تفاهمات أميركية-تركية في سورية: أنقرة ترسم حدود المنطقة الآمنة

Afbeeldingsresultaat voor ‫امريكا تركيا‬‎
إسطنبول ــ باسم دباغ، عبسي سميسم

شهد الملف السوري تطوراً لافتاً مع بروز تفاهمات تركية أميركية لا تنفصل عن التوجّه الأميركي لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، من الموصل العراقية، إلى مدينة الباب السورية وصولاً إلى الرقة المعقل الأساسي للتنظيم في سورية. هذه التفاهمات التي برزت بعد اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، تأتي في ظل معلومات تحدثت عن رفض ترامب لخطة سلفه باراك أوباما بدعم القوات الكردية في سورية، وطلبه إعادة النظر فيها بشكل كامل، وتسبق كذلك زيارة لمدير الاستخبارات المركزية الأميركية مايك بومبيو إلى تركيا اليوم الخميس، لبحث عدد من القضايا على رأسها ملف حزب “الاتحاد الديمقراطي”(الجناح السوري للعمال الكردستاني) وقضية فتح الله غولن.

وتقترب معركة الرقة سريعاً، وهو ما بدا في إعلان الجيش الأميركي أمس أنه يتوقع عزل الرقة بصورة شبه تامة في الأسابيع القليلة المقبلة. وقال المتحدث باسم التحالف الدولي الكولونيل جون دوريان: “ما نتوقعه هو أنه خلال الأسابيع القليلة المقبلة ستُعزل المدينة بصورة شبه تامة، ثم ستكون هناك مرحلة اتخاذ قرار بالاقتحام. لن نعطي التوقيت المحدد لمسعى السيطرة على المدينة”.
وبعد تصعيد كبير من قبل الإدارة الأميركية الجديدة ضد إيران، جاءت المكالمة الهاتفية بين الرئيسين التركي والأميركي، ليؤكدا فيها تحالفهما التاريخي في إطار حلف شمال الأطلسي، وتعزيز العلاقات بين البلدين، بعد التوتر الذي شابها إثر اتخاذ الإدارة الأميركية السابقة من قوات حزب “الاتحاد الديمقراطي” شريكاً لها في قتال تنظيم “داعش”، على الرغم من الاعتراضات التركية الكبيرة.
وبينما يستمر الدعم الأميركي لـ”قوات سورية الديمقراطية”، التي تسيطر عليها قوات “الاتحاد الديمقراطي”، في المعارك ضد “داعش” في ريف الرقة الشمالي، وصف مصدر دبلوماسي تركي، لـ”العربي الجديد”، المحادثة بين ترامب وأردوغان بالإيجابية للغاية، مشيراً إلى أن الزعيمين اتفقا بالخطوط العريضة على التعاون في ما يخص استعادة السيطرة على مدينة الرقة، على أن يجري بحث التفاصيل خلال زيارة بومبيو اليوم الخميس إلى أنقرة.
وأكد المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن، خلال مقابلة تلفزيونية يوم أمس، أن أنقرة تستمر في اتصالاتها مع روسيا لمنع أي مواجهة مع قوات النظام في منطقة الباب. وأشار كالن إلى أن الإدارتين التركية والأميركية توافقتا على الحركة معاً في ما يخص السيطرة على مدينة الرقة، معلناً أن أنقرة قدّمت خطة ملموسة لواشنطن حول استعادة الرقة، معتبراً أن “عملية درع الفرات أنهت أسطورة كون قوات الاتحاد الديمقراطي القوة الوحيدة في مواجهة داعش، فنحن على رأس الدول التي تواجه داعش، وقواتنا الآن داخل مدينة الباب”.
وأعلن أنه “تم الحديث مع الإدارة الأميركية حول منطقة آمنة خالية من الإرهاب”، موضحاً أن “رؤيتنا هي رفع الخط الواصل بين أعزاز وجرابلس والباب، إلى مساحة 5 آلاف كيلومتر، وإعلان هذه المنطقة بالدرجة الأولى منطقة آمنة وخالية من الإرهاب، وعبّر (ترامب) عن نظرته الإيجابية حول ذلك”.
ولم تتأخر روسيا في الرد، إذ أعلنت أنها تنطلق من حقيقة أن تركيا في الوقت الحالي لن تنشئ منطقة عازلة في شمال سورية. وقال مدير القسم الأوروبي الرابع في وزارة الخارجية الروسية، ألكسندر بوتسان خارتشينكو، لوكالة “سبوتنيك”، إن موسكو ترى أنه من غير الصحيح اعتبار أنه لا توجد لدى تركيا أهدافها الخاصة في سورية إلى جانب محاربة “داعش”.
يأتي ذلك بينما عززت كل من الرياض وأنقرة من تعاونهما، خلال الاجتماع الأول لمجلس التنسيق التركي السعودي، بحضور وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، ونظيره السعودي، عادل الجبير، وذلك قبل أيام من بدء الرئيس التركي جولة خليجية ستشمل الرياض والكويت والمنامة.
وأكد المصدر الدبلوماسي التركي لـ”العربي الجديد” أن الاجتماعات بحثت إلى جانب تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بين تركيا ودول الخليج، كيفية الاستفادة من توجهات الإدارة الأميركية الجديدة للحد من نفوذ إيران في سورية، من دون المساس بالمصالح الروسية، والتي لا يبدو أنها قد تعارض مشاريع كهذه في حال حصلت على ضمانات أميركية بعدم المساس بالنظام السوري أو بمصالحها، الأمر الذي يبدو ممكناً بشدة، بحسب المصدر.
وأشار المصدر إلى أن الاجتماعات طرحت عدداً من المشاريع يأتي على رأسها استعادة المشروع التركي السعودي السابق حول التدخل في سورية والسيطرة على الرقة ومن ثم حوض الفرات، لقطع الطريق على الممر الإيراني من العراق نحو المتوسط، بما يشبه عملية “عاصفة الحزم” التي قادتها السعودية عبر التحالف العربي في اليمن، لكن عبر تحالف خليجي تركي، رفضت الادارة الأميركية السابقة دعمه خوفاً من إغضاب إيران بينما كانت تجري معها مفاوضات الاتفاق النووي. وأكد المصدر أن احتمال الحصول على دعم مثل هذا الطرح واردة للغاية، على الرغم من أن تنفيذه على أرض الواقع لا يبدو أمراً سهلاً.

 

وفي هذا السياق، أشار جاووش أوغلو ، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده يوم أمس مع الجبير في أنقرة، إلى سيناريو شبيه بـ”عاصفة الحزم”، قائلاً: “في العملية المقبلة هناك ثلاث مدن مهمة للغاية بالنسبة لداعش، وتم إظهار إرادة واضحة لضرورة تطهير هذه المدن من التنظيم وهزيمته فيها، ولذلك لا بد من إنهاء عملية السيطرة على الباب قبل كل شيء”، لافتاً إلى أنه “في الأيام الأخيرة، قامت قواتنا الخاصة وجنودنا مع قوات الجيش السوري الحر بقطع مسافة كبيرة في هذا السياق، وقام التحالف بتقديم دعم جوي، وكذلك شاركت روسيا في العمليات ضد التنظيم، ونحن نود إنهاء هذه العملية بأسرع وقت ممكن”. وأضاف: “بطبيعة الحال فإن مدينة الرقة ستكون هدفنا، ويجب أن تتم العملية باستخدام الأشخاص الصحيحين، وليس عبر التعاون مع تنظيم إرهابي آخر (حزب الاتحاد الديمقراطي)، ومن البداية حتى الآن، رؤية السعودية لهذا الأمر هي ذاتها، يمكننا كدول إقليمية وكدول في التحالف الدولي ضد داعش، أن نقوم بإدخال قوات خاصة في العملية، لا بد أن نقوم بذلك”.
وفيما بدا توافقاً تركياً سعودياً كبيراً على مواجهة كل من إيران و”داعش” و”العمال الكردستاني”، أكد الجبير ولأول مرة بوضوح أن السعودية ترى في “العمال الكردستاني” وجناحه السوري تنظيمين إرهابيين لا يمكن أن يكون لهما أي دور في مستقبل سورية.
وعن عمليات النظام السوري والمليشيات ذات الولاء الإيراني الداعمة له قرب الباب، أشار المصدر التركي، إلى أنه لا يوجد أي تنافس تركي مع النظام للسيطرة على مدينة الباب، لأن التوافقات التي أجرتها أنقرة مع موسكو تؤكد أن الباب ستكون من حصة القوات المدعومة من تركيا، ولن يخاطر النظام بالمواجهة مع عمليات “درع الفرات” من دون الدعم الروسي، مشدداً على أن كل ما يحاول القيام به النظام بالتعاون مع إيران هو الاقتراب من الرقة، لفرض أمر واقع جديد على الأرض، يجعل من استبعاده من عملية استعادة حوض الفرات من يد “داعش” أمراً مستحيلاً، على الرغم من أنه يعلم بأنه لا يملك الإمكانات العسكرية الكافية لذلك.
يأتي ذلك بينما بدت المحاولات التركية السعودية واضحة لتحييد موسكو في سورية، وبينما تستمر المشاورات التركية الروسية في ما يخص مسيرة أستانة لتثبيت وقف إطلاق النار، أبدى الجبير دعمه الواضح لعملية أستانة، رغم تشديده على ضرورة مواجهة حزب الله وإيران. وقال: “هناك تدخلات في سورية من جانب إيران وحزب الله عقدت الحل هناك”.
أما في التطورات الميدانية التي أدت إلى التقدّم الكبير لقوات “درع الفرات” المدعومة من تركيا في مدينة الباب، فقد جاءت مع هجوم واسع شنّته “درع الفرات” من الغرب والغرب الجنوبي للمدينة على نقاط المستشفى الوطني وجبل الشيخ عقيل والسكن الشبابي، لتباغت تنظيم “داعش” الذي كان يظن أنه أحكم قبضته غرباً وكان يتوقع الهجوم من قباسين وبزاعة من الجهة الشرقية والشرقية الجنوبية للباب.

السيطرة على تلك النقاط كسرت خطوط الدفاع الرئيسية للتنظيم في المدينة، ويعني استمرار سيطرة “درع الفرات” سقوط المدينة بالكامل خلال وقت قريب. كما أن فتح معركة في المحور الشرقي (قباسين-بزاعة) ساهم بشكل كبير في كسر الخطوط الدفاعية وتضييق طرق الإمداد لتنظيم “داعش”، إذ تُعتبر قباسين وبزاعة من المناطق الضعيفة لمدينة الباب والتي تعني السيطرة عليها سقوط الباب بوقت أسرع.
وقال الصحافي عدنان الحسين المتواجد في المنطقة، إن القوات التركية شاركت بنحو ألف عنصر من القوات الخاصة بعتاد متطور وبغطاء جوي مكثف في المعركة، كما شاركت فصائل الجيش الحر بعدد كبير من العناصر، في المعركة التي بدأت المعركة مساء الثلاثاء بعد غطاء مكثف من المدفعية والطيران الحربي التركي. وأوضح الحسين، أن السيطرة على نقاط المستشفى الوطني والجبل والسكن الشبابي والتي تُعتبر أهم النقاط الاستراتيجية في المدينة، تعطي “درع الفرات” أولوية لحسم المعركة قريباً، إذ تُعتبر النقاط السابقة بمثابة السور الحامي لمدينة الباب كون المستشفى والجبل يقعان في منطقة مرتفعة غرب المدينة بينما يشكل السكن الشبابي سوراً أرضياً في محيط المدينة من الجهة الشمالية.
وأشار إلى أن أسلوب المباغتة ليلاً ضد التنظيم كسر تفوقه الذي كان يتمتع به وهو الحركة ليلاً لاستعادة المناطق، كما أن فتح ثلاثة محاور للهجوم على المدينة من الجهات الغربية والغربية الجنوبية والشمالية أربك حسابات التنظيم، كما أن محاولات إشغال التنظيم شرقاً من جهة بزاعة وقباسين ساهم أيضاً بتشتيت قواته، أضف لذلك الهجوم من قبل النظام على قريتي أبو طلطل وتادف جنوب الباب بنحو 8 كيلومترات، كل ذلك زاد الضغط على التنظيم.

عن موقع  العربي الجديد