قرار ترمب الكبير بخصوص سوريا

 إ.ديفيد اغناتيوس
في الوقت الذي يزيد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من وتيرة حملته لتدمير المعاقل المتبقية لتنظيم داعش داخل سوريا، تواجه إدارة ترمب تساؤلاً خطيراً بخصوص المستقبل: هل ترغب حقاً في الإبقاء على بعض القوات الأميركية داخل البلاد للمعاونة على تحقيق الاستقرار في سوريا بعد هزيمة من يسمون أنفسهم بـ«الجهاديين»، أم أنها تفضل إعادة الجنود إلى أرض الوطن؟
في الواقع، يبدو هذا التساؤل شبيهاً على نحو غريب بالتساؤل الذي سبق أن واجهه الرئيس باراك أوباما في العراق عام 2011. والملاحظ أن الرئيس ترمب، مثل سلفه، أعرب عن تشككه إزاء جدوى تورط الولايات المتحدة في حروب دائمة داخل الشرق الأوسط، بيد أنه يدرك في الوقت ذاته أن سحب القوات الأميركية من القواعد القائمة شرق الفرات من الممكن أن يخلق فراغاً قد يثير مذابح عرقية وحروباً إقليمية بالوكالة وموجة جديدة من أعمال العنف.
من ناحية أخرى، يبدو المسؤولون العسكريون والمدنيون الذين كانوا الأقرب اطلاعاً على السياسة الأميركية تجاه سوريا على قناعة بأنه ينبغي للولايات المتحدة الإبقاء على قوات يسيرة هناك، ربما قرابة ألف من قوة العمليات الخاصة، بحيث تستمر في مهام التدريب وتقديم المشورة، والإبقاء كذلك على الميليشيا السورية الكردية التي مثلت الشريك المحوري لواشنطن في مواجهة «داعش» ومع هذا، يبقى هذا التحالف مع الأكراد مثيراً للجدل داخل سوريا وخارجها.
الملاحظ أن الخريطة السياسية لسوريا في الوقت الراهن تبدو أشبه بمزيج ضخم من عناصر صغيرة، حيث تخضع مساحات صغيرة كثيرة من البلاد لسيطرة جماعات متناحرة. من ناحية، تهيمن الولايات المتحدة وشركاؤها الأكراد على الجانب الشرقي من نهر الفرات، بينما يسيطر النظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون على مساحات واسعة من وسط البلاد، في الوقت الذي تسيطر فيه قوات مدعومة من تركيا على شريط على امتداد الحدود الشمالية للبلاد. أما الجنوب الغربي، فساده الهدوء بفضل اتفاق تهدئة برعاية أردنية – روسية.
الواضح أن عدداً قليلاً فقط من المحللين يتوقع إمكانية إعادة توحيد أرجاء سوريا تحت قيادة الرئيس بشار الأسد. وعليه، فإنه على امتداد المستقبل المنظور، ستنقسم البلاد إلى مناطق نفوذ – في انتظار عملية انتقال سياسي يمكنها إعادة إرساء شرعية وسلطة حكومة مركزية جديدة في دمشق.

أما الجزء الذي يخص واشنطن مباشرة من هذه الأحجية فهو المنطقة الواقعة شرق الفرات.
المعروف أن الميليشيا السورية الكردية المعروفة باسم وحدات حماية الشعب، والتي تتولى قوات نخبوية أميركية تقديم المشورة لها وتدعمها قوة جوية أميركية، اكتسحت هذه المنطقة على امتداد السنوات الثلاث الماضية، ومن المتوقع أن تتمكن في غضون ستة أسابيع من السيطرة على مدينة الرقة السورية. ومع تقدمهم، يدخل الأكراد في تحالف مع عرب سنة في ظل ائتلاف يعرف باسم القوات السورية الديمقراطية.
في المقابل، نجد أن هناك الكثير من الأصوات المنتقدة للتحالف العسكري الذي أثمر القوات السورية الديمقراطية. مثلاً، تخشى المعارضة السورية التي يهيمن عليها الشيعة من أن تكون لدى المقاتلين الأكراد رغبة في خلق دولة مستقلة، في الوقت الذي تنظر إليهم تركيا المجاورة باعتبارهم إرهابيين. إلا أن النجاحات الميدانية تخلق زخماً سياسياً خاصاً بها، ومع تقدم الولايات المتحدة والقوات السورية الديمقراطية، بدأت كثير من العناصر الأخرى في إبداء رغبتها في الانضمام إلى جانبهما. على سبيل المثال، تبدو جماعات معارضة سنية حالياً متلهفة للقتال إلى جانب القوات التي يقودها الأكراد، تحت قيادة أميركية شاملة.
من جانبه، أعرب رياض حجاب، رئيس ائتلاف المعارضة السورية المعروف باسم «اللجنة العليا للمفاوضات»، عن استعداده للتنسيق مع الأكراد. وقال خلال مقابلة أجريت معه مؤخراً إن أنصاره يرغبون في «قتال (داعش) وجماعات إرهابية أخرى، إلى جوار القوات السورية الديمقراطية، ما دمنا نقاتل على نحو مستقل وعلى جبهات منفصلة».
وادعى حجاب أن ما يصل إلى 5 آلاف مقاتل من قوات المعارضة السنية على استعداد للانضمام إلى الولايات المتحدة والقوات السورية الديمقراطية في مهمة تحرير دير الزور، المدينة الكبرى التالية في وادي الفرات، جنوب شرقي الرقة. ومن الواضح أن جماعات المعارضة السنية تفضل التحالف مع الأكراد عن نظام الأسد.
من ناحيتهم، يشعر مسؤولون أميركيون بالرضا إزاء رغبة حجاب وقيادات أخرى بالمعارضة في الانضمام إلى القتال الدائر داخل وادي الفرات. إلا أنهم يرون أن المجندين الجدد غير مستهدفين لخوض القتال الشديد، وأنه يكاد يكون في حكم المؤكد قدرة قوات النظام السوري البالغ قوامها 10 آلاف مقاتل والمرابطة بالفعل في المنطقة، على السيطرة على المدينة، بدعم روسي وإيراني. في المقابل، يثير الوجود الإيراني قلق بعض المسؤولين الأميركيين، لكنهم يقولون إن سيطرة النظام على دير الزور تبدو أمراً محتوماً.
من ناحية أخرى، أعرب قادة عسكريون أميركيون عن اعتقادهم بأن الجائزة الاستراتيجية الكبرى تقع إلى الجنوب. وتأمل القوات السورية الديمقراطية في أنه بمجرد تأمين الرقة، ستتقدم ومعها أية قوات عربية جاهزة نحو الجزء الأدنى من وادي الفرات، جنوب مدينة دير الزور. وتأمل الولايات المتحدة في أن تعاون القوات العراقية المرابطة على الجانب الآخر من الحدود في كبح جماح النفوذ الإيراني في المنطقة.
أما بالنسبة لما ستكون عليه الخطوة التالية، فإن هذا يعتمد على ما إذا كان المستشارون العسكريون الأميركيون سيبقون في شرق سوريا. إذا بقوا، فإن بمقدورهم كبح جماح الطموحات الكردية في الاستقلال وردع الأكراد عن التدخل وتشجيع المعارضة السنية على العمل مع جميع الأطراف، حسبما يرى مسؤولون أميركيون. من ناحيته، أكد حجاب أن الوجود الأميركي مستقبلاً «أمر ضروري».
أما إذا انسحبت القوات الأميركية مبكراً، فإننا سنعاود بذلك مشاهدة فيلم سبق أن شاهدناه بالفعل.

عن موقع جريدة الشرق الأوسط