جورج صبرا.. خطاب ضد التاريخ

Afbeeldingsresultaat voor ‫عمار ديوب‬‎ إ.عمار ديوب

ارتجل القيادي في حزب الشعب الديمقراطي السوري، جورج صبرا، خطاباً أمام ممثلي المجلس الإسلامي السوري، رغب فيه أن ينضوي تحت عباءة المجلس هذا، وصَوّرهُ غطاءً ستبرز من تحته وطنيّة سوريّة جديدة، سيما أن تشكيلاتالمعارضة فشلت في ذلك، ولم ينسَ المماثلة بين المجلس الحالي وشيوخ دين كانوا “وطنيين” في بداية الدولة السورية، وانحازوا للوطنية، وحدّدوا الدين بالشأن الديني. صبرا يُمثل حزبه الذي لطالما توافق مع الإسلاميين لتغيير النظامالسوري منذ الثمانينات. جديد موقف صبرا هو قديمه، إنّه لا يرى تغيّراً حصل منذ 1982 ولا في 2017 عن 2011، لا يرى صبرا أنّ الإسلاميين كانوا فئويين وطائفيين، ولم يضحوا ببقية الطوائف السورية فقط، بل وبالثورة نفسها حينما رفضوا شعبيتها وسلميتها ووطنيتها، وأصرّوا على أسلمتها، كما فعل النظام تماماً. يتجاهل في كلمته هذه كل التواريخ السابقة وما حدث فيها، ويتجاهل رفض الإسلاميين الديموقراطية، وهو الذي سقط في انتخابات للمجلس الوطني عام 2014، وأعاده الإسلاميون رئيساً له بسبب نفوذهم. رفض هؤلاء تشكيل جيشٍ حر واحد، وشكلوا فصائلهم الخاصة “الدروع”، ولم يبخلوا بمحاولات متكرّرة لإفشال تشكيل معارضة موحدة، هم لا يريدون ثورةً شعبية، وأنّ لها حقاً في تشكيل قيادة شعبية وثورية بامتياز، وتنتهج خطاً وطنيّاً لصالح كل السوريين. يكرّر الإسلاميون مِراراً أنّ العلمانيين متحالفون مع النظام، وكانوا طوال عمرهم كذلك، وهو ما قاله أسامة الرفاعي، أحد أشهر مشايخ المجلس الإسلامي، حينما ندّد بالمسؤولين عن صحيفة “طلعنا على الحرية” قبل بضعة أشهر.

تحالف تيار في المعارضة مع الإسلاميين كان خطأً كبيراً، وإذا كان بدافع التخلص من النظام، ووفق رأيهم أنّه علويٌّ، وليس ممثلاً لفئات محدّدة بعينها، وأنه يجب أن يعود الحكم إلى السنّة، وأن يُنصَفوا بعد طول غيابٍ عن السلطة؛ فإن النظام لم يكن سنيّاً قبل 1963، بل كان  

بورجوازيّاً إقطاعيّاً. وثانياً، كان “الإخوان” سبباً في حرب الثمانينيات في سورية، على الرغم من المسؤولية الرئيسية للنظام حينها، والآن عن مأساة سورية. وثالثاً، أوقف “الإخوان” معارضتهم النظام ضد إسرائيل حينما غزت غزة 2008، وهم من استبسل في استقدام تدخلٍ عسكريٍّ دوليٍّ وإقليميٍّ، على الرغم من غياب أية مؤشرات له! وبالتالي، لم يثقوا بالشعب، ولا بثورته في إسقاط النظام. أن يقول صبرا إنّ على المجلس الإسلامي السوري مسؤولية إشادة وطنية جديدة، فهذا كلام يصبّ في مصلحتهم بالكامل، ولا يدفعهم إلى مواقف جديدة، تساهم فعلاً في إشادة وطنية جديدة، ودولة حديثة بالفعل لاحقاً، وتمييز قضايا الدين عن السياسة.

تعاني سورية إشكاليّة في علاقة الطوائف ببعضها، ومن مشكلاتٍ طائفيّة تكرّست قبل 2011 وبعدها. وهناك لعبٌ كبيرٌ بالموضوع الطائفي، وتشارك فيه بلدان عربية وإسلاميّة كثيرة، ولا سيما إيران والسعودية، وإيران خصوصاً، وتحاول تهييج الصراع الديني بين الشيعة والسنة في كل البلاد العربية، ومشروعها هذا مُسلّحٌ بمليشيات مُصممة على القتال من دون توقف. سورية فعلاً تعاني الأمرّين بسبب طائفيّة السياسة الإيرانيّة، والتي هي السياسة العامة للدولة؛ فإيران تفكر بعقلٍ قوميٍّ، وتستخدم الطائفيّة لتعزيز وجودها الإقليمي كدولة. المهم هنا، لو أخذنا هذه الفكرة خلفية لتفكير صبرا، إضافة إلى ما ذكرنا أعلاه، فإن رجلنا يخطئُ كذلك، فالثورات العربية هي الأساس في كل التغيير الذي حصل في المنطقة العربية منذ 2011، وهي ثوراتٌ من أجل أنظمةٍ أفضل. وتؤكد تجربة الإسلاميين فيها، بما فيها تجربة تونس، مراراً أنّهم يفتقدون أيّة حلولٍ لمشكلات البلاد الكبرى، وأنّهم يشوّهون السياسة بالرؤيتين، الأصولية والبراغماتية، وبما يعيد تشكيل الأنظمة القديمة ذاتها. مسؤوليتهم كبرى، والكلام عن مظاليمهم أصبحت نافلة، فقد أخذوا وقتاً كافياً ليكونوا وطنيين وديموقراطيين، ولكن ممارساتهم سهلت لانقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر، ووصول الباجي القائد السبسي إلى الحكم في تونس، ولإيقاف اعتماد الأميركان عليهم في مواجهة الأنظمة القديمة والجهاديين. دورهم في سورية، كما أوضحت هذه السطور بعض جوانبه أعلاه، يكرّر الممارسة نفسها في تونس ومصر وسواهما. تدفعنا هذه المقدمات إلى القول إن الشعوب العربية ثارت ليس لإحلال أنظمةٍ تمثل المعارضات التاريخية للأنظمة، بل من أجل تحقيق مصالحها في المواطنة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وهذا يستدعي، بالضرورة، تشكيل دولةٍ حديثةٍ، وفيها فصل كامل بين الدين والسياسة، وبما يُنزه الأوّل ويوضعن الثاني، بما هي تنفيذ للأهداف التي تحقق مصلحة الشعوب وأهداف الثورات.

سورية في حالة تشوّشٍ معرفيٍّ وسياسيٍّ كبير؛ فالتدخل الإقليمي والدولي أصبح يتحكّم بكل 

أوجه السياسة والصراع، وربما المستقبل، ولأمدٍ طويلٍ. وهناك نظامٌ تابعٌ لإيران وروسيا، والمعارضة مُشتّتة وتابعة في سياساتها ومصالحها للدول المتدخلة. أضف إلى ذلك أنّ سورية تكاد تصبح مُحتلة بالكامل، ولا سيما للروس وللأميركان وللإيرانيين والأتراك. تتطلب سورية هذه معارضة وطنية بامتياز، وحركة تحرّر وطني قادرة على استيعاب كل تيارات المعارضة، وانتهاج سياسة ثوريّة، ورفض كل أشكال الإلحاق والتبعية التي يعمل من أجلها المتدخلون في سورية. 

انتهاج سياسة براغماتية، وعدم الفصل بين الوطني والديني، وبين السياسي والتكتيكي، وبين الثورية والانتهازية، يقود سورية إلى مزيد من التشويش والتفتت. هذه الأوضاع مع استمرار الحروب من دون نهايةٍ محدّدةٍ، على الرغم من الكلام عن نهاية “داعش” وجبهة النصرة، واحتمال إنهاء الحرب في 2018، يقول إنّ السوريين، وبعد سبع سنوات، معنيون بقراءة واقعهم المأساوي، والتخلص من سياساتهم الفاشلة سبع سنوات متتالية، والتخلص من إرث المعارضة في ثنائية استبداد ديموقراطية؛ فوفق هذه الثنائية، يمكن عَقدُ التحالفات الخاطئة والكارثيّة.

نعم، لا يمكن تجاهل الإسلاميين، ولا المجلس الإسلامي السوري، ولا أيّة تشكيلات طائفيّة أو أصوليّة، وكذلك لا يمكننا فرض سياسات مختلفة على حزب جورج صبرا، وأمثاله من أصحاب التفكير التكتيكي. ولكن، وباعتبار سورية تعاني مما أشرنا إليه، فإن انتهاج سياساتٍ جديدة مسألة مهمة ووطنية بامتياز، وتتناسب مع أهداف السوريين في الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. فالتحالف مع الإسلاميين غير ممكن، قبل انتهاجهم مسألة الفصل بين السياسي والدعوي الديني، والاعتراف ببقية السوريين شركاء كاملين في بناء دولة للجميع، هذا أساس أيّ تحالفٍ وتكتكةٍ وبراغماتية. 

سورية، وبعد تراكم تعقيداتها، تتطلب رجالاً وطنيين بامتياز، وليس رجالاً براغماتيين، يراكمون التعقيدات أكثر فأكثر؛ جورج صبرا وأمثاله فعلوا ذلك وبكل جدارة.

عن موقع العربي الجديد