عفرين بين نار العدوان وتخبط كوردها .. العسكر والساسة

 إ,وليد حاج عبد القادر

لم يعد زمننا قادراً على إخفاء الحقائق بوقائعها التي باتت تفصح عن مكنوناتها أمام التطور المذهل لوسائل التواصل والكم الهائل من المعلومات التي توفرها في استهداف صريح لصناعة الرأي العام الصائب والمجدي للتوجهات المطلوبة، ولكنها، في نفس الوقت، تكشف وبسرهة أوهام ضجيج “غوبلز” وسياقات “الصحاف” في نفخ ممنهج بلا واقعية ومصداقية المعلومات وتواترها لتخلق – تلك الوقائع المبالغ بها ردات فعل – أقلها – قد تكون ليست صادمة فقط بل تدفع إلى الجنون !.

هنا، وكمثال، نعيب على المجلس الوطني الكوردي المؤطر ضمن الائتلاف السوري المعارض والبيان الذي تم إصداره وإن كانت كلمات صفت في أسطر ولكنها غلطة سياسية قاتلة، وفي عين الوقت، وباسم المقاومة نتجاهل أخطاءً كلفتنا دماء المئات من شبابنا اعتلوا سدرة الشهادة ؟.

وهنا سؤالي، وأعلم أن كثيرين سيتقمصونها / للمقاومة / ليتهربوا إما رعباً من تقية أو رهاباً لموالاة، وآخرون ومن جديد احتماءً بتلك التقية / إضعاف ووهن المعنويات /، أبهذه البساطة تسربت في الأوصال طريقة خداع / أنوشكا وكاتيوشا / في مفاصل عفرين العصية؟، وهل غابت القراءة السياسية والعملياتية لمجمل آليات وغايات الصراع، وكذلك آفاق الخرائط بألوانها ومسميات دولها ذات هدف في مناطق النفوذ داخل خارطة سوريا سايكس بيكو؟!، أم أن غاية قادة هذا التوجه انحصرت في ثلاثة أهداف رئيسة أولها تطويع البنية الكوردية وتعليبها، وهي القاعدة التي تتوضح معالمها وتنكشف وكنوع من الجزية الضمنية التي ما زالت يستفيد منها ليس نظام الأسد وحده، بل كل الأنظمة الغاصبة لكوردستان.

والهدف الثاني هو التضخيم الذاتوي ولكن في فضاء البروباغندا، هذه الآفة التي استساغوها منذ لحظة تخليهم عن مسمى وحدات الحماية الكوردية إلى الشعبية والخروج من الحاضنة الأساسية، ولتترافق تعمقاً في الهدف الثالث مغالاة فظيعة في التطبيق العملي والشعاراتي لمبادئ حزب العمال الكوردستاني، وبالتحديد، وفي هذا الهدف وعلى أساسه، تمت منهجة تنفيذ شعار “إما معنا أو خائن وعميل”، والعمالة هذه بحد ذاتها ربطت بالدولة التركية مع الاحتفاظ وبطاقة ما فوق ميدانية وبتبريرية للعلاقات أو حتى التواصل ليست مع تركيا وحدها، بل مع كل الدول الغاصبة لكوردستان!.

أمور كثيرة تراكمت وقيادات الصف الأول لهم في سوريا كانوا حينما يحاصرون بأسئلة محرجة على شاكلة ما يحدث عملياً وعلى الأرض إن في آفاق المستقبل مع أمريكا والنظام وروسيا، ورغم ضبابية الأجوبة إلا أن التخوف من المستقبل كان يتسرب من خلال أحاديثهم ولدينا العشرات من التصاريح على لسان كبار قادتهم ومنظريهم حول ذلك، ولكنهم كانوا يعكسونها شعبوياً بأنه لا أمريكا ولا روسيا ولا كل اللاعبين يستطيعون تخطيهم فهم القوة الأبرز على الساحة، وأمريكا هي التي تحتاجهم لا هم من يحتاجونها ولم يحاولوا البتة فهم أو ربما لم يكن لديهم الوقت لإضاعة ثانية في قراءة المستقبل والذي ساهم كثيرون في إثارة وضرورة التنبيه لها من خلال عمليات القصقصة والتهجير وتسليم المناطق في الساحة السورية، وباتوا أسرى تطمينات ماكورك النظرية وليأتيهم رد تيلرسون العملي / اليوم / بتفهم أمريكا لمخاوف تركيا وشرعنة حربها المجنونة ضد شعبنا الآمن في عفرين!.

هذه الأمور ذكرها الزعيم الكوردستاني مسعود بارزاني في لقاء جمعنا به أواخر سنة 2017 حينما أبدى مخاوفه الحقيقية وتحسره للبطولات الرائعة لوحدات الحماية والتضحيات الكبيرة التي يقدمونها وسط غياب فعلي لأي مشروع أو ضمانات من القوى الفاعلة لأي حق من حقوق الشعب الكوردي وطبيعي استطاعت القوة المتنفذة هنا أن تغلفها بمفاهيمها الفضفاضة / الأمة الديمقراطية / ومن جديد لاستخدامها سيفا في وجه التوجه القومي.

وباختصار شديد: إذا كان القائد العام لوحدات الحماية لا يستدرك المواقف العسكرية وليس لديه إمكانية حتى مجرد التوقع لأخذ الحيطة وقيادة سياسية على الأرض وغير تنفيذية أي متلقية للأوامر وجل وقتها مصروف على منهجة قمع المعارضين لها واعتقالهم أو طردهم أو زجهم في السجون، ويسعون الآن وفي تبريرية ساذجة القول إنهم خدعوا من قبل الروس، ونسيوا صمت أمريكا، بل وعدم اتعاظهم من سماحها / أمريكا / للطيران التركي بقصف قاعدة قره جوخ وهي على مرمى نظر قواتها في قاعدة رميلان.

وحتميٌ هنا، عندما تكون أي قيادة ميدانية متلقية، فستبقى في طور المنفذ لا الباحث عن الحلول العملية، وباختصار، ورغم كل هذا، فإن ما تحاوله هذه الجهة ومع كل ضغط أو حرج عسكري وسياسي عليها، فأفضل إبداعاتها هي أن تقوم بجلد المجلس الوطني الكوردي، والذي بدوره لم يرتق /بتصوري/ أيضاً إلى مستوى تجاوز المظلومية الكبيرة التي تمارسها سلطات هذه الإدارة بحق أحزابها، في حين أن الواجب القومي يفرض عليها أن تفهم البعد الحقيقي لغايات هذه الحروب التي لا تزال دولتا إيران وتركيا تشنانها ضد طموح شعب كوردستان وفي الأجزاء الأربعة.

وأمام هذه الوقائع والظرف المصيري لا لعفرين الباسلة وحدها بقدر ما هي لكوردستان وبأجزائها الأربعة، يتوجب على قيادة هذا الحزب إجراء مراجعة نقدية ذاتية وواسعة لمجمل علاقاتها، وأولها فتح صفحة جديدة مع المجلس الوطني الكوردي وكبادرة حسن نية إطلاق سراح معتقليها فوراً، والسماح بافتتاح مكاتبها وعودة المنفيين من قادتها والسعي المتبادل للعودة إلى صيغ التفاهمات البينية وخلق توافق شعبي/جماهيري كوردي، لأن الحرب على عفرين ليست ضد حزب معين وإن كانت هي عنوانها الأبرز، وحتى ظهور هكذا بادرة سيكون من المحتم على المجلس الوطني الكوردي أن يتخذ موقفاً أوضح أقله تجميد عضويته في الائتلاف بعد شرعنته للغزو التركي ومباركته له والسعي لتشكيل كتلة كوردية واحدة تستند على قاعدتها الشعبية في استذكار للمظاهرات العارمة التي منحتهم حق تمثيلها في آفاق الحل السياسي لسوريا المستقبل.

عن موقع مؤسسة رووداو الإعلامية