في صناعة العدو

 إ.سمير الزين

في كتابه «صنع العدو – كيف تقتل بضمير مرتاح؟» يتوقع الفرنسي بيار كونيسا أن يشكل «صنع العدو خلال العقود المقبلة قطاع إنتاج ضخم». فمنذ انتهاء الحرب الباردة، أربك غياب العدو (النمطي) السوفياتي الغرب، ومنذ ذلك الحين يحاول الغرب صناعة عدو يناسبه، من دون أن ينجح في ذلك. فـ «الدول المارقة» و «الحرب على الإرهاب» ليست بالمواصفات الملائمة التي شكلها الاتحاد السوفياتي السابق. واليوم، وبعد نحو ثلاثة عقود على انهيار جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة، ما زال الكلام البليغ الذي قاله ألكسندر أرباتوف المستشار الديبلوماسي لميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفياتي مخاطباً الغرب «سنقدم لكم أسوأ خدمة، سنحرمكم من العدو» يفعل فعله في تخبط الغرب في البحث عن عدو ملائم.
لا شك في أن الحرب هي الصانع الأكبر للتاريخ الوطني للدول، بصفتها حدثاً يدعو للفخر، وبصفتها عاملاً يوحّد الجميع ضد الخطر الخارجي. بذلك، تكون الحرب بين الدول ترخيصاً ممنوحاً شرعاً لقتل أناس لا نعرفهم حق المعرفة، بوصفنا أصحاب حق. ولأن العدو يشكل الصمغ الذي يوحد المجتمع، فهو يلبي حاجة اجتماعية، ويشكل جزءاً من متخيل جمعي خاص بكل جماعة (الوطنية، المحلية، الدينية، الطائفية، العرقية). ولأن العدو يقدم العديد من الخدمات للحياة الدولية، فكل دولة ستستمر في إنتاج عدو يناسبها. وتخترق عملية بناء العدو المجتمع بوصفها عملية اجتماعية وسياسية وثقافية، تساهم فيها النخب الثقافية بفاعلية كبيرة.
تكتمل صناعة العدو بتوظيف نظرية المؤامرة لإعطائه المزيد من المساحيق الجمالية، هذه النظرية التي باتت مؤسسة تجارية يعطيها الانترنت منبراً ذا بعد عالمي. إنها وباء مستوطن كبير شبيه بأوبئة عالم الحيوان، يولد في زاوية من الكوكب وينتشر بسرعة عبر الانترنت ويتحول إلى فيروس متحول، كما يقول كونيسا.
يتوقع كونيسا أن يترافق الطلب الكبير على إنتاج العدو مع تزايد الطلب على الحروب الأهلية التي تجعل المذبحة سلاح حرب، خلال السنين المقبلة، حيث تشكل القارة الأفريقية، وبلدان الشرق الأوسط العربي، وبلدان آسيا الوسطى سابقاً، ومناطق الحدود الجيوسياسية، مواقع هذه الحروب، وحيث تعمل كل جماعة على احتكار أمنها الخاص من خلال ميليشياتها الخاصة، فيما تشكل هذه المناطق خزانات لا تنضب لهذا النوع من الحروب.
وإذا كانت الحروب بين الدول ترخيصاً ممنوحاً شرعاً لقتل أناس لا نعرفهم، فإن الحروب الأهلية ترخيص لقتل أناس نعرفهم خير معرفة، حيث العدو حميم (الجار السابق، زميل المدرسة أو الجامعة السابق، الصديق السابق). ويصبح العنف سلسلة متصلة تبدأ في فترة السلام التي تسبق الحرب، وتشكل الحرب ذروة لها، وهي تستمر أحياناً بعد النزاع من خلال القمع الذي تمارسه الجهة المنتصرة.
لا يوجد خط للجبهة في الحروب الأهلية التي تشن من دون إعلان مسبق، فالجبهة تخترق المجتمع والنفوس والجغرافيا، ويتم دفع الهويات الجزئية والمناطقية والدينية إلى أقصى حالاتها الإلغائية العنيفة، حيث تصبح المجازر عبارة عن ردات فعل استباقية معممة ضد العدو الداخلي، الذي سيذبحني إذا لم أسبقه إلى ذلك.

عن موقع صحيفة الحياة