سؤال يُقلق أكراد سوريا: هل يتخلى الأميركيون عنا؟


 نوح بونسي

الباحث نوح بونسي، كبير محللي «مجموعة حل الأزمات الدولية» للشؤون السورية نوح بونسي زار شمال شرقي سوريا حيث وفرت «وحدات حماية الشعب» الكردية وحلفاؤها استقراراً نسبياً في المنطقة، رغم معرفتها بأن طريق التحديات لا تزال طويلة جدا أمامها، خصوصاً فيما يتعلق بالدعم الأميركي في المدى الطويل.

هنا تحقيق عن مشاهدات ولقاءات بونسي تنشره «الشرق الأوسط» بالتعاون مع «مجموعة حل الأزمات الدولية»:

يستقبلني عبد المنعم كالمعتاد لينقلني معه من مكتب الجمارك إلى الضفة السورية من نهر دجلة. وخلال رحلتنا إلى مدينة القامشلي، نمرّ إلى جانب تلة يعلوها مركز قيادة قصفته طائرات تركية قبل نحو خمسة أسابيع. يلتفت عبد المنعم من مقعد السائق ويسأل: «هل يُعقل فعلاً أن الأميركيين لم يكونوا يعرفون أن تلك الضربات الجوية قادمة؟».

الهجمات التركية قتلت 20 من «وحدات حماية الشعب»، التشكيل العسكري الكردي الذي يسيطر على جزء كبير من شمال سوريا. بالنسبة إلى عبد المنعم وعدد من الأكراد السوريين، تشكل هذه صدمة حقيقية. إذ رغم العلاقات التي تزداد عمقاً بين «وحدات حماية الشعب» والقوات الأميركية على الأرض، فإن الأخيرة لم تقم بردع الضربات التركية ولم تقدم تحذيرات كافية قبل وقت كافٍ لتتمكن «وحدات حماية الشعب» من إخلاء المباني المستهدفة.

وراء هذا التساؤل يكمن سؤال أعمق سمعته مرات لا حصر لها خلال زياراتي شمال سوريا: «هل ستتخلى الولايات المتحدة عن حلفائها الأكراد؟» ما من جواب مؤكد على هذا السؤال، وهو ما يذكّر بالهشاشة التي تخفيها جزئياً المكاسب المثيرة للإعجاب التي يحققها الأكراد ضد تنظيم داعش. تدخل «وحدات حماية الشعب» مرحلة جيوسياسية متفجرة، حيث يحيط بها الخصوم والأعداء من دون أن تكون لديها ضمانات من شركائها الأميركيين.

في هذه الزيارة والزيارات التي تلتها لأنقرة وواشنطن، كان جزءاً من مهمتي استكشاف وسائل لضمان أن التقدم الذي تحققه القوات التي يهيمن عليها الأكراد المدعومة أميركياً في شمال سوريا لا يشكل مجرد تمهيد لاندلاع جديد لصراع مهلك من الصراعات التي ميزت الحرب التي دخلت عامها السابع في سوريا.

* شمال سوريا – غرب كردستان

هذه زيارتي الخامسة إلى شمال سوريا خلال العامين الماضيين. وبدأت بشكل مألوف برحلة سريعة بعبّارة معدنية صغيرة نقلتني مع اثنين من عمال الإغاثة عبر نهر دجلة الموحل من إقليم كردستان العراق. كنت عشت في دمشق لفترتين منفصلتين قبل الحرب؛ واكتسبت أصدقاء مقربين، وتعلمت اللغة العربية، وما زلت أتحدثها بطلاقة إلى حد ما (بلهجة أميركية مضحكة). لكنني أعي أيضاً وضعي بوصفي أجنبيا في هذا البلد، خصوصاً عند الدخول والخروج منه، بالنظر إلى أن عبور الحدود يشكل امتيازاً لا يتمتع به الأشخاص الذين أتواصل معهم هنا. حتى وأنا أكتب هذه المقالة، فإني أحاذر من تصوير تجربة دخول منطقة حرب على أنها حكاية مثيرة، إذ ما من أحد حولي يتمتع بخيار الكتابة عن تجربته على أنها رحلة استكشافية. وهذا يفرض علي مسؤولية أتشاطرها مع جميع زملائي في «مجموعة حل الأزمات الدولية»: وهي التمثيل الصادق والاحترام للأصوات التي نسمعها في الأنحاء التي نغطيها من العالم. ولا يتمثل الامتياز الذي أتمتع به بمجرد عبور الحدود جسدياً، بل بالوصول إلى جمهور من القراء لا يستطيع الأشخاص الذين أتحدث معهم الوصول إليه.

يفتش عنصران أمنيان كرديان حقائبي عندما نصل إلى الضفة السورية من النهر. أرمي حقيبتي بسيارة عبد المنعم، ونمضي بالسيارة لمسافة قصيرة إلى بناء جديد للجمارك حيث يتفقد موظف شاب جواز سفري وأوراقي. الإجراءات الرسمية والجو المحيط تحمل جميع السمات الشكلية لنقطة عبور للحدود في الشرق الأوسط، ولا ينقصها إلا شيء واحد: رموز دولة معترف بها دولياً.

ليست هناك أعلام حول المعبر الحدودي، كما أن الموظف يضع ختم المنطقة على ورقة منفصلة، وليس على جواز سفري. هناك تشكيلة كبيرة من الميليشيات والأحزاب والكيانات الإدارية التي تنشط على مسرح الشمال الشرقي لسوريا، وكثير منها يرتبط رسمياً بـ«الإدارة الذاتية الديمقراطية» التي تدير المناطق التي تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب»، لكن جميع خطوط السيطرة الفعلية في الأقاليم الثلاثة (الجزيرة، وعين العرب – كوباني، وعفرين) التي يتكون منها «النظام الاتحادي الديمقراطي لشمال سوريا» تمر من خلال كوادر تتمتع بخبرة سنوات في التنظيم المسلح الذي مضى على تأسيسه 40 عاماً في تركيا والذي تراوده طموحات قومية كردية عميقة، وهو حزب العمال الكردستاني.

إلا أن اسم حزب العمال الكردستاني نادراً ما يستخدم هنا. معظم الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، تضعه على قائمة المنظمات الإرهابية، بسبب حربه الطويلة والعنيفة مع الدولة التركية. الأكراد يسمون المنطقة التي يديرونها حالياً في شمال سوريا «روج آفا»، وهي التي تعني «الغرب» باللغة الكردية، أو الجزء الغربي من الأراضي التي يقطنها 30 مليون كردي والتي كانت مقسمة على مدى القرن الماضي، أو على مدى أكثر من قرن بين تركيا، وسوريا، والعراق، وإيران ودول مجاورة أخرى.

بعدما تم التحقق من أن أوراقنا سليمة، أصبحنا أنا وعبد المنعم أحراراً في أن نتحرك كيفما شئنا. أمامنا أولاً الرحلة الطويلة والحارة بالسيارة إلى مدينة القامشلي، عبر حقول النفط ومروراً بجانب آبار النفط التي ركبت عليها أجهزة ضخ أشبه برؤوس الحمير التي تحرك رؤوسها صعوداً وهبوطاً والتي كانت توفر الدخل لحكومة دمشق. لا تزال الأذرع الحديدية الكبيرة تتحرك صعوداً وهبوطاً لتضخ النفط في شبكة من أجهزة تكرير النفط محلية الصنع تنتج نوعاً غير نقي من المازوت يحدث خراباً مستمراً بمحركات الشاحنات وغيرها في سائر أنحاء شمال سوريا.

يأخذنا الطريق بجوار الحدود مع تركيا، التي تبدو قريبة جداً لكن بعيدة جداً في الوقت نفسه. منذ تدفق ثلاثة ملايين لاجئ سوري عبر الحدود خلال السنوات الخمس الماضية. فإن الحدود باتت اليوم مغلقة بإحكام إلى حد ما. أرى أبنية سكنية جديدة على مسافة أبعد من أبراج المراقبة الحدودية، وأربط هاتفي المحمول بالإشارات الهاتفية التركية، لكن وحدهم المهربين العتاة يخاطرون بمحاولة اجتياز جدران الأسلاك الشائكة أو تسلق الأجزاء الجديدة من الجدران الإسمنتية.

* هدوء في القامشلي

لكن نادراً ما أسمع أصوات الحرب، حتى في المناطق التي استعيدت مؤخراً من تنظيم داعش. الحقيقة هي أن هذه المناطق يسودها شعور عام بدرجة كبيرة من الأمان، على الأقل بالنسبة لزائر أجنبي. المشاعر أكثر حدة بالطبع في المناطق التي حررت حديثاً، حيث لا تزال الكتابات الجدارية القديمة لتنظيم داعش تغطي بعض الجدران، وحيث لا تزال الثقة بين السكان وحكامهم الجدد محدودة. كما حدثت بعض التفجيرات بين الحين والآخر في القامشلي ومناطق أخرى تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب»، إلا أن التفجيرات هذه أصبحت أقل عددا وتكراراً، على الأقل خلال العام الماضي.

نصل إلى القامشلي مع بداية فترة ما بعد الظهر. أجتمع بصديقي وزميلي يازر عثمان، ونمضي إلى سوق المدينة لشراء طعام الإفطار، حيث يتم كسر الصيام عند غروب الشمس في شهر رمضان. أيام يونيو (حزيران) الطويلة هذه حارة جداّ، لكن يازر يلاحظ أن طقوس رمضان أوضح مما كانت في السنوات الأخيرة؛ حيث إن عدداً أكبر من سكان المدينة يبدون صائمين، ربما جزئياً بسبب الشعور السائد بأن الوضع الأمني قد تحسن.

لكن في حين أن الاستقرار يتعزز في جزء كبير من المناطق التي تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب»، فإن هامش المنافسة السياسية لم يتسع. نتعمد أنا وزملائي في «مجموعة الأزمات» بشكل عام الاجتماع بشخصيات معارضة خلال زياراتنا، وكثير منهم مرتبطون بالخصم العراقي لـ«حزب العمال الكردستاني»، وهو «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي. لكن عند وصولنا إلى القامشلي، أعلم أن معظم الشخصيات التي التقيتها في زيارات سابقة إما اعتقلت أو غادرت البلاد خوفاً من الاعتقال. «الإدارة الذاتية الديمقراطية» لـ«وحدات حماية الشعب» تبرر هذه الإجراءات بالإشارة إلى رفض المعارضة تسجيل نفسها لدى الإدارة بصفتها أحزابا سياسية.

خصوم «وحدات حماية الشعب» يرفضون التسجيل لأنهم لا يعترفون بسلطة الإدارة الذاتية ولا يرغبون في إسباغ الشرعية على الهيمنة الأحادية لـ«وحدات حماية الشعب». تحظى هذه الأحزاب ببعض التأييد الشعبي في المجتمع الكردي، لكنها لا تمتلك الوسائل التي تمكنها من مواجهة السيطرة العسكرية والسياسية الراهنة لوحدات حماية الشعب. في الواقع فإن بعض مسؤولي «وحدات حماية الشعب» الذين التقيهم يشتكون من أن اعتقال شخصيات المعارضة تحدث أثراً عكسياً، ويقولون إنها تستهدف أشخاصاً لا يشكلون تهديداً ملموساً، بينما تغذي هذه الاعتقالات الانتقادات المحلية والدولية التي تشير إلى أساليب استبدادية.

«وحدات حماية الشعب» ليست وحدها بالطبع؛ إذ إن لديها ترتيبات مع نظام دمشق يسمح بموجبه لقوات الرئيس بشار الأسد بوجود رمزي في بضعة كتل في مركز المدينة. أستطيع أن أنتقل مشياً على الأقدام أو بالسيارة في مناطق تقع تقنياً تحت سيطرة النظام، وأن أنظر إلى صور الأسد وأن أمرّ بجانب طواقم عسكرية تابعة للنظام. لكن هناك بضعة أماكن يفرض عليها نظام الأسد سيطرة محكمة، مثل مطار القامشلي، الذي لا أذهب إليه. لا تزال الطائرات تطير ذهاباً وإياباً من وإلى دمشق ويُفهم على نطاق واسع بأن ثمة وجوداً لعناصر روسية وإيرانية هناك. في الوقت نفسه، فإن بضع قواعد صغيرة في المناطق التي تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب» تستضيف بضع مئات من الطواقم العسكرية الأميركية الموجودة حالياً في الشمال، التي يصعب علي الاقتراب منها أيضاً.

في الوقت الراهن، يميل ميزان القوى في المسائل اليومية وفي المناطق المدنية بقوة لصالح «وحدات حماية الشعب»، وليس لصالح النظام. وثمة اعتقالات، بل حتى صدامات تحدث بين الحين والآخر في تجاذب مستمر بين هذين الطرفين المتنافسين. عليهما أن يتعاملا مع بعضهما، لكنهما لا يحبان بعضهما بالضرورة.

مع اقتراب موعد الإفطار، يقدم لي يازر إحاطة حول التطورات المحلية الأخيرة، كما نناقش الاجتماعات التي يمكن أن نعقدها والزيارات التي يمكن أن نقوم بها خلال الأيام القادمة. عندما تغرب الشمس، نجتمع مع أسرته على وجبة زاخرة بالطعام والأحاديث.

أحد الموضوعات المحورية للنقاش هنا يدور حول من لا يزال موجوداً ومن غادر. يشعر الناس بأن شرائح واسعة جداً من مجتمعاتهم وعددا كبيرا من جيرانهم غادروا المنطقة بشكل عام بسبب حالة عدم الاستقرار التي أحدثتها الحرب، والصعوبات الاقتصادية التي تلتها، والتجنيد الإجباري. النظام يريد الآن جميع الذكور حتى سن الثانية والأربعين؛ ويتخوف الرجال من أنهم إذا مضوا بعيداً في عمق الجيوب التي يسيطر عليها النظام فإنه سيتم احتجازهم وإرسالهم إلى إحدى الجبهات البعيدة. الأمر الأكثر أهمية هو أن هناك عملية تجنيد إجباري تديرها وحدات حماية الشعب وتستهدف الذكور بين سن الثامنة عشرة والثلاثين من العمر، وهو ما زاد في أعداد المنتسبين إلى وحدات حماية الشعب والقوى التابعة لها، لكنه أيضاً دفع الشباب باتجاه تركيا وأوروبا. من ناحية أخرى، هناك عدد كبير من السكان الجدد الذين وصلوا من أجزاء من البلاد أقل استقراراً من هذه المنطقة.

* «الإدارة الذاتية الديمقراطية»

نبدأ أنا ويازر اليوم التالي بزيارة إلى صديقنا أحمد سليمان، وهو قيادي في «الحزب التقدمي الكردي». يسعى إلى سلوك طريق وسطي بين «وحدات حماية الشعب» (وذراعها السياسية حزب الاتحاد الديمقراطي) من ناحية، ومنافسيها من ناحية أخرى. نناقش المحاولة الروسية الأخيرة لإطلاق حوار ما بين دمشق و«حزب الاتحاد الديمقراطي» وأحزاب كردية أخرى، التي لم تأت بنتيجة ملموسة حتى الآن. ونتطرق في حديثنا إلى إحدى الأسئلة المركزية في الحرب السورية حول مدى قدرة روسيا واستعدادها للضغط على نظام الأسد نحو تنازلات ذات معنى. حتى الآن على الأقل، يبدو ذلك المدى قصيرا.

ذلك المساء نذهب بسيارة نحو ساعة غربا إلى مدينة عامودا لنجتمع بمسؤولين محليين رفيعين. أحدهما مسؤول العلاقات الخارجية، والثاني هو أحد الذين يلعبون دوراً قوياً خلف الكواليس. من الصعب أن يكون المرء دقيقاً فيما يتعلق بالأسماء والمناصب بسبب تنوع واختلاف الواجهات السياسية والأسماء المختصرة التي يستخدمها الأشخاص المرتبطون بـ«حزب العمال الكردستاني» والمنظمات التابعة له في المنطقة. يكفي القول إن السلطة المدنية في المناطق التي تسيطر عليها و«وحدات حماية الشعب» تسمي «الإدارة الذاتية الديمقراطية»، و«وحدات حماية الشعب» الذراع العسكرية؛ أما الذراع السياسية فيسمى «حزب الاتحاد الديمقراطي». لقد طلب الرجلان الاجتماع بي لمناقشة تقارير مجموعة الأزمات التي تستند إلى العمل الميداني الذي قمت به أنا وزملائي في «مجموعة الأزمات» في زيارات سابقة، ووضحا لنا أن علي أن ألتقي بهما قبل الذهاب إلى أي منطقة أبعد من عامودا.

الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لهم هو أنهم يريدون تفنيد ما نقوله عن ارتباطهم بـ«حزب العمال الكردستاني». إنهم يقرّون بأنهم ملتزمون بالفكر العلماني المستلهم من الماركسية لزعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان، الذي يقبع في السجن في تركيا منذ عام 1999. وبتعليماته فيما يتعلق بالحكم المحلي. وبالفعل، فإن صور أوجلان موجودة في كل مكان في شمال شرقي سوريا – على جوانب الطرقات، وفي ساحات المدن والبلدات، وفي مكاتب بعض مسؤولي «الإدارة الذاتية» و«وحدات حماية الشعب».

يصر الرجلان على أن الهيكليات السياسية والعسكرية في شمال سوريا «منظمات منفصلة تماماً» عن «حزب العمال الكردستاني»، وهي مقولة تعكس الخط الرسمي. يضيفون فوارق وتفاصيل دقيقة قائلين إننا في «مجموعة الأزمات» نركز أكثر مما ينبغي على العلاقة مع «حزب العمال الكردستاني» بالمقارنة مع المسائل الأخرى، مثل النواحي الإيجابية لإدارتهم. ويبدون قلقهم من أننا نسهّل على تركيا تبرير مهاجمتهم، كما فعلت في ضربات جوية شرسة قبل زيارتي ببضعة أسابيع. أشير إلى أن إنكار الربط بـ«حزب العمال» ليس مقنعاً، وكي يتمتعوا بالمصداقية، سيتحتم عليهم فعل المزيد لتعزيز الطبيعة المحلية لإجراءات الإدارة والأمن في المناطق التي يسيطرون عليها. وألاحظ أن كانتوناتهم (أقاليم) في شمال شرقي سوريا تتوسع بينما القوى المحيطة بهم ضعيفة، والولايات المتحدة بحاجتهم في الحرب ضد تنظيم داعش. إلا أن هذه الظروف ستتغير في النهاية. ولحماية ما حققوه حتى الآن، أقترح أنهم بحاجة لأن يكون لهم هوية متمايزة ومنفصلة كي يحصلوا على ضمانات أمنية خارجية، سواء من الولايات المتحدة أو في تفاهم مع تركيا، أو كلا الأمرين معاً.

تتكون المقابلات الميدانية من خليط من الإصغاء، والتعلم، والشرح والبحث. والتعرف على مثل هؤلاء المسؤولين بشكل جيد يشكل جزءاً مهماً من هذه العملية. أعرف أحد هؤلاء المسؤولين من قبل، وهذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها المسؤول الآخر. أشرح كيف ننظر في «مجموعة الأزمات» إلى التحديات الأوسع للصراع، التي يواجهونها محلياً، فيما يتعلق بتركيا، وفيما يتعلق بالموقف المعقد للولايات المتحدة حيالهم. في البداية تكون المحادثة متوترة، لكنها تصبح أكثر دفئاً مع تقدم الأمسية. أخبرهما بالأفكار المعمقة التي حصلت عليها من زياراتي لمقابلة مسؤولين في أنقرة وواشنطن، وهي أماكن لا يستطيعون الذهاب إليها. كلما تمكنا أنا والأشخاص الذين أتحدث إليهم من التعلم أكثر من بعضنا بعضاً، تمكنا من بناء علاقاتنا، وأصبحت تلك التجربة والدروس المستقاة منها أكثر أهمية.

النتيجة هي نهاية ودية؛ حيث إنهم متأكدون من أنني أفهم مخاوفهم وشواغلهم، ويبلغونني بأني أستطيع التنقل حيثما شئت. إلا أن هذه نعمة ونقمة في الوقت نفسه؛ حيث يريدون مني أن أصطحب مرافقاً خلال زياراتي للبلدات ذات الأغلبية العربية في الغرب: تل أبيض، ومنبج وعين عيسى (نحو 50 كلم شمال الرقة). وهذا، نظرياً على الأقل، من أجل المحافظة على أمني وسلامتي؛ لكن يبدو أنهم ينوون التحقق من أن ما يقال لي ينسجم مع ما نكتبه في تقاريرنا. هذا الترتيب ليس مثالياً، لكنه مقبول في ظل الظروف السائدة. في الأيام التالية لا أشعر بأن أحداً يراقبني على نحو لصيق أكثر مما ينبغي.

* في الطريق إلى منبج

في اليوم التالي أستيقظ مبكراً، وأتصل بالمرافق وأتوجه إلى منبج، وهي الحافة الأكثر بُعداً إلى الغرب في المناطق التي تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب». أحد امتدادات «الوحدات» هو تحالف يسمى «قوات سوريا الديمقراطية» – التي تضم عناصر عربية – وقد استولى تحالف «قوات سوريا الديمقراطية» على منبج في أغسطس (آب) 2016، إنها رحلة نتّجه فيها غرباً في جو حار تدوم خمس ساعات.

الطريق مزدحمة، حيث أصبح حالياً جزءاً من طريق برية جديدة إلى حلب، ودمشق ومناطق أخرى واقعة تحت سيطرة النظام. ويأمل سكان شمال سوريا في أن يؤدي فتح طريق التجارة هذا إلى خفض في الأسعار وزيادة في البضائع المتوفرة في الأسواق والدكاكين المحلية، حيث لم يعد تنظيم داعش يسيطر على الجزء الذي يصل المناطق التي تسيطر عليها «الوحدات» بالجزء الذي يسيطر عليه النظام. كما أنني أرى أعداداً كبيرة من النازحين على الطريق، متوجهين إلى الشمال الغربي هرباً من الحملة المتصاعدة التي تدعمها الولايات المتحدة للسيطرة على الرقة.

للوصول إلى منبج، علي أن أعبر نهر الفرات. المياه زرقاء صافية، على عكس مياه دجلة الموحلة التي يشكل لونها خليطاً بين الأبيض والبني. يقفز الناس في النهر ويسبحون. وفي الوقت نفسه، ومع اقترابنا من الجسر، نمرّ بجانب العشرات من السيارات ومئات الأشخاص المصطفين بانتظار العبور من خلال نقطة تفتيش «الوحدات». إنهم يهربون من القتال الذي اندلع مؤخراً، الشمس مستمرة في رمي أشعتها المحرقة، وهم في شهر رمضان، ولا يعرفون أين سينامون الليلة. تقيّد «الوحدات» حركة النازحين كجزء من جهد أمني قوي ومتماسك، مبالغ به أحياناً، لمنع تسرب تنظيم داعش إلى المناطق الخاضعة لسيطرة «الوحدات». معظم أولئك الذين يحاولون عبور النهر خضعوا على الأرجح لدراسة أولية لخلفياتهم. رغم ذلك، كي يسمح لك بدخول منبج فإن ذلك يتطلب بشكل عام أن يكون هناك شخص يضمنك.

مع دخولنا إلى منبج، نشعر أن المدينة ممتلئة نسبياً، حتى في منتصف النهار في رمضان. وهذا أكثر إثارة للاهتمام لأن منبج كانت أشد المعارك شراسة حتى الآن في الحملة ضد تنظيم داعش في سوريا. استمرت المعركة لفترة أطول مما كان متوقعاً بأسابيع ولا تزال المدينة تحتوي على كثير من آثارها، بجدرانها المليئة بالفجوات التي أحدثها القصف ومبانيها المدمرة. الآن تحقق «الوحدات» وحلفاؤها المحليون قدراً مثيراً للإعجاب من الأمن، بالنظر إلى الظروف المحيطة. ولا تزال المدينة تعمل كمدينة. وقد أجرت «الوحدات»، بتشجيع من الولايات المتحدة، بعض التعديلات الصغيرة ولكنها مهمة على طريقة حكمها هنا. ألاحظ ذلك حالما تطأ قدماي المدينة. لا أرى صور أوجلان، ولا أرى أعلام «الوحدات»، فالعلم الوحيد المرفوع هو علم المجلس العسكري المحلي. التقي الشباب الذين تم تجنيدهم في قوات الأمن. الاستقرار النسبي يدفع الناس للبقاء، وأيضاً يدفع آخرين إلى العودة، ويجتذب كثيرا من النازحين.

منبج مدينة ذات أغلبية عربية، وهي متنوعة بشكل كبير؛ كما أن المجلس المدني المكلف بإدارة المدينة متنوع أيضاً. أحد كبار شخصياته عربي، وهو ناشط مناهض للنظام منذ الأيام الأولى للانتفاضة هناك. كما أن هناك أكراداً في المجلس وأشخاصاً من مكونات أخرى. نتحدث عما حققوه في منبج وعن التحديات الكامنة في المستقبل؛ ومن بين أشياء أخرى، أحاول أن أفهم كيف يديرون الأمور فعلياً، ومدى المسؤولية التي فوضت لأعضاء المجلس المحلي من قبل الكوادر المدربة على يد حزب العمال الكردستاني، الذين يبقون العمود الفقري للحكم في المناطق المسيطرة عليها من قبل وحدات حماية الشعب.

* عدم ارتياح في تل أبيض

بعد بضع ساعات في منبج نعود أدراجنا إلى الشمال الشرقي متوجهين إلى تل أبيض، وهي مدينة ذات أغلبية عربية على الحدود التركية تمت استعادتها من تنظيم داعش» في يونيو 2015. يبدو السكان هنا أقل ارتياحاً لحكامهم في «الوحدات». أرى أعلام «الوحدات»، وأرى صورة لأوجلان في إحدى ساحات البلدة. بصفتي زائرا أجنبيا، أشعر إلى حد ما وكأن البلدة محتلة. العقد الاجتماعي ليس ظاهراً، لكنه واضح؛ فمقابل الانصياع في المسائل المدنية، فإن وحدات حماية الشعب تحقق الأمن، وتقدم الخدمات واحتياجات الحياة الأساسية. في هذه الزيارة، كما في زيارة سابقة في مارس (آذار)، لدي بعض الوقت لأتحقق مما أسمعه في المكاتب، وذلك بالتحدث إلى السكان المحليين. يبدو أن الناس يقدرون الاستقرار، وهو جيد بالمعايير السورية الراهنة. الوضع الاقتصادي صعب، لكن يمكن أن يكون أسوأ. هناك أغذية في الأسواق، وهناك مقدار أكثر بقليل من الكهرباء مما هو الحال في القامشلي، لأن المدينة أقرب إلى السد المائي الكهربائي الكبير المقام على نهر الفرات.

أتيت بشكل رئيسي للاجتماع بمسؤول محلي مقرب من قيادة «الوحدات» وينسق الجهود لبناء مجالس مدنية في المناطق المحررة من «داعش» وقد كان الذي يقوم بالتنسيق لتشكيل مجلس تل أبيض، والمجلس المدني في منبج والآن يفعل الشيء نفسه بالنسبة للرقة. في هذه الزيارة يسمح لي بقضاء اليوم معه وإن أنضم إلى المحادثات التي يجريها خلال عمله في بناء هذه الإدارات الجديدة. أحاول أن أؤكد له أن اللمسة الأخف في منبج تشكل خطوة بالاتجاه الصحيح، وأن أجادل بأن عليهم في الرقة أن يمضوا أبعد مما مضوا حتى الآن.

* الأميركيون

بعد ليلتين في تل أبيض أتوجه إلى عين عيسى، وهي بلدة في منتصف الطريق تقريباً إلى مدينة. عين عيسى تحررت من تنظيم داعش عام 2015 وأصبحت مؤقتاً الآن مقر المجلس المدني الجديد في الرقة. أقضي يوماً في اجتماعات مع كثير من أعضاء ذلك المجلس، لأعرف مخاوفهم وشواغلهم. أسألهم: ما التحديات التي تواجهونها، مرتبة حسب أولويتها؟ ما الذي تبحثون عنه من حيث الدعم الخارجي؟ ما شعوركم حيال علاقتكم مع كوادر وحدات حماية الشعب، هل يمنحونكم مساحة كافية؟

يضم المجلس أشخاصاً من طيف واسع من شرائح مجتمع الرقة والريف المحيط بها. يقر الجميع بأنه عينة لا تمثل جميع شرائح السكان بشكل كافٍ، إلا أنهم يعدون لإدارة المدينة ويخططون لتوسيع المجلس حالما تتم السيطرة عليها بشكل كامل. من المذهل مراقبتهم وهم يستعدون لذلك.

الولايات المتحدة تدعم الحملة للسيطرة على الرقة، وهي ضالعة على نحو متزايد في جميع هذه العمليات. في عين عيسى، أصادف طواقم أميركية تنسق مع المجلس الجديد، لكننا لا نتحدث مع بعض شخصياً. في الوقت الذي يسهل علي الاجتماع بمسؤولين أميركيين في واشنطن، فإنني لا أفعل ذلك حتى الآن داخل سوريا. غير أن ثمة مؤشرات على وجود أميركي في أماكن مختلفة من شمال سوريا، فالطواقم العسكرية الأميركية اعتادت الظهور بشكل علني جداً في قواعد «الوحدات» وغيرها من المناطق الحساسة إذا اعتقدت أن ثمة خطراً في أن تركيا تحضر لهجوم. وبقيامهم بذلك، فإنهم يلعبون دوراً غامضاً لكنه فعال حتى الآن في موقع يتراوح بين أن يكونوا مراقبين أو دروعاً بشرية.

إن لعلاقتهم بحليف قوي كهذا آثارا سلبية بالطبع؛ حيث يمكن للأميركيين أن يغادروا. السؤال المتكرر الذي أسمعه من مسؤولي «الوحدات» وغيرهم من الأكراد السوريين يتلخص في: «هل سيتخلى عنا الأميركيون؟»

* نهاية الزيارة في القامشلي

أعود إلى القامشلي في الوقت المناسب لمشاهدة المباراة النهائية لدوري الأبطال. نناقش أنا ويازر الأوضاع في منبج ونحن نشاهد نادي يوفنتوس الإيطالي ينهار؛ وتبقى الكهرباء حتى نهاية مراسم الاحتفال بانتصار ريال مدريد، ما أزعج كثيراً العدد الكبير من مشجعي برشلونة في الحي.

في الصباح التالي نذهب معاً للقاء مسؤول رفيع، وهو أحد الكوادر السورية من ذوي الخلفية في العمل مع «حزب العمال الكردستاني». يلامس حديثنا مشكلة رئيسية لـ«حزب العمال» و«الوحدات»، وهي أن نشاط الحزب والنطاق الكامل لأهدافه داخل الأراضي التركية يشكلان تهديداً لما بنته «الوحدات» في سوريا. وذلك لأن أنقرة، بجيشها القوي، لن تقبل بحكم «الوحدات» التي تهيمن عليها الكوادر التي دربها «حزب العمال» في سوريا طالما يستمر تمرد الحزب في تركيا. ربما تتحمل تركيا جزءاً كبيراً من المسؤولية عن استمرار التمرد، لكن ثمة مخاطرة كبيرة جداً في أن تسمح «الوحدات» في سوريا بارتباط أمنها بعيد المدى بأجندة الحزب في تركيا.

في هذه الزيارة الخامسة وزيارتي التي قمت بها مؤخراً مع زملاء آخرين في «مجموعة الأزمات» في مارس، سمعت أن المزيد من العصف الفكري يجري بين مسؤولي «الوحدات» حول الحاجة للتفكير في تسويات قد تكون ضرورية، وأكثر تحديداً للمصلحة المثلى لـ«الوحدات» في السياق السوري مما سمعته في زيارات سابقة.

عن موقع صحيفة الشرق الأوسط