهم مقاتلو داعش، واستمروا في القتل وأخذ الرهائن، حتى استولى المقاتلون اليزيديون على رشاش آلي خلفه مقاتلو البشمركة المنسحبون، فصدوا مقاتلي داعش.

إما القتل وإما السبي

الرجال اليزيديون المأسورون الذين لم يتحولوا إلى الإسلام قتلوا، أما النساء، والأطفال، بدءًا من سن التاسعة، فقد جمعوا في مراكز، ثم أرسلوا إلى تل عفر المجاورة، وبيعوا سبايا لمقاتلي داعش في كل المنطقة التي تتحكم فيها «الخلافة». لا أحد يعرف العدد المحدد للقتلى أو المخطوفين، لكنَّ المنظمات اليزيدية تتحدث عن 2240 قتيلاً، و1020 مفقودًا يخشى من تعرضهم للقتل، وأكثر من 5800 مخطوف (معظمهم نساء وأطفال). مات أكثر من 280 طفلاً، معظمهم أطفال، من العطش والتعب في الأيام القليلة الأولى.

وبحسب التقرير، فلم تتعرض أية مجموعة أخرى لمثل هذه الوحشية الداعشية أكثر من اليزيديين. لم يكن العنف مقصودًا به مجرد التخويف أو الإخضاع، وإنما تدمير الثقافة وطريقة الحياة اليزيدية. ليس العنف جديدًا على اليزيديين، الذين يشيرون إلى أحداث عام 2014 بأنها «المذبحة الـ73» مستخدمين كلمة فرمان، وهي مصطلح عثماني يعني منشورًا سلطانيًّا، في إشارة إلى مذابح القرن التاسع عشر التي ارتكبها السلطان عبد الحميد الثاني لإخضاع المناطق اليزيدية النائية تحت سلطة الدولة، وفرض الخدمة العسكرية والضرائب، وتحويلهم إلى الإسلام السني. ولما كانت اليزيدية دينًا بلا كتاب مقدس، فلم يحظ اليزيديون بنفس الحماية الإسلامية التي حظي بها اليهود والمسيحيون، كونهما دينين توحيديين من ديانات أهل الكتاب، ومن ثم تعرض اليزيديون للاضطهاد باعتبارهم وثنيين وعبدة شيطان.

اضطهد نظام حزب البعث العراقي اليزيديين بنفس القدر، ففي عام 1975، أجبرتهم السلطات البعثية، ضمن مشروع تحديثي واسع النطاق لتوسيع سلطة الدولة على المناطق النائية والجبلية، على هجر قراهم التقليدية في جبل سنجار والسكن في «تجمعات» شمالي وجنوبي الجبل. لم تصل مياه الري قط إلى معظم هذه الأماكن، فتركت سكانها فقراء ومعتمدين على جيرانهم العرب الأغنى للعمل أجراء في مزارعهم.

أدى الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 إلى زعزعة استقرار التراتبية الاجتماعية والدينية. كان العديد من العرب السنة في مدينة البعاج القريبة، والتركمان في مدينة تل عفر، موطن الكثير من ضباط صدام حسين، غاضبين من فقدان السلطة. وكان بإمكان اليزيديين والأقليات الأخرى في شمال العراق متعدد العرقيات، العمل في القواعد الأمريكية، أو الخدمة في الجيش العراقي الجديد. وكانت المقاومة المسلحة ضد القوات الأمريكية مستمدة بالأساس من المكون البعثي، الواقع تحت تأثير قوة جديدة: السلفية الجهادية العالمية.

جيل أكثر راديكالية

بحسب التقرير، فإنَّ أولئك الذين انضموا للقتال ضد الولايات المتحدة كانوا منتمين لجيل جديد، أكثر راديكالية بكثير من العرب الأفغان الذين كونوا القاعدة في البداية. إذ أدمجت جماعة الجهاد والتوحيد لقائدها الأردني، أبي مصعب الزرقاوي، الأيدلوجية السلفية الجهادية من أجل أن تلائم الصراع الطائفي الجديد. بحسب القراءة السلفية الجهادية للشريعة، كان اليزيديون أمام أحد خيارين: إما اعتناق الإسلام، وإما القتل. وسرعان ما تسببت هذه الأيديولوجية في فساد عظيم. أوقف المسلحون في شهر أبريل/ نيسان 2007، حافلة تقل عمالاً من مصنع الموصل للنسيج، وأمروا المسلمين والمسيحيين بالخروج، ثم أخذوا وقتلوا 23 عاملاً يزيديًّا. وفي الـ14 من شهر أغسطس/ آب 2007، استخدمت أربع شاحنات في تنفيذ تفجيرات انتحارية ضخمة في مواقع اليزيديين في القحطانية، وسيب الشيخ خضير، أسفرت عن مقتل 500، وجرح 1500.

لم يكن لدى الجيش الأمريكي المحتل قوات كافية لفرض السيطرة على هذه المنطقة الحدودية. وأصبح معظم الشمال الغربي للعراق، وهي منطقة استراتيجية على الحدود السورية، طريقًا سريعًا للمتطوعين الجهاديين: إذ وجدت القوات الأمريكية، في معسكر صحراوي بالقرب من سنجار، سجلات لحوالي 700 متطوع أجنبي، معظمهم من السعودية وليبيا، قرروا الانضمام للقضية الجهادية في العراق.

ليس هناك جواب رسمي حتى الآن عن سبب انهيار الجيش العراقي قبل هجوم داعش. لكن هناك لغزًا آخر: لماذا لم تكمل قوات داعش هجومها ضد بغداد، العاصمة ومركز السلطة في العراق، وبدلاً من ذلك هاجمت المناطق المسكونة باليزيديين في سنجار، تحت سيطرة قوات البشمركة الكردية؟ لم يكن هذا السلوك منطقيًّا في سياق الصراع بين السلطة الشيعية في بغداد، والسنة الساعين للانتقام. ومع ذلك، فهجوم داعش على سنجار ذو دلالة على التنظيم، وسلوكه المتناقض. وقال التقرير إنَّ الكثير من اليزيديين النازحين الذين أجريت معهم مقابلات صحافية، أكدوا أنَّ من تولى الهجوم الأولي هم القبائل العربية المجاورةالجحيش، وأبو متيميت، وأولاد الخاتون، وآخرون. تزامن إعطاء هذه القبائل البيعة لداعش مع الهجوم على سنجار. لذا، فقد انضمت القبائل العربية المحلية، باستثناء قبيلة شمر، إلى داعش من أجل الهجوم الوحشي على اليزيديين.

أحلام بعثية

يتكون داعش من مجموعات اجتماعية مختلفة تقاتل لأسباب مختلفة، هذا التنوع نقطة قوة، ونقطة ضعف في آن واحد. هناك البعثيون القدامى الذين يحلمون بالعودة إلى السلطة في بغداد، والمقاتلون المنخرطون في حرب طائفية ضد النظام في سوريا، والجهاديون الدوليون الذين يريدون الهجوم على المجتمع الغربي، وهناك الشيشانيون والأتراك. كل مجموعة تضيف إلى قوة داعش، لكنها تجلب معها عدوًا آخر. تنظيم داعش يقاتل الآن كل العالم، وهي معركة، لا شك أنَّ التنظيم يفتقر للموارد الكافية لخوضها. عندما هاجم داعش سنجار كسب بذلك مجندين من بين القبائل العربية في «الأراضي المتنازع عليها» (من قبل الأكراد، وسلطات الحكومة المركزية الشيعية، ووجهاء السنة في الموصل)، لكنهم حاربوا الأكراد، ففتحوا بذلك جبهة جديدة مكلفة.

منذ عام 2003، ومنطقة سنجار واقعة تحت السيطرة الفعلية للبشمركة، على الرغم من كونها جزءًا من الأراضي المتنازع عليها. ترك انسحاب البشمركة دون قتال أثره. فبحسب جميل شومر، مدير منظمة يزدا الإنسانية في دهوك: «ما زال الشعب اليزيدي في انتظار تفسير من قادة حكومة إقليم كردستان». بدا أنَّ حكومة إقليم كردستان قد أدهشها هجوم داعش. وقد أدى ترك المناطق اليزيدية دون دفاع إلى إثارة الأسئلة حول ما إذا كان اليزيديون جزءًا من الأمة الكردية. بعد أسبوع من هجوم داعش، نجح المقاتلون الأكراد المتحالفون مع حزب العمال الكردستاني من سوريا في فتح ممر، وإنقاذ عشرات آلاف اليزيديين المحاصرين في جبل سنجار.

عاد 50 ألفًا فحسب من السكان البالغ عددهم 300 ألف، بعد هذه الهجمات المضادة التي قادتها القوات الكردية في شهري نوفمبر (تشرين الثاني)، وديسمبر (كانون الأول) 2015، مدعومة من القوات الجوية الأمريكية. كانت معظم البلدات والقرى قد استحالت أنقاضًا: إما دمرت أثناء القتال وإما فجرها الجهاديون انتقامًا. لم يعد البعض لأنَّ المنطقة الآن مقسمة بين جزء شرقي تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني (الذي يحكم حاليًا تحت مظلة حكومة إقليم كردستان)، والجزء الغربي تحت تأثير حزب العمال الكردستاني. تنتمي هذه القوات لتحالفات إقليمية معادية: فمسعود برزاني من الحزب الديمقراطي الكردستاني متحالف مع تركيا، في الوقت الذي يحارب فيه حزب العمال تركيا. وأنشأ حزب العمال ميليشيا محلية من اليزيديين، تدفع رواتبها الحكومة العراقية، لكنها تقع تحت سيطرة الحزب.

بعد مذابج العثمانيين لليزيديين عام 1892، كانت هناك حركة إحياء قوية للهوية والثقافة اليزيدية في منطقة جبل سنجار. هل سوف يتعافى اليزيديون من المذبحة الحالية؟ يقول التقرير إنَّ هذا غير مؤكد. معظم اليزيديين الآن يعيشون في معسكرات لاجئين مكتظة، ويحظون بخدمات قليلة، أو بلا خدمات على الإطلاق، والكثيرون غيرهم لجؤوا إلى أوروبا. وعلى الرغم من جهود الميليشيات الشيعية لقطع خطوط الإمداد بين الموصل، وسوريا، إلا أنَّ أكثر القرى اليزيدية جنوب سنجار ما زالت تحت سيطرة داعش، التي تستخدمها قواعد لهجماتها الدورية على المواقع الكردية واليزيدية. حررت حوالي 2000 امرأة يزيدية، لكنَّ 3200 امرأة أخرى ما زالت تحت أسر داعش، معظمهنَّ في الرقة. يشعر اليزيديون بالمرارة وتعرضهم للخيانة: إذ تعرضوا للذبح على يد جيرانهم العرب السابقين، وخانهم الأكراد، إخوتهم العرقيون، ونسيهم المجتمع الدولي. يحتاج اليزيديون، قبل أن يعودوا إلى منازلهم ويبدؤوا في إعادة بناء حياتهم، إلى الشعور بالأمل بأنَّ الفرمان الـ73 سوف يكون الأخير.

عن موقع الأخ رشيد