حزب العمال الكردستاني وأكراد سورية… والعلويّة السياسيّة

 إ.هوشنك أوسى
يرفض الموالون لحزب «العمال الكردستاني»، بخاصّة من الكرد السوريين، الاتهامات الموجّهة إلى حزبهم بأنه حليف النظام الأسدي، وأن إحدى مقوّمات ومرتكزات هذا التحالف هي انزلاقه نحو ما اصطلح عليه بـ «العلويّة السياسيّة»، على اعتبار أنه حزب يساري وعلماني وأممي، ولا يكترث بترّهات الطائفيّة وخرافاتها الخرقاء وأن المنظومة الفكريّة التي يطرحها زعيم الحزب ومرشده الروحي عبدالله أوجلان، متجاوزة لهذه الأطر القوميّة والدينيّة والطائفيّة والمناطقيّة الضيّقة، وأن أفكاره ومشاريعه «كونيّة»!. وإذا كانت علاقة «الكردستاني» مع نظام الأسد خرجت من إطار التهمة، وصارت في خانة الإدانة والتلبّس بالجرم المشهود، وفق الكثير من الدلائل والمعطيات، على امتداد السنوات الخمس الأخيرة، فماذا عن تهمة الانزلاق نحو «العلويّة السياسيّة»؟ وهل هنالك حضور علوي – سياسي داخل الحزب يؤثّر في اتخاذ قرارته وتوازناته الداخليّة والإقليميّة؟!. وللإجابة عن هذا التساؤل، لا يمكن دراسة احتمال وجود «علويّة سياسيّة» داخل الحزب بمعزل عن «العلويّة السياسيّة» في تركيا في شكل عام. من دون إغفال استثمار «الكردستاني» للحال الكرديّة السوريّة منذ مطلع الثمانينات وحتى هذه اللحظة، إلى الحدود القصوى، تحقيقاً لأغراض حزبيّة.

فور انهيار السلطنة العثمانيّة، أكثر من رحّب بالنظام الجمهوري العلماني الأتاتوركي، هم العلويون في تركيا، أتراكاً وأكراداً. أتى ذلك، نتيجة المجازر والويلات التي تعرّض لها العلويون على أيدي السلطة العثمانيّة، بخاصّة في عهد السلطان مراد الرابع (1612-1640)، ترحيب العلويين الأتراك والأكراد بالنظام الجمهوري، لم يكن حبّاً بالعلمانيّة وفهماً لها، وإقراراً بمنافع النظام الجمهوري، بقدر ما كان كرهاً وانتقاماً من العثمانيّة. وسرعان ما تمردّ العلويون الكرد على النظام الجمهوري في انتفاضة ديرسيم 1937-1938 بقيادة الزعيم الكردي العلوي سيد رضا، وسحقها أتاتورك وقصف المدينة بالطائرات، ما أسفر عن مقتل 14 ألف مواطن، وفق الإحصاءات الرسميّة، ونحو 60 ألفاً وفق الإحصائيات الكرديّة العلويّة. هذه المجزرة اعتذر عنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باسم الدولة في 23/11/2011. هذه المجزرة بحق العلويين، لم تدفعهم للارتداد عن دعم خيار الجمهوريّة والعلمانيّة، كونهم يعلمون أن العودة للسلطنة العثمانيّة أسوأ من الارتداد عن الجمهوريّة. وحتى الآن، أغلب قيادات حزب «الشعب الجمهوري» والأحزاب اليساريّة القانونيّة والمحظورة والمتطرّفة، هم من العلويين الأكراد والأتراك، ككمال كلجدار أوغلو زعيم «الشعب الجمهوري» (من أصول كرديّة علويّة)، وماهر جايان (1946-1972): كردي علوي، زعيم حزب جبهة التحرير الشعبية التركيّة، قتل في اشتباك مع الشرطة التركيّة، وحسين إينان (1949-1972): كردي علوي، من مؤسسي جيش التحرير الشعبي التركي، دنيز غزميش (1946-1972): زعيم جيش التحرير الشعبي التركي، أعدم شنقاً، وإبراهيم كايباكايا (1949-1973): كردي علوي، وزعيم الحزب الشيوعي التركي قتل تحت التعذيب.

العلويون كانوا من مؤسسي الجمهوريّة ومن ضحاياها، ومن مؤسسي المعارضة اليساريّة للنظام الأتاتوركي أيضاً. وعليه، فالمجتمع العلوي في تركيا، بأكراده وأتراكه وتركمانه، هو مجتمع مسيّس بنسبة تزيد على 95 في المئة، ليس فقط ضمن التيّارات السياسيّة وحسب، بل ضمن مؤسسات المجتمع المدني أيضاً. بدليل أن مفردات القضيّة العلويّة على صعيد حق الاعتراف الدستوري بالوجود (15 إلى 18 مليون علوي في تركيا)، وحماية حقوق الطائفة في ممارسة طقوسها، بالإضافة إلى مطالب أخرى، صارت هذه المفردات تدخل في سياق الخطاب السياسي لأحزاب المعارضة التركيّة الممثلة في البرلمان أو المحظورة منها. بالتالي، «العلويّة السياسيّة» في تركيا مشبعة ولها تاريخ على مستوى إدارة الدولة، وعلى مستوى الأحزاب السياسيّة المعارضة للدولة، ومؤسسات المجتمع المدني.

كرديّاً، على صعيد الحركات السياسيّة في تركيا، كان هنالك حضور علوي في الصفوف الأماميّة، على سبيل الذكر لا الحصر؛ كمال بوركاي الزعيم السابق للحزب «الاشتراكي الكردستاني». لكن، هنالك معلومات مغلوطة عن حزب «العمال الكردستاني»، يتم تداولها في الأوساط المعارضة السوريّة، والإعلام العربي أيضاً، مصدرها تركي، بهدف الشحن الطائفي، أو إثارة المكايدة والعداوة والتأليب القومي – الطائفي ضد الأكراد، على مستويين؛ قومي (عرب ضد أكراد) وطائفي (سنّة ضد علويين)، وهذه المعلومة مفادها؛ أن أوجلان علوي. علماً أن مجرد البحث عن بيانات الرجل، سنرى أن اسم والده عمر، واسم أمه عائشة، واسم شقيقه عثمان؟!. ومع ذلك، لا يمكن إنكار الحضور العلوي القوي والفاعل والمؤثر في تجربة «العمال الكردستاني»، منذ التأسيس في 27/11/1978 ولغاية اللحظة. ووفق التاريخ الرسمي للحزب، من خلال أدبياته وأحاديث قادته الحاليين والمنشقين، فإن المؤتمر التأسيسي للحزب حضره بين 23-24 شخصاً، نصفهم تقريباً كانوا أكراداً علويين منهم:

1 – كسيرة يلدرم: مطلّقة أوجلان. انشقت عن الحزب عام 1986، وقيل أن الحزب طردها في مؤتمره الثالث.

2 – ساكنة جانسيز. تم اغتيالها في باريس عام 2013.

3 – علي حيدر قيطان. ما زال ضمن قيادة الحزب. ويتم التعامل معه على أنه مثقف وشاعر الحزب.

4 – محمد قره سونغور. قتل في جبال قنديل، أثناء الصراع الدائر بين «الاتحاد الوطني الكردستاني» و «الديموقراطي الكردستاني»، حين كان يرأس وفد وساطة من قبل «العمال الكردستاني». واتهم الأخير، «الاتحاد الوطني» بتصفيته.

5 – مظلوم دوغان، فقد حياته في سجن دياربكر، بعد إضرام النار بجسده في عيد النوروز 21 آذار.

6 – محمد خيري دورموش توفي بعد 55 يوماً من الإضراب عن الطعام حتى الموت في سجن دياربكر، هو ومجموعة من قيادات «الكردستاني»، وكان أعلن من قاعة المحكمة الإضراب عن الطعام في 14/7/1982.

7 – تشتين غونغور. كان مسؤول منظمة أوروبا. ويعتبر مؤسس تيّار المعارضة داخل الحزب. اغتيل في السويد في آذار (مارس) 1984، نتيجة انتقاداته لأوجلان وللاستبداد الذي بدأ يلاحظه داخل الحزب. ويمكن اعتباره تروتسكي «العمال الكردستاني».

8 – شاهين دونماز. اعتقل عام 1979، وأودع سجن دياربكر (جناح المنشقين عن الحزب) حيث انهار، وصار يعترف على رفاقه. أفرج عنه ضمن عفو عام أصدره الرئيس التركي الراحل توغورت أوزال عام 1990، استفاد منه الآلاف من عناصر وقيادات «الكردستاني» والمنشقين عنه، وقيادات الأحزاب الكردية الأخرى الذين اعتقلوا قبل وبعد انقلاب 12 أيلول (سبتمبر) 1980 في تركيا. اغتيل دونماز في إسطنبول بهجوم مسلّح عام 1990.

9 – يلضرم مارغيت. اعتقل على خلفية انقلاب 12 أيلول 1980، أودع سجن دياربكر، وانهار واعترف على رفاقه. بعد الإفراج عنه عام 1990، قام الحزب بتصفيته في أحد بلدان أوروبا الشرقية.

10 – جميلة مرغيت زوجة علي حيدر قيطان. تمت تصفيتها في معسكر سهل البقاع اللبناني عام 1982.

11 – مصطفى قره سو. اعتقل عام 1980 وأودع سجن دياربكر. حاول الهرب مراراً. أفرج عنه ضمن العفو الذي أصدره الرئيس التركي السابق أوزال. أعيد انتخابه عضواً في اللجنة المركزية. وهو في هذا المنصب منذ 1990. يشغل حالياً منصب مسؤول الإعلام في الحزب. وبحسب تصريحات منسوبة إلى شقيق عبدالله أوجلان، عثمان أوجلان، فإن قره سو، «يفتخر بعلويّته، وبأنه ينحدر من عائلة متديّنة» وهو مع دوران كاكان (تركي الأصل) يعتبران ذراعي جميل بايك في قيادة الحزب.

مع ما سلف ذكره، لا يمكن القول إن «العمال الكردستاني» كان حزباً طائفيّاً، في حقبة الثمانينات والتسعينات، كما يحلو للبعض وصفه الآن. ولكن، بعد الانزلاقات والارتدادات نحو الهويّات الفرعيّة والمناطقيّة والطائفيّة التي تشهدها المنطقة برمّتها، وقياساً إلى حضور وتأثير «العلويّة السياسيّة» في تركيا، لا يمكن عزل «الكردستاني» عن هذه الظاهرة أو تبرئته منها. فمهما اعتبر الحزب نفسه علمانيّاً، وفي مأمن عمّا يجري حوله من انزلاق نحو مستنقع الطائفيّة، فلا يمكنه إنكار الحضور العلوي في القيادة والجهاز الإداري الأمني والإعلامي والسياسي في كل تنظيمات الحزب، سابقاً وحاليّاً. وفي هذا السياق، يمكن القول إن العنصر النسائي العلوي، مسيطر تماماً على الجناح النسائي للحزب. والأمثلة أكثر من أن تحصى.

«الكردستاني» وكرد سورية

صحيح أن أوجلان انتقل إلى سورية عام 1979، ولاقى ترحيباً من قبل الأحزاب الكردية السوريّة، بخاصة بعد انقلاب 12 أيلول عام 1980. لكن «الكردستاني» بدأ تشكيل تنظيماته بين الكرد السوريين، عام 1983. ومذّاك وحتى هذه اللحظة، كانت الأولوية في القيادة هي لكرد تركيا. وأثناء فترة تواجد أوجلان في سورية (1979-1998)، كان مسؤول منظمة الجزيرة (الحسكة، والقامشلي والبلدات والقرى التابعة لهما)، مسؤول منظمة حلب (كوبابي، وعفرين، وأحياء حلب وريفها)، ومسؤول منظمة دمشق وريفها، التي كانت تتبع أوجلان مباشرةً.

منذ اعتقال أوجلان عام 1999 حتى 2001، انتشرت حال من الغضب والسخط الشديدين بين قواعد الجماهير الموالية لـ «الكردستاني» في سورية على الكوادر الكردية التركية، نتيجة حالات الفساد والتسيّب والعنجهية التي مارسوها بحق الكرد السوريين. تحت هذا الضغط والسخط، اضطر الحزب إلى تكليف الراحل رستم جودي (قتل عام 2011 نتيجة قصف جوي تركي!) بقيادة منظمة سورية ولبنان لحزب العمال. لكن النظام السوري رفض بشدّة. وأخبرت المخابرات السورية، جميل بايك (المسؤول عن الحزب حاليّاً) وبوطان (نظام الدين تاش، انشق عن الحزب عام 2005)، اللذين كانا موجودين في دمشق عام 2000-2001، أنه يستحيل القبول بأن يتولى كردي سوري قيادة منظمة الحزب في سورية.

خلاصة القول أن كل الذين يتصدرون الحزب اليوم في سورية (باهوز، شاهين، آلدار…، صالح مسلم) هم مجرّد واجهة. وهناك قيادي كردي تركي، هو الذي يصدر الأوامر للقيادات الكرديّة السوريّة التي من المفترض أنها تدير العمليّة العسكريّة والأمنيّة والسياسيّة في سورية. والكل داخل حزب «الاتحاد الديموقراطي» يعلم ذلك ولكن لا أحد يجرؤ على قول الحقيقة.

حتى نور الدين صوفي (كردي سوري، قائد النجاح العسكري للكردستاني)، هو أيضاً واجهة. والشخص الممسك بالملف العسكري ضمن «حزب العمال» منذ 1984 هو دوران كاكان – عباس (تركي الأصل، وأحد مؤسسي الحزب).

العلاقة بين كرد سورية و «العمال الكردستاني» تشبه علاقة مصر عبد الناصر مع سورية والسوريين إبان الوحدة بين البلدين عام 1958، حين كان بإمكان ضابط صف مصري إصدار الأوامر لجنرال سوري.

عن موقع جريدة الحياة