جان دوست: لم أستطع حل عقدة الحدود القاتلة

 إ.جان دوست

واضحًا وموجعًا كمذبحة، يلجُ جان دوست، الروائيّ والمترجم الكرديّ السّوريّ المقيم في ألمانيا، حجراتٍ حميميّة ويفتح أبواب العوالم الأخرى الخفيّة على القرّاء، العوالم اللامألوفة التي جعلَت منه روائيًا لامعًا يحملُ رسائل ونبوءات في عصر الهزائم بامتياز. متنقّلًا بين العوالم المجنونة للإبداع وجنون الرّاهن ومآسي الماضي، يقدّم لنا جان دوست هذا الحوار النهريّ الصّاخب الخافت في مفهوم الوعي الشقيّ، المثقّف الحالم، الشعر والرواية والترجمة، يعيدُ تعريف الألم ومرارة الهويّات، ويوثّق الدّم الكرديّ على صفحات بيضاء ويسجّل موقفه من الأحداث الراهنة.

الهويّات القاتلة

(*) سؤال: من سيرة الكرديّ إلى سيرة السوريّ إلى سيرة الألمانيّ: محطّات ثلاث رسَمت ثلاثة بورتريهات للفنّان، ما هي بالضّبط، كيف حدّدت ملامح الالتزام فيك، كيف صاغَت هويّتك الفردانيّة، الوطنيّة، الثقافيّة والإنسانيّة؟

– أنا شخص أتحاشى الهويات لأنني لا أرى فيها إلا أسلحة لسحق الآخر المختلف في اللغة والعرق والدين والمذهب والجغرافيا إلخ.. لقد ذقتُ مرارات كثيرة بسبب انتماءاتي المفروضة عليّ. هذا أولًا. بالنسبة للمحطة الأولى، بتعبيرك طبعًا، والتي هي الهوية الكردية فقد جاءتني بالصدفة: رجل كردي تزوج امرأة كردية في نهاية ثلاثينيات القرن العشرين، أي قبل أن أولد بثلاثين عامًا، فأنجبا أولادًا كنت أنا آخرهم. أصبحت كرديًا بسبب زواج رجل من امرأة ينتميان إلى قومية لم يختاراها هما أيضًا. ليس لي أي فضل في اختيار هذه الهوية القومية. إنها ليست بعيدة عن هوية القنفذ مثلًا. قنفذ تزاوج مع قنفذة فأنجبا قنفذًا. أي فضل للوليد الصغير في ذلك؟ بل أي ذنب له في أن يحمل على ظهره طول عمره غلافًا من الشوك؟ أي ذنب للحلزونة في حمل قوقعة على ظهرها وأي ذنب للسلاحف من طول مكثها في الدرقة؟ الهوية الكردية هي هذه: قوقعة، درقة وجلد شوكي. ومع أنني أدرك هذا الأمر جيدًا إلا أن المحيط القومي هو الذي منحني خصوصية ميزتني عن باقي المواطنين في دولة اسمها سورية تتفتت الآن. لست حزينًا لأنني كردي تعرضت للقمع من قبل نظام عنصري شوفيني قمع كل مواطنيه بدرجات مختلفة. لكنني ساخط على البشر الذين لا يروق لهم العيش إلا ضمن قواقع يسمونها هويات. ويفلسفون انتماءاتهم وكأنها كنوز اكتشفوها هم بأنفسهم بعد بحث مضنٍ وشاق.

الهوية السورية أيضًا جاءتني بالصدفة. اتفق الإنكليزي سايكس مع الفرنسي بيكو قبل الحرب العالمية الأولى على تقسيم تركة الرجل العثماني المريض. تقاسموها وتقاسموا معها شعوب تلك الجغرافيا اللعينة. شاءت مسطرة الرجلين أن ترسم خطًا بين جغرافيا ستسمى تركيا فيما بعد وجغرافيا في الجنوب سيسمونها سورية. أهلنا الكُرد الذين شاء لهم القدر أن يبقوا شمال سكة الحديد التي هي الحدود التي عينها الرجلان أصبحوا أسرى دائرة هوية غريبة عليهم هي الهوية التركية. أما نحن الكُرد جنوبي السكة فقد وقعنا بين “براثن” الهوية السورية ذات الطابع العربي. لم يأبه أحد بأصالتنا، بثقافتنا المختلفة بتاريخنا بلغتنا وبطموحاتنا. تصرفوا وكأن لا شعب هناك يطمح إلى الحرية وله وطن اسمه كردستان ليس سوى شمعة لا تنطفئ في قلبه وخياله مهما اشتدت العواصف.

فُرضت اللغة العربية علينا نحن كرد سورية فرضًا. كثيرون من أبناء جيلي كرهوا سورية وكرهوا اللغة العربية بسبب قساوة ما رافقها من وسائل تعريب وليس تعليم. منعت السلطات السورية لغتنا من التنفس في المدارس ودوائر الحكومة ومنعت الكتابة بها، حوربت الكردية كلغة ولم تفرق السلطات بين قصائد في الغزل أو بيانات في السياسة. منعت الأغاني الكردية في الأعراس وحطمت السلطات آلات العزف على رؤوس العازفين فقط لأنهم غنوا بالكردية وعزفوا ألحانًا كردية. في وسائل النقل منعت الأشرطة الكردية. كنا نسمع أغنياتنا الكردية في الباص المتجه من كوباني إلى حلب مثلًا وما إن يلمح السائق حاجزًا للأمن السوري حتى يعمد سريعًا إلى إخفاء شريط الأغنية الكردي ويضع أغاني عربية أو تركية. مع ذلك لم أكره الثقافة العربية كما لا أكره أية ثقافة أخرى في العالم. بالعكس فقد نشأت بيني وبين العربية قصة عشق لم تنته إلى الآن. أحب اللغة العربية وأكتب بها منتشيًا ببلاغتها وجمالها. أعتبر المعري جزءًا من هويتي الثقافية، أحب ابن رشد وأردد قصائد ابن عربي بالولَه ذاته الذي أردد به قصائد شاعرنا الكبير أحمد خاني.

وبدل أن يكون الكرد وتكون لغتهم الكردية مصدر ثراء وقطعة جميلة في فسيفساء سورية، حاولت السلطات بشتى الوسائل أن تنزع من قوس قزح السوري كل الألوان الأخرى ما عدا اللون العربيّ، حاولت أن تدمر الفسيفساء وألا تُبقي إلا على قطعة واحدة هي ليست كامل اللوحة بأي شكل من الأشكال.

نأتي إلى الهوية الألمانية.

خرجت من سورية مكرهًا صيف عام 2000. مات حافظ الأسد وبقيت سورية بلا رئيس. في تلك الأيام حصلت على فيزا دولة أوروبية، قطعت تذكرة طائرة وغادرنا، زوجتي وأنا، تلك البلاد إلى غير رجعة.

لم يكن خروجي من سورية سوى طريقة للتنفس بعد أن تعرضت للمضايقات على مدى سنين طويلة بسبب كتابتي باللغة الكردية.

في ألمانيا عانيت قساوة الغربة، كان عالمًا جديدًا بالنسبة لي. ثقافة مختلفة، أسلوب حياة مختلف، مجتمع مغاير. تعرضت لكثير من حالات الكراهية. كراهية الأجنبيّ. هناك في سورية اعتبروني أجنبيًا لأنني لم أعتبر نفسي عربيًا، هنا يعتبرونني أجنبيًا لأنني لست من هذه البلاد. أي أرض ستعتبرني ابنها؟ أصبحت بعد سنوات مواطنًا ألمانيًا. إنها “مواطَنة ورقيّة”.  كانت مواطَنَتي السورية أيضًا “ورقية”. فقد كتب على جواز سفري أنني مواطن عربي سوري. اعتبرت ذلك اغتصابًا روحيًا. الفرق بين هذه وتلك أن المواطن في ألمانيا سواء كان من أصل كرديّ أو غير ذلك محترم وأمامه فرص واسعة للانطلاق. وفي الحقيقة فقد أنجزت أهم أعمالي هنا في الغربة. “الوطن” نبذني، ركلني ركلة أوصلتني إلى حضن وطن آخر أرضعني حليب الحرية. أحسست بقيمتي كإنسان هنا. أما هناك فقد كانت إنسانيتي، ليس ككردي فحسب بل كمواطن سوري، تُنتهك كل لحظة.

الأمس احترق وأنا رماده

(*) لنعد بك إلى الوراء قليلًا، إلى سير الطفولة، الصّبا، الشباب، ثمّ إلى سيرة الروائيّ المهاجر.. ماذا علق في ذاكرتك متعدّدة المرايا وأنت تستكشف روحكَ بينَ الأمس والآن؟

– روحي غريبة هنا كما كانت غريبة في – سأقولها تجاوزًا- وطني. ليس “الآن” عندي سوى حلم بالعودة إلى “الأمس”. أعرف أن الأمس لم يتحول فقط إلى ذكرى تقتات عليها روحي الظامئة بل احترق في أتون الحرب. والحرب ليست سوى الراهن الذي لا فكاك منه إلا بالاتكاء على الذاكرة المشحونة بكل ما هو جميل. احترق أمسي الذي كنت أحلم بالرجوع إليه يومًا ما. وفعل “احترق” فعلٌ لا علاقة له بالمجاز الشعري هنا. احترق فعلًا. شبت النار في كل شيء. لم يبق من مكتبتي التي خلقتني على ما أنا عليه الآن سوى الرماد. دمرت غرفتي التي كانت صومعة كتابتي، دمرت الغرفة الأخرى التي ولدت فيها، دمرت الغرفة الثالثة التي شهدت أول قبلة منحتها لي فتاة، دمرت الحارة التي شهدت أولى خطواتي عن بكرة أبيها. عن أي أمس تتحدثين يا صديقتي؟ أي أمس؟ لقد احترق الأمس وأنا رماده.

لكنني أحاول عبر روايتي الأخيرة أن أبعث “الأمس” المحترق من رماده. أحاول أن أحيي رميم عظام أمسي الذبيح. فهل نجحت؟ بالنسبة لي شخصيًا نجحت في استحضار الماضي بشخوصه وبالأمكنة التي عاشت فيها تلك الشخوص. رواية “كوباني” هي قبل كل شيء محاولة لوضع بلسم على جرح غائر. ذاكرتي اشتعلت بسبب هذه الحرب اللعينة التي تشهدها بلادي. ذاكرتي استيقظت من رقدة الغربة. ذاكرتي تمردت على قيود النسيان. إنني أبحث عن “أنا”يَ الضائعة في دروب لم تتعرف بعد على خُطاي. أحاول لملمة شظايا روحي التي بعثرتها الغربة. سنوات عمري خرزاتٌ نثرتها أنامل عابثة على صخرة فمن يقدر على نظمها في سلك؟ لا أحد.

(*) سؤال: بدأت شاعرًا ومررت على القصّة القصيرة وانتهيتَ مترجمًا وروائيًا، لماذا الترجمة الأدبيّة، لماذا الرواية، ولماذا “خنتَ” سيرة الشاعر التي بدأتها؟

– كتبت الشعر وأنا في العاشرة من العمر. أكاد أقول ولدت شاعرًا. ما زال الشعر معي. يؤنس روحي وينير لي دروب الرواية بكلّ وعورتها. لولا الشعر لما كتبت الرواية. حاولت أن أزاوج بين الرواية والشعر منذ البداية. نشرت في عام 1991 أول كتاب لي هو “قلعة دمدم” ويحكي قصة من قصص مقاومة الكرد للإمبراطورية الصفوية في بداية القرن السابع عشر وكنت قد كتبتها وأنا في العشرين من العمر. كانت تلك رواية شعرية من 1800 بيت شعريّ لقيت صدى إيجابيًا جدًا فطبعت خمس مرات إلى الآن. وقتها كانت الرواية جنينًا في بطن الخيال.  لم يحن أوان ولادتها. غلبني الشعر آنذاك. لم أنشر روايتي الأولى إلا عام 2004.

أما الترجمة فقد رافقتني أيضًا منذ البدايات. نشرت كتابًا عن الشعر الكردي ضمنته قصائد مختارة من الشعر الكردي مع سير حياة الشعراء ونشرته في دمشق عام 1991 أي في نفس العام الذي صدرت فيه روايتي الشعرية “قلعة دمدم”. الترجمة عندي كما أردد دائمًا هي تحرير النصوص من سجون اللغات. النص الأدبيّ ليس سوى سجين في قيود لغته الأصلية، يأتي المترجم فيحرره لينطلق في رحاب اللغات الأخرى. قمت بترجمات كثيرة من الكردية إلى العربية وبالعكس، من الفارسية إلى الكردية وإلى العربية. ولعل آخر كتاب لي هو ترجمة شرح ديوان الملا الجزري من العربية إلى الكردية ويقع هذا الشرح في 1500 صفحة سيصدر قريبًا عن دار نشر كردية في تركيا.

التاريخ حيلة ألجأ إليها للحديث عن الراهن البشع

(*) لننتقل معك إلى عوالم الرواية، حيث تتنوّع الكتابة الروائيّة عند جان دوست، ويتعمّق التخييل فيها جميعها، لكنّها دائمًا مفتوحة على التاريخ دون أن تُصنّف كروايات تاريخيّة. أنت تتواجد في حيّز بينيّ شديد الخصوصيّة في الساحة الأدبيّة العربيّة الراهنة. نجحتَ في أن تجمع بين التاريخ (ليس فقط الكرديّ) وعلاقته بالأديان وبين الكتابة الروائيّة عالية التخييل. حدّثني عن هذا الرهان الصّعب، وكيف تمكّنت من أن تكون وفيًا للحقيقة التاريخيّة بدون أن تفقد روايتك من فنيّتها؟

– التاريخ مطيتي لنشر أفكاري. إطار لا بد منه ليس لأنني مهووس بالتاريخ ويشدني إليه حنين أو ما شابه ذلك. بل لأن التاريخ هو الحاضر بعينه الذي نعيشه. لا يتغيّر شيء. أنا لا أكتب رواية تاريخية، بمعنى لا تهمني الفترة التاريخية التي تجري أحداث رواياتي فيها بل الوقائع نفسها هي التي تشغل بالي. الأفكار التي يتجادل بها شخوص رواياتي، تفكيرهم، نظرتهم إلى الآخر، إلى المكان إلى الوجود. هذه الأمور تشغلني أكثر بكثير من الفترة الزمنية التي تجري فها الرواية. الزمان عندي عجينة يمكن صنع أي شيء منها. التاريخ حيلة ألجأ إليها للحديث عن الراهن البشع، راهن الحروب والكراهية والقتل وسفك الدماء. لكن ينبغي القول إنني وفيّ للمناخ التاريخي.. بمعنى أنني أقوم بأبحاث مضنية حتى أصور الأجواء تصويرًا أقرب إلى الواقع التاريخي. لا أكتب فانتازيا تاريخية. يمكن أن أطلق على بعض رواياتي صفة الواقعية التاريخية.

(*) سؤال: تكتبُ بالعربيّة، تصوغ نفسك باللغة العربيّة بطريقة ساحرة. في عباراتك عربيّة “فائضة عن الحاجة” أحيانًا، عربيّة الغريب الذي يقتحمُ حجرة نوم الجميلة وينقضّ عليها. فوق هذا، تسحب إرثك الكرديّ ودمه ومأساته على ظهرك وتحقنه في كل ما تكتب. أشعر أنهما مأساتان تعمّقان الحزن في كتابتك: أن تكتب بالعربيّة، وأن تحمل مأساتك الكرديّة إلى العربيّة. هل أخذت حقّك من الأولى، وهل وفيت الثانية حقّها؟

– ليست ثمة عبارات فائضة عن الحاجة في أية لغة. بل كلّ لغة، أية لغة، بحاجة إلى مزيد من المفردات يومًا بعد يوم. أنا أعرف أن هناك نظرية تعتبر اللغة كائنًا حيًا ومقتنع بها.

من المعروف أن أبناء الأقليات الذين يكتبون بلغة الأكثرية يبذلون ضعفي ما يبذله أبناء الأكثرية لإثبات مقدرتهم اللغوية. وهذه الظاهرة معروفة. تتميز لغة الكاتب الأقلوي بأنها ممتعة أكثر. السر ليس في اللغة. السر يكمن في تزاوج الخيالات. في الهُجنة التي ينجح فيها كاتب الأقليات حين يزاوج خياله لغته الأم بخيال اللغة الغالبة. لم أشعر أنني أكره اللغة العربية. أحبها. هي ضرة جميلة للغتي الأم. وهناك فرق بيني وبين الكتاب الكُرد الآخرين الذين لا يكتبون إلا بالعربية. هؤلاء عندهم عقدة نقص لأنهم لا يبدعون بلغتهم الأم. شعورهم بالذنب واضح جدًا وقد عايشت زملائي الكتاب فلمست منهم الخجل من الكتابة بالعربية ويكادون كل مرة يعتذرون وكأن الكتابة بالعربية إثم قومي أو جريمة ضد الشعب الكردي. كثيرون عملوا على تعلم الكتابة بالكردية فكتبوا بها لكنهم لم ينجحوا. إنهم حائرون بين هذه وتلك والحيرة قاتلة.

أما أنا فقد وصلت بعد عقود من الإحجام عن الإبداع بالعربية إلى أنني أظلم هذه اللغة التي أحبها، شعرت بأنه حان الوقت لكي أكتب نصًا إبداعيًا بالعربية. وقد تجلى ذلك في مقدمة روايتي “دم على المئذنة”، حيث تحدثت عن القلق الذي انتاب روحي وكياني قبل أن أخوض تجربة كتابة أول رواية لي باللغة العربية.

(*) تأخذني هذه التعريفات إلى عالمك الحديّ. أنتَ من مواليد كوباني الحدوديّة. لعلّ هذه المعلومة تشكّل نقطة فارقة في تعريفك لذاتك قبل أيّ شيء. في مفهوم “الحديّة” هذا ما يضعكَ في مأزق تعريفاتيّ. كيف شكّل هذا القدر الحدوديّ وعيكَ بالعالَم، أنت الكرديّ المثقّف المترنّح دائمًا بين حاجته إلى الانتماء وبين رغبته في الانسلاخ، أو ربّما تحقيق معادلة الخلط بين قلق الكركس ووعي الدوريّ؟

– في طفولتنا كُنا لا نأبه بالحدود ولا نعترف بها. كان أهلنا يحذروننا من رصاص الجندرمة الأتراك. لكن لذة اجتياز الحدود كانت تغلب تلك التحذيرات التي لم نجد فيها سوى رغبة في كبح جماح طفولتنا. والحدود هذه كانت تبعد عن بيتنا شمالًا أقل من كيلومتر. نصلها في دقائق معدودات لنسمع صياح الديكة وضوضاء القرويين على الجانب الآخر. كانوا مثلنا، أكرادًا رماهم القدر شمال سكة الحديد اللعينة. السيف الذي شطر جسد الكردي إلى هوية دنيا في الشمال وهوية أخرى دنيا أيضًا في الجنوب.

وعيت على الدنيا وأنا أسمع قصص المُهربين الذين يجتازون الحدود فجرًا، يمشون بين حقول الألغام لتبادل السلع كالشاي والتبغ وغير ذلك. في الفجر كنا نسمع أحيانًا أصوات صليات من الرصاص تمزق ما تبقى من ظلام وتدفع النجوم الخائفة إلى أوكارها السماوية. قدر الحدوديين أن يعيشوا الخوف. أن تكبر لديهم الرغبة في اجتياز ما يمنعهم من رؤية الطرف الآخر. ليست الحدود سوى قيود تمنع الحركة الطبيعية على الأرض. ليست الحدود سوى أسوار سجون يسمونها أوطانًا. كثيرًا ما سقط قتلى على الحدود. كانوا يذهبون فجرًا لاجتيازها ويعودون في الصباح في نعوش. أحيانًا كانت جثث القتلى تبقى مرمية بين الألغام يومًا أو يومين حتى تتدخل سلطات الدولتين لتسليم واستلام الجثة.

في سوق كوباني كان مشهدًا مألوفًا أن يرى المرء رجالًا بساق واحدة أو بلا ساقين. لقد خسروا سيقانهم في انفجارات الألغام.

منذ أكثر من خمسة عشر عامًا يتكرر لدي الحلم ذاته؛ وهو العودة إلى سورية ومحاولة اجتياز الحدود. أجد نفسي فجأة عند نقطة حدودية خائفًا وجلًا من أن يتم إلقاء القبض علي. لم أعبر ولا مرة في أحلامي الحدود إلى سورية. دائمًا أصطدم بالحواجز العسكرية والأمنية ويمنعني من الوصول في الحلم إما فقدان جواز سفري أو خوفي من أن أنكشف لسلطات الحدود. لا بد من شيء يعيق وصولي إلى وطني في الحلم.

أخاف من الحدود كثيرًا. عقدة الحدود لم أستطع حلها حتى هنا في أوروبا. أذهب بسيارتي مثلًا من دولة إلى أخرى وحين أقترب من الحدود يخفق قلبي فزعًا. كل ما تراكم في لاوعيي يستيقظ وأنا أقترب من الحدود الفاصلة بين دولتين. إن من ولد بجانب حدود قاتلة، سيأخذ معه رعبها إلى القبر.

احتراف الترجمة

(*) تترجمُ رواياتك بنفسك: مارتين السعيد، مهاباد، ثلاث خطوات إلى المشنقة، ميرنامة، كوباني. ما السرّ؟  لماذا هذا المجهود المضاعف، كتابةً ثمّ ترجمة، أهو افتتان بالقدرات الشخصيّة، أم عدم ثقة في المترجمين الأدبيّين، أم ماذا بالضّبط؟

– ترجمت بنفسي جميع رواياتي الكردية الى العربية وعددها خمس. كذلك ترجمت إلى الكردية روايتين عربيتين من أصل ثلاث روايات. أعتمد هذا الأسلوب لسببين أساسيين، أولا عدم ثقتي بالمترجمين الكرد الذين لا يتقنون العربية كما ينبغي. وللأسف لا يوجد مترجمون عرب يتقنون الكردية. السبب الثاني هو أنه أمامي مساحة واسعة من المناورة وفسحة كبيرة من الحرية كمترجم. لست مضطرًا لأن أسأل المؤلف ما هذه العبارة وماذا تقصد بالجملة الفلانية. أعيد صياغة أفكاري وترتيبها كما لو أنني أكتب رواية جديدة. وهكذا تبدو رواياتي المترجمة كما لو أنها أصلية.

(*) أعود بك إلى “مم وزين”: ملحمة كرديّة ألّفها أحمد خاني، وتُعدّ من أهمّ الآثار الأدبيّة في الأدب الكرديّ. قمتَ بترجمتها إلى العربيّة، وهي الترجمة الثانية التي صدرت إلى العربيّة، بترجمة شعريّة محترفة، أكاد أجزم أنّها من أهمّ مشاريعك الترجميّة. حدّثنا عن تاريخ هذه الترجمة، سياقها النّفسيّ وعلاقتك التاريخيّة- الأدبيّة معها؟

– تعرفت على “مم وزين” مبكرًا. ليس فقط عبر ترجمة الكاتب القتيل محمد سعيد رمضان البوطي المجتزأة. بل عبر أبيات مم وزين التي كان يتداولها أهل بيتي بدءا من أمي التي كانت تستشهد بين الحين والآخر ببضع أبيات مشهورة للخاني، وثم إخوتي الذين كانوا يقرأون ويستنسخون نصوصًا كلاسيكية في السر ويحفظونها عن ظهر قلب ثم عن طريق المنشدين الذي كانوا في ليالي الشتاء يدفئون أرواحنا بقصائد الخاني والجزري وغيرهما.

حصلت على أول نسخة مصورة من مم وزين من بائع كتب كردي في عامودا عام 1988. قرأت المتن فأذهلني. أسرني النص الكلاسيكي المدهش وقررت على الفور شرحه. تعلمت الفارسية لأجل أن أتمكن من فهم نص “مم وزين” المطعَّم بمفردات فارسية. كنت شابًا متحمسًا فبدأت الترجمة والشرح باللغة العربية حتى انتهيت منهما عام 1994. نشرت الكتاب عام 1995 بمناسبة المئوية الثالثة لكتابة “مم وزين”. بقيت في دمشق أيامًا عديدة حيث كانت إحدى المطابع تطبع الكتاب بسرية تامة وبسعر مضاعف. هذا الكتاب أو كما نسميه قرآن الكُردايَتي (والكُردايَتي مصطلح يوازي مصطلح العروبة) فتح أمامي آفاقًا واسعة وجعلني أفكر عميقًا في قدر الكرد المقسمين دائمًا بين قوتين أو أكثر. الكرد الذين يُفرض عليهم الولاء لهذا وذاك ثم التحارب لأجل القوى العظمى التي تهيمن على بلادهم. أذهلني أن أحمد الخاني وصف الحالة السياسية والاجتماعية للكُرد كما لو أنه يعيش الآن. تعلقت بالكتاب وانكببت على شرحه هذه المرة بالكردية. ترجمت المتن إلى اللغة الكردية المعاصرة أيضًا ليتيسر فهمه للقراء الحاليين.

لم أكتفِ بذلك. بل حججت إلى ضريحه في بلدة بايزيد الكردية في تركيا على الحدود الإيرانية. بكيت عند قبره وأنا أستذكر شكواه من الزمان والحكام وإهمالهم له ولأفكاره ثم خطرت لي فكرة أن أشيد بناء روائيًا عنه بعد أن لازمت روحه وأفكاره لسنوات طويلة. وهكذا بعد حوالي عشر سنوات من صدور ترجمة “مم وزين”، كتبت رواية “ميرنامه” التي تتمحور حول العلاقة بين المثقف والسلطة عبر تشريح شخصية الخاني الأدبية والفلسفية المتمردة وهي شخصية جديرة بالبحث والتنقيب والاهتمام من لدن كل الشعوب لما تحمل نصوصه من نفس إنساني واضح الملامح وأبعاد عالمية لا تعترف بالفروق بين البشر.

لست مسؤولًا عن القسوة في رواية “كوباني”

(*) “كوباني”، الصادرة مؤخّرًا بالكرديّة، توثيق لسفك الدّم، هذه المرّة ذهبتَ بعيدًا في الصّرخة التي وثّقت موت من عرفتهم. مرثيّة طويلة مكتوبة بالحبر الأحمر. لماذا قررت الآن أن تكتبَ عن أصوات، وبأصوات من قتلتهم الحرب ومن لاكهم التاريخ ومن وضعوا حدًا لحيواتهم ومن مزّقتهم داعش، ومن ضاعت هويّاتهم حتى في المقابر؟ “كوباني”، أكاد أجزم، أصعب رواياتك وأشدّها قسوةً.

– لست مسؤولًا عن القسوة في رواية “كوباني”. لم أرتكب أنا المجزرة الرهيبة التي ارتكبت في أزقتها وحواريها في رمضان 2015 وقضى على أثرها ما يقرب من ثلاثمئة شخص بريء بين طفل وامرأة وعجائز. عندي قائمة موثقة بأسماء من قضوا في تلك الليلة الفاجعة. لم أدمر كوباني وأمحو ملامحها إلى الأبد. لست من دمر المدفن الذي كان يضم أرواح أبي وأمي وجدي وأخي وعمي وصهري وأقاربي الآخرين. لست أنا الذي قضى على ذاكرة عمرها مئة عام. بالعكس حاولت في روايتي أن أستعيد الخيوط التي فقدناها بعد حرب كوباني. حاولت أن أعيد رسم وجه كوباني مدينتي التي عشت خمسة وثلاثين عامًا فيها، وأن أعيد بناء حارتي وما أستطيع من باقي حارات كوباني.

لقد أحييت من ماتوا وغابوا عن الذاكرة، نفخت فيهم من الروح ما سيجعلهم خالدين أبدًا على الأقل في ذاكرة الكرد.

لم أوثق موتهم فحسب. بل سردت تفاصيل حياتهم وصورت اللحظات الأجمل في زمن غابر. نفخت في الصلصال، فسرت الروح ودبّت الحياة في تلك الشخصيات التي طواها الموت. هزمت في روايتي هذه الموت وأنقذت ذاكرة المدينة من الدمار بعد أن تحول المكان إلى أنقاض. ما يؤلمني حقًا هو أنني فيما مضي كنت أحن إلى المكان لأسترجع نبض الماضي. كنت آمل أن أعود ذات يوم فأمشي في الحارة من جديد وأطرق الأبواب بابًا بابًا، أزور أهلي وأستعيد زمنًا مضى. كان عزائي الوحيد أن المكان صامد وسيمكنني من استعادة تفاصيل تلك الحياة الآفلة. والآن ماذا حدث؟ ذهب الزمان وزال المكان فأين العزاء؟ العزاء جاء هذه المرة على شكل رواية آلفت فيها بين زمان مضى ومكان تحول إلى أنقاض تروي سيرة ما مضى ومن مضوا.

(*) في هذه الرواية تكتبُ سيرة الداعشيّ زياد، المحارب المجرم، الذي يتربّص بك وبي وبكلّ ما هو إنسانيّ. تُعيدنا في الرواية إلى سيرته طفلًا، وتصوّر لنا، في لقطات بليغة مؤثرة، مأساة هذا الطفل الذي صار داعشيًا.  ماذا تروم من وراء رسم هذه الشخصيّة على هذا النحو بالضبط؟ هل يمكن لمأساة الإنسان الصغير أن تبرّر له جرمه؟

– من خلال رسم شخصية زياد بن تاجي التونسي حاولت أن أنتصر على فكر داعش المتوحش في تطرفه. لقد أرادوا أن يقضوا على كل ما هو جميل في حياتنا. أرادوا أن نكره حتى الإنسان من خلال سليلة من الفظاعات ارتكبوها في كل بقعة رفعوا فيها رايتهم السوداء.  لم أحقد على زياد الذي جاء إلى بلدي “مجاهدا”. ذلك كان يقينه مثلما كان يقين من يواجهه أنه يدافع عن أرضه وبلده.

عناصر داعش على الأغلب من المغرر بهم. لا أبرر بطبيعة الحال ما فعلوه. لقد ارتكبوا جرائم بشعة حتى ولو كانوا مجرد عناصر وجنود عاديين ويستحقون العقاب على أفعالهم. لكني أشرح وأحلل هذه الشخصيات التي وصلت إلى هذه الدرجة من الوحشية التي يعجز عقل البشر عن تصورها. زياد ليس عدوي أبدًا. عدوي أولئك الذي ينشرون الفكر المتطرف في الأسواق وعلى الشاشات وعلى المنابر. أولئك الذين يبثون السم عبر مواعظهم في المدرسة والبيت والشارع. أولئك الذي يسقون بذرة الكراهية سواء في هذا الطرف أو ذاك. عدوي أولئك الذين يسهلون لهم، يمهدون السبيل أمام تكاثرهم ونموهم. يسلحونهم بوسائل شتى، سواء بتسليمهم مدنًا كبيرة فيها مخازن ممتلئة بالأسلحة والعتاد أو بتهريب السلاح لهم وهؤلاء أحاربهم ببث روح التسامح.

 (*) هل أنصفتك الساحة النقديّة والأدبيّة العربيّة؟ وكيف تقيّم أحوال النّشر فيها وأنت هناك في ألمانيا؟

– إلى حد ما نعم. ويمكن الإجابة بلا أيضًا. لكنني متفائل بأن رواياتي ستلقى رواجًا في المستقبل. ثمة مشكلة في العالم العربي الذي يفوق تعداد سكانه أربعمئة مليون نسمة. تكمن هذه المشكلة في أن دور النشر محدودة التأثير. وبالرغم من المعارض التي تعقد تقريبًا كل شهر، كل مرة في بلد عربي، إلا أن الكتاب لا يصل بسهولة إلى يد القارئ. هل يُعقل مثلًا أن تكون نسخ الطبعة الأولى من كتاب تعتبره دار النشر كتابًا جيدًا 2000 نسخة فقط؟

بالإضافة إلى ذلك هناك كم هائل من الروايات تصدر كل سنة وهذا أيضًا سبب في عدم رواج الجيد. فالقارئ لا يملك حصانة ضد هذا “الغزو الروائي” وليس مترفًا ليشتري كل ما يصدر أو على الأقل الجيد مما ينشر. هكذا أشعر أن روايتي، والكثير من روايات الزملاء الكتاب، محاصرة بالرديء من جهة، وبمحدودية النشر من جهة أخرى بالإضافة إلى الرقابة التي تمارسها وزارات الثقافة أو الإعلام في كل بلد وتمنع تداول رواية معينة بسبب ما يرد فيها من أفكار قد تمس السياسة أو الدين أو الجنس.

ومهما يكن من أمر فقد لقيت رواياتي سواء العربية أو المترجمة إلى العربية بعض الاهتمام من لدن عدد من النقاد من المغرب وحتى الإمارات المتحدة. وأنا قنوع في هذه الناحية. وما يهمني بالدرجة الأولى أن الرواية تصل إلى القارئ وأن أفكاري تجد لها مرتعًا خصبًا في أذهان القراء في كل مكان.

ريم غنايم شاعرة ومترجمة من فلسطين

عن موقع العربي الجديد