“ترامب وسوريا بعد القضاء على تنظيم “داعش

وول ستريت جورنال
هل ستتنازل الولايات المتحدة عن نصرٍ إستراتيجي لصالح روسيا وإيران؟
وافق مجلس الشيوخ الروسي خلال الأسبوع الفائت على تمديد مدة بقاء القاعدة البحرية الروسية في محافظة طرطوس السورية لمدة 49 عاماً، وهو مؤشر آخر على المكاسب الإستراتيجية التي حققها تدخُل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في الحرب الأهلية السورية. ومع سحق تنظيم “داعش” في آخر معاقله السورية، السؤال الأبرز الذي يتردد الآن هو: هل ستتنازل واشنطن عن مكاسبها لصالح موسكو وطهران ووكيلهم السوري في دمشق، بشار الأسد؟.

تتمثل الأخبار الجيدة في أن وزارة الخارجية الأمريكية، أكَّدت مؤخراً بأن تنظيم “داعش” خَسِرَ 95 % من المناطق التي كان يسيطر عليها سابقاً في كل من سوريا والعراق، ناهيك عن تناقص تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا.
بيد أن الخبر السيئ هو أن السيد بشار الأسد لا يزال متواجداً في السلطة، على الرغم من الحرب الأهلية المستعرة منذ حوالي سبع سنوات وتَبَدُل رئيسين أمريكيين وتعاقب وزراء الخارجية، الذين طالبوا برحيل الأسد. وقَتَلَ الأسد بوحشيته أكثر من 400 ألف مدني وهجَّرَ الملايين ولا يزال يُمارس التعذيب، والتجويع والقتل ضد أعدائه. فقد قصفَ النظام طوال الشهر المنصرم، منطقة الغوطة الشرقية الواقعة تحت سيطرة المعارضة، رغم اتفاقية وقف إطلاق النار المُعلنة والتي تمت بوساطة روسيا.
إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لم تتحدى بدورها، النظام أو روسيا والقوات المدعومة إيرانياً بشكل مباشر في أي عمليات عسكرية. بدلاً من لذلك، حاولت الولايات المتحدة إعادة إنشاء منطقة ردع محدودة لمنع تقدم تلك القوات نحو المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية المعارضة لنظام الأسد. من جانب آخر، استهدف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مطاراً سورياً في أعقاب هجوم كيماوي خلال شهر نيسان/أبريل العام الفائت. كما وأسقط الجيش الأمريكي طائرة سورية نفذت غارات في مناطق قوات سوريا الديمقراطية. استمرار واشنطن بإتباع هذه الإستراتيجية أمر جيد لكنه لن يغير توازن القوى على الأرض.
وتعهد ترامب في تشرين الأول الفائت بتقليص النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، واصفاً طهران بـ “النظام المتعصِّب”. لكن ما يفعله في سوريا سيظهر لنا إذا ما كان كلامه جَدياً أم مجرد كلام خِطابي لإخفاء التراجع الأمريكي المتواصل من منطقة الشرق الأوسط تزامناً مع ازدياد التوترات بين إيران ودول الخليج السُنيّة.
إحدى العلامات المبكرة على ذلك ستتمثل في كيفية تعامل البيت الأبيض مع المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي تحميها الآن الولايات المتحدة الأمريكية والقوات الجوية التابعة للتحالف الدولي، بشكل مماثل لطريقة حماية إدارتي الرئيسين الأمريكيين، جورج بوش الأب، وبيل كلنتون، للمناطق الكردية في شمال العراق خلال تسعينات القرن المنصرم.  وتقول مصادرنا إن تلك المناطق الآمنة يمكن أن تفتح المجال لإعادة بناء مؤسسات مدنية وتدريب قوة عسكرية أقوى وأوسع تستطيع تحدي النظام السوري في مناطقه. هذا الأمر قد يطول لسنوات لكنه يستحق أن تبذل أمريكا جهودها لفعل ذلك لمنع إيران من تحقيق هدفها في إقامة جسر بري يمتد من العاصمة الإيرانية، طهران عبر الأراضي العراقية وصولاً إلى البحر المتوسط على الساحل السوري.
العلامة الأخرى التي ستحدد سياسة الولايات المتحدة ستتمثل في كيفية تعامل الإدارة الأمريكية الحالية مع وحدات حماية الشعب، المجموعة التي لها صلات مع حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه واشنطن على لائحة المنظمات الإرهابية. فقد سلَّحَ البيت الأبيض الوحدات في أيار الفائت للمساعدة في حصار الرقة وأعلن لاحقاً في تشرين الثاني، أنَّ هذه المساعدات ستتوقف قريباً. إذا ما لم يتعامل البيت الأبيض بدبلوماسية متسمة بالدقة مع الكرد السوريين، فإنهم قد يتجهون لإبرام صفقة مع نظام الأسد حول شكل معين من الحكم الذاتي، الأمر الذي قد يثير الأتراك الراغبين بمنع قيام دولة كردية ويدفعهم للتدخل في شمال سوريا.
روسيا وإيران تحاولان بدورهما الإيحاء بأنهما انتصرا في الحرب الأهلية السورية وخِداع واشنطن ودفعها إلى الاتفاق معهما بناء على شروطِهما. لهذا السبب استضاف السيد بوتين، الشهر المنصرم، قمة في منتجع سوتشي على البحر الأسود، شارك فيها الرئيسان الإيراني، حسن روحاني، والتركي، رجب طيب أردوغان.
وحددت روسيا قمة سلام أخرى نهاية شهر كانون الثاني عام 2018 بحضور البلدان ذاتها، بيد أن المعارضة السورية ترفض المشاركة في القمة. ومن جانبه قال وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، في لقاء بالعاصمة الأمريكية، واشنطن، الشهر الماضي، إن الإدارة الأمريكية “تعمل مع روسيا حول كيفية منع اندلاع الحرب الأهلية السورية مجدداً.”
ولكن الحرب الأهلية لم تنتهي حتى تبدأ من جديد. إضافة إلى ذلك، تواجه قوات الأسد مشكلة في الاحتفاظ بالأراضي التي تسيطر عليها عسكرياً. فقد سحبَ النظام مؤخراً وحدة عسكرية من قواته من منطقة واقعة في محيط مدينة الميادين بدير الزور وأرسلها إلى محافظتي إدلب وحماه. هذا الأمر فتح المجال لتنظيم “داعش” الذي استعاد السيطرة وبشكل سريع على القرى التي سحب النظام قواته منها. لا تريد الولايات المتحدة نسخة ثانية من تنظيم “داعش” في سوريا كبديل سني وحيد لنظام الأسد العلوي.
يجب أن يكون هدف الولايات المتحدة الرئيس في سوريا، هو منع الأسد، روسيا، وإيران، من تحقيق نصر إستراتيجي متمثل في السيطرة على كامل سوريا. فقط عندما تصل روسيا وإيران إلى نتيجة مفادها أن النصر العسكري غير ممكن أو أن ثمن تحقيق ذلك باهظ جداً، عندها سيقبل الطرفان بالتفاوض لإبرام صفقة سلام حقيقية تشمل إقامة مقاطعات حكم ذاتي على أساس عرقي. وتتمثل وسائل تحقيق هذه الغاية في دعم السوريين والقوات الكردية التي تعارض الأسد والإسلاميين المتطرفين. البديل سيكون انسحاب واشنطن الذي سيسمح بدوره بعودة تنظيم “داعش” وربما حرب أكبر في الشرق الأوسط.

عن موقع المركز الكوردي للدراسات