“تشهير ذاتي.. نحن “الزعران

 آ.هنادي الخطيب

يُحسب لنا، نحن جمهور الثورة السورية، تطوير قاموس الشتائم، ويُحسب لنا أننا أعطينا النظام وإعلامه إجازة مفتوحة، فلم يعد مضطراً لشتمنا أو لتزوير الحقائق، فنحن نقوم بالمهمة بأفضل الطرق، وبما يتجاوز خبراته، ويُحسب لنا أننا نسينا السبب الذي فجّر الثورة في درعا.
يُحسب لشخصيات المعارضة أنهم استعاروا كرسي بشار الأسد، ويُحسب لهم أنهم مارسوا التعتيم والدكتاتورية أكثر من النظام الذي يتكلمون باسم الثائرين عليه، وأنهم لم يعترفوا بخطأ يوماً، ولم يعتذروا يوماً، ولم يتركو فرصةً للتشهير ببعضهم لم يغتنموها، وأن كل مَنْ سكت منهم على فضائح فساد يعرف تفاصيلها، فإنما كان سكوته لأن فساده سينكشف أيضاً.
99 بالمئة ممن يسمون أنفسهم ثواراً هم “زعران وسرسرية ومنافقون ولصوص”، النسبة رماها في وجهنا المعارض ميشيل كيلو في تسجيلٍ خاص خرج للعلن. .. غضب السوريون بشدة، شتموا كيلو، وبدأ التفنن بتخوينه، وتجاهل الغاضبون أن حديثه، في جزء منه، يمكن فهم الموصوفين فيه أنهم المعارضون السياسيون، ومؤسسات المعارضة، هؤلاء هم أكثر مَنْ تعامل معهم كيلو بوصفه معارضاً، وأحد واجهات المعارضة السياسية في مختلف مراحلها وتكويناتها.
غضبنا وشتمنا.. وهو أمر مفهوم جزئيا، على الرغم من أن الرجل احتج على امتهان كرامات الناس بلا أي إحساس بوخز الضمير، والذي كانت كرامته، شخصا ومثقفا ومفكرا، واحدة من تلك الكرامات التي تم هدرها على صفحات التواصل الاجتماعي.
في الطرف الآخر، نجد كثيرين من الجمهور السوري المعارض ذاته، والأشخاص أنفسهم، وافقوا على كلام ميشيل كيلو، وأعلنوا أن كلامه إن 99 بالمئة “منا” زعران صحيح، وبدأت الحرب الكلامية بين الجميع.
عندما انطلقت الثورة في درعا، كان السبب الأساسي امتهان كرامة الوفد الذي ذهب لمقابلة المحافظ بعد اعتقال الأطفال، أين ذلك الوفد اليوم مما وصلنا إليه؟
المضحك في الحادثة التي كان بطلها ميشيل كيلو أن الجميع ثار ضده، لأنه قال كلاماً يقوله اليوم كثيرون من جمهور الثورة، لكنهم يقولونه في جلساتهم الخاصة، واعترف كثيرون بأنهم يعتبرون كلامه دقيقا، لكن الاعترافات جاءت بصوت منخفض وإضاءة منخفضة، وذنبهم مغفور، لأنهم لم يرفعوا صوتهم، أما كيلو فذنبه مضاعف، فهو معروف ومثقف ووجه معارضة وصوته عال. فهل كان عليه أن يستمر بالكذب، كما نستمر نحن؟
المضحك أيضاً أن أحداً من الشاتمين، لم يخطر بباله أن يسأل ميشيل كيلو عن حصيلة ست سنوات من التصدّر السياسي، لم يعترض أحد من الغاضبين، ولا من الموافقين على كلامه، لم يعترض أيٌّ منهم على فشل كيلو، كما فشل غيره من وجوه المعارضة، فشلاً ذريعاً بتمثيل السوريين، سواء في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي كان ميشيل كيلو عضواً فيه ورئيس كتلة، أو في الاجتماعات والنقاشات التي يتم تنظيمها هنا وهناك، تحت اسم إيصال معاناة السوريين.
وجّه كيلو، من جهته، من الشتم ما يعادل تقريباً ما تلقاه هو نفسه للشخص الذي يعتقد أنه حرّض عليه، واتهمه بالعمالة والخيانة وبتقبيل حذاء المخابرات. وأستغرب أن يتجرأ ذلك “العميل” على شتم “قامة وطنية” ككيلو، وأستغرب أكثر من كل الساذجين الذين استمعوا للعميل، ولكن..
لم يعترف ميشيل كيلو يوماً بالفشل، ولم يعتذر لأنه أول من أقنع السوريين بصداقة أميركا له، ولم يفتح يوماً ملف فساد كان شاهداً عليه في مؤسسة الائتلاف على الأقل، بل العكس، يبدو أنه ما يزال مصدقاً، وبعد سبع سنين من أسوأ كارثة إنسانية في القرن، أن جلسة مع خمسين أو مائة عضو كونغرس أميركي ستخرج بفائدة أو بنتيجة، أو ستغير الاستراتيجية الأميركية، والأهم والأكثر تراجيدية، أنه ما يزال يصدّق أن لقب “قامة وطنية” كاف للرد على أي انتقاد، بدل أن تكون المصارحة الحقيقية والشفافية الرد المناسب لأي رد على أي اتهام.
لو سألنا معمر القذافي اليوم: من أنتم؟ ربما سنتبارى بالتشهير الذاتي للرد عليه، من نحن؟ نحن المتنابذون، نحن الزعران، نحن الكاذبون على أنفسنا، نحن الذين نعطي عدونا وقاتلنا أدواتٍ جديدة للنيل منا.

عن موقع العربي الجديد