كيف يصنع حزب العمال الكردستاني أمته في سوريا؟  


كيف يصنع حزب العمال الكردستاني أمته في سوريا؟ (3-1)… دراما القطيع
عبدو خليل

عبدو خليل
كاتب وباحث في الشأن السوري والكردي

مقدمة:

بعد اعتقال عبد الله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني عام 1999 اشتدت ضغوط الأمن السوري على أنصار الحزب. انتهى شهر العسل الذي دام قرابة العقدين، وتوج بتوقيع اتفاقية أضنة الشهيرة، الذي رمى لملاحقة الحزب في كل من سوريا وتركيا.

دفع هذا بالكثيرين لتغيير وجهة نظرهم عن الكردستاني. على الأقل كانت التوقعات بتخليه عن سلوكياته العنيفة تجاه الآخر المختلف، وأن يتبنى نهجاً مغايراً لما عرف عنه من تزمت وتسلط. رغم أنه لم يأت بأي منجز كردي، ولم يمتلك على الأرض مقومات السلطة بالمعنى المتعارف عليه. اذ كانت وما تزال سلطاته نابعة عن الرعب من أعمال التصفية والضرب بحق كل من ينتقده.

لم يمض الكثير من الوقت حتى اكتشف الكثيرون ممن تعاطفوا مع الكردستاني نتيجة ظروف تلك المرحلة- ما بعد اعتقال أوجلان- أن الحزب الأم قد عاد للواجهة من جديد في سوريا تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي PYD. وقد أبدى الحزب في السنوات الأولى من تشكله شيئاً من الليونة والمرونة مع محيطه السياسي السوري والكردي. لاحقاً تبين أنها لم تكن سوى مرحلة لضمان بقائه في مواجهة تبعات اتفاقية أضنة. اذ سرعان ما استعاد أدواته القمعية، ضرب وتصفية؛ ومع بدء المظاهرات السلمية في سوريا، ظهر سريعاً بشكل علني وصريح كقوة منظمة ومتحكم بها.

وبعكس ما يردده البعض حول ظهوره في منتصف 2012، كان الظهور الحقيقي في حلب يعود لمنتصف أذار 2011. يومها أخذت تنطلق المسيرات المؤيدة للكردستاني من شارع عشرين بحي الشيخ مقصود رافعة أعلام الحزب وصور قائده، وبحماية كاملة من مجموعات ملثمة ومسلحة بشكل خفي، كما تذيلت تلك المسيرات سيارات الأمن السوري. كانت الشعارات تقتصر على المطالبة بإطلاق سراح أوجلان مع أغاني حماسية عبر مكبرات صوت محمولة على سيارات ذات صناديق، قيل إن بداخلها مقاتلين قدموا من جبال قنديل. ثم تتوجه تلك المسيرات نحو حي الأشرفية لتصل إلى الدوار الأول، لتعود أدراجها مجدداً إلى شارع عشرين في حي الشيخ مقصود، معقل الكردستاني في حلب.

في تلك الفترة لم تأبه قوى المعارضة السورية السياسية والعسكرية، ومن خلفها الدول المساندة للحراك السوري “للغول” الذي كان يتضخم بسرعة. كانت المقولة الرائجة أن الكردستاني سينتهي مع سقوط النظام الذي يقوم بدعمه ويخلي له المواقع. حتى تركيا العدوة اللدودة للكردستاني لم تكن تتصور في يوم من الأيام كل هذا الصداع نتيجة تمكن الكردستاني من السيطرة على حدودها الطويلة مع سوريا. اذ كانت ترمي الخطة التركية إلى حشر مقاتلي الكردستاني في المحرقة السورية ليتم التخلص منهم، لكن الرياح جرت عكس التوقعات. فقد استطاع الكردستاني بفضل سياسة “تاجر الشنطة”(1)، أن يستفيد من لعبة محاربة الإرهاب ليقدم نفسه للعالم، كما النظام السوري، على أنه محارب عتيد يعتمد عليه في مواجهة الإرهاب الذي بات يقلق العالم.

اليوم عبثاً يسعى الكرد السوريون إلى محاولة إقناع الكردستاني لتوحيد الصفوف من أجل خدمة القضية الوطنية السورية العامة، المتمثلة في الحرية والكرامة والديمقراطية لارتباطها الوثيق مع جزئية عدالة قضيتهم القومية، لكن دونما جدوى تذكر. ذلك أن تحويل وجهة منظمة ميلشياوية باتجاه خدمة قضايا الشعوب أمر لم يسبق وأن حدث عبر التاريخ. فهكذا تنظيمات كما هو معروف، تعتاش بالأساس على الأزمات والقلاقل، كما تتنقل من منطقة لأخرى تبحث عن ساحات ومستنقعات الحروب والمعارك لتقتات عليها.

إذن ما الحل؟ هل المواجهة العسكرية مجدية؟ وهل استطاعت تركيا ثاني أكبر جيش في حلف الناتو من تقليم أظافر الكردستاني خلال صراع دخل عقده الرابع؟ وهل المهاترات والسجالات الصبيانية قد تودي لنتائج مرجوة مع منظومة تعتمد أصلاً على الدعاية المضادة والإشاعة والمراوغة سبيلاً لتحقيق أهدافها؟.

منطلق الحل الحقيقي لمشكلة الكردستاني المستعصية يكمن في إيجاد إرادة جدية لحل القضية الكردية في كل من سوريا وتركيا تحديداً. وللأمانة لا يمكن البدء بالحل مع وجود الكردستاني، نظراً لاحتكاره القضية، مصدر ارتزاقه. فالعلاقة متعدية بين الحل وبين كف يد الكردستاني. كما أن البداية الجادة في تفكيك الكردستاني تبدأ عبر عملية تشريح واسعة لوضع خارطة لمنظوماته المعلنة والخفية، عسكرياً وسياسياً واقتصاديا ومدنياً. هذا التفكيك يسهل الوصول إلى تجفيف المنابع التي يختبئ تحتها الكردستاني، متنكراً بأزياء ومسميات مختلفة يسعى من خلالها لعرقلة الحلول وفرملة النوايا الحسنة، وكذلك للهروب من قبضة القوانين الدولية التي تسعى للحد من تفشي المنظومات التي تعمل دون وازع أخلاقي. مثلاً لا يمكن محاربة ظاهرة تجنيد القصر من الفتية والفتيات لحشرهم في معارك الكردستاني دون معرفة شبكاته التي تعمل على رصد ومتابعة المشاكل الاجتماعية للاستفادة منها في الدفع باتجاه تجنيد المزيد من هؤلاء القصر. لابد من خلق منظمات بديلة ترعى هؤلاء وتقوم على توعيتهم، كما تعمل على إيجاد بدائل. بالإضافة لذلك، لا بد من فضح دوافع وأهداف تلك المنظمات المتخفية بلبوس اجتماعي أو مدني. الأمر ذاته ينطبق على الإعلام. ذلك أن إيجاد مؤسسات إعلامية كردية مهنية وذات مصداقية واستقصائية تستطيع مواجهة زيف وأكاذيب الكردستاني من شأنه أن يقوض هيمنته على الرأي العام الكردي والعالمي. دون ذلك كل الحلول تدخل في خدمة الكردستاني.

ولذلك ضمن سياق التفكيك لمنظومة العمال الكردستاني في سوريا، تأتي هذه الحلقات الثلاث، والتي اعتمدت في جزء كبير منها على التجربة الشخصية من خلال احتكاكي بالكردستاني في حلب وعفرين طيلة عقدين ونيف. مذ كنت طالباً في المرحلة الثانوية، حاولت قدر الإمكان أن اعتمد المثال، النموذج، لتوضيح الفكرة ولكشف المزيد من زوايا الرؤية حتى لا أغلق البحث على شخصنة المواضيع، ولترك الباب مفتوحاً أمام المزيد من المقارنات.

وأخيراً لا بد من الإشارة الى أن هذه الحلقات تطمح إلى ما هو أبعد من التوثيق والتأريخ. إلى التفتيش عن منمنمات صغيرة لا تنتمي إلى المتن بقدر كونها في الهامش، نتيجة أهميتها في بنية منظومة الكردستاني. تفاصيل اعتبرها البعض في مراحل معينة من المعيب تشخيصها أو الوقوف عليها. ترفع عنها المثقفون والساسة وتجاهلوها، لكنها بالنهاية تراكمت وبدت أنها جوهر المعضلة بالنسبة للعمال الكردستاني، وسر تحكمه بشريحة واسعة من الكرد.

لمحة عن نشوء جناح العمال الكردستاني السوري:

مع بدء جلسات المحاكمة والتحقيق مع عبد أوجلان، طلب الأخير من قادته حل الحزب والتوقف عن الكفاح المسلح ضمن صفقة سرية أبرمت مع بولاند أجاويد، الذي كان يقود الحكومة التركية وقتها، لقاء تخفيف الحكم عليه ووضعه تحت الإقامة الجبرية. وفعلاً تخلى الكردستاني عن اسمه ليشكل ما عرف بمؤتمر الشعب الذي تحول لاحقاً إلى مؤتمر الحرية والديمقراطية الكردستاني أو ما عرف اختصاراً KADEK . تتالت بعدها التغيرات، وتحول إلى اتحاد الجمعيات الكردستانية KKK، ثم رسي على منظومة المجتمع الكردستاني KCK (2). في هذه الفترة تخلى الكردستاني عن الماركسية كفلسفة ونهج ورمى خلفه مشروعه القومي المتمثل في إقامة دولة كردية. صار الحزب أقرب إلى مشروع معارضة مدنية هدفها إجراء جملة إصلاحات سياسية واقتصادية بلبوس ديمقراطي.

في السياق ذاته وتزامناً مع هذه المتغيرات، طلب أوجلان من قادة الحزب في قنديل تأسيس أحزاب بديلة عن الكردستاني في كل من سوريا والعراق وإيران (3)، وبمسميات مختلفة، لغسل ما تبقى من إرثه الذي بات يثقل كاهله في جزيرة إميرالي المعزولة عن العالم.

وهكذا تأسس حزب الحل الكردستاني PGDK في العراق عام 2002، وسعى لأن يظهر كجزء من الحراك السياسي العراقي. فتح مكاتب له في إقليم كردستان وفي العاصمة بغداد، لكنه لم يستطع الاستمرار بسبب قوة الحزبين الرئيسيين – حزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة جلال الطالباني-.

كذلك في إيران تأسس ما يعرف بحزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK عام 2004 كذراع آخر للكردستاني. وهذا الحزب كان له دور فعال في القضاء على الثورة الخضراء في إيران كما تؤكد ذلك مصادر المعارضة الإيرانية (4).

أما في سوريا كلف أوجلان شقيقه عثمان اوجلان ومجموعة من قيادات الحزب مثل كمال شاهين وباهوز أردال، المعروف أيضاً بالدكتور -كان طالباً بكلية الطب بدمشق في وقت ما وهو من كرد سوريا واسمه الحقيقي حسين فهمان- بتشكيل حزب الاتحاد الديمقراطي PYD عام 2003، ويعتبر البعض حالياً حسين فهمان صلة الوصل ما بين جبال قنديل حيث يتمركز قادة العمال الكردستاني وما بين الداخل السوري حيث ينشط الاتحاد الديمقراطي PYD.

في البداية أخذ ينشط الحزب في سوريا تحت مسميات متنوعة. مؤسسات مدنية وفعاليات حزبية محدودة نتيجة تضييق قوى الأمن السوري. لكن مع نهاية عام 2011، أخذ شكله العسكري الواضح من خلال قوات الحماية الشعبية YPG التي ظهرت بعيد تسلل المئات من مقاتلي العمال الكردستاني بين المدنيين في المناطق الكردية أو ذات الكثافة الديموغرافية الكردية، وقسم منها توجه لجبال منطقة عفرين بحكم وعورة الجغرافيا وصعوبة ملاحقتها. شكل هؤلاء نواة ما عرف بقوات الحماية الشعبية، بالتوازي مع هذه القوة تم تشكيل وحدات حماية المرأة YPJ ولها هيكليتها وقيادتها الخاصة. تعرف هذه الوحدات” بكونها قوة عسكرية وطنية، تتمحور حول المجتمع الديمقراطي الإيكولوجي وحرية المرأة، وأنها خط الدفاع المشروع ضد كل الهجمات التي يتعرض لها المجتمع من أجل بناء سوريا ديمقراطية وكردستان حرة، وتناضل بالوقت نفسه ضد النظام التسلطي الذكوري والجنسوي الدينوي والقوموي والعلموي ونظام البطرياركي الدولتي المرسخ لذاته منذ خمسة آلاف عام ومغتصب القيم الاجتماعية؛ فهي القوة المشروعة للمرأة والتي تحمل على عاتقها ضمانة نضال تحرر المرأة “(5)

كيف يصنع حزب العمال الكردستاني أمته في سوريا؟ (3-1)... دراما القطيع

مقاتلات من وحدات حماية المرأة الكردية (ypg)

يظهر من هذا التعريف الخلط بين المفاهيم وهو أسلوب متقصد من قبل الكردستاني لترك المجال للمناورة واللعب مستقبلاً. أما باقي القوى العسكرية تتوزع ما بين الأسايش asays والمهام الخاصة HPK والشرطة العسكرية والمداهمة (6) وغيرها من التصنيفات.

على الصعيد السياسي والمدني وبعيد عام 2011، استطاع الحزب في فترة قصيرة تشكيل عدد هائل من المنظمات والهيئات المدنية والنقابات الملحقة بإدارته الذاتية، ووسمها بالاستقلالية والحياد. علماً أن كل مرجعيات هذه المؤسسات هي عسكرية بالدرجة الأولى وتتبع لقنديل بشكل مباشر، وربما منظمة ستار للمرأة التي سنتطرق لها في الحلقات اللاحقة خير دليل على ذلك. حتى حزب PYD كفرع سوري للعمال الكردستاني عدة أحزاب تتبع له من أجل توسيع جبهته، كما الحزب الشيوعي الكردستاني KKP. ومن مفارقات هذا الحزب أنه يدعي التأسيس منذ ثمانينات القرن الماضي، ومن يقرأ أدبياته يكتشف سريعاً أنه ليس أكثر من فصيل تابع للعمال الكردستاني. نجد مثلاً أن أمينه العام نجم الدين ملا عمر يطالب في اجتماعه المنعقد في القامشلي منتصف يناير 2015 بضرورة العمل على إطلاق سراح أوجلان، ثم يركز على دعم ومساندة كرد تركيا للوقوف بوجه سلطة أردوغان ولم ينسَ أن يتهجم على رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني مطالباً بوضع موارد الإقليم في خدمة الشعب. كذلك يدعي حزب السلام الكردي هو الآخر أنه موجود منذ 2004، وأيضاً حزب التغيير الكردستاني. كل هذه الأحزاب تعمل تحت عباءة ما تعرف بحركة المجتمع الديمقراطي.

وتعتبر المنظمات المدنية ساحة اللعب الخلفية للكردستاني، للتوسع والتمدد والسيطرة على مفاصل الحياة، لذا نلاحظ مدى اهتمامه بها وتركيزه عليها. فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد حركة المرأة الشابة الثورية، عقدت مؤتمرها في حزيران 2014، وكذلك اتحاد الشبيبة الديمقراطي في روج افا YCRالذي عقد مؤتمره التأسيسي في مدينة رميلان آذار 2015 وبحضور قيادات من الكردستاني مثل كينجان ولات باريز (7). وكانت مخرجات المؤتمر كما جرت العادة، الدعوة الى حرية أوجلان في المقدمة، مع التنويه أن هذا الاتحاد يختلف عن حركة الشبيبة الثورية وهي نفسها التي هاجمت عدة مرات مقرات منظمات مدنية غير موالية للعمال الكردستاني في مدينة القامشلي. كذلك حركة الثقافة والفن للمرأة في روج آفا TEV-CAND-JIN التي طالبت في مؤتمرها المنعقد صيف 2015 بمدينة الدرباسية بضرورة تشكيل كتيبة عسكرية. كتيبة عسكرية لمؤسسة ثقافية! كما رفعت شعار “حرية القائد أوجلان من حرية المرأة” ونادت بمحاربة ثقافة الراب والأرابيسك والهيب هوب واختتمت المؤتمر بإعادة طباعة كتاب أوجلان “كيف نعيش”. وتتواجد أيضاً العديد من مؤسسات عوائل وأمهات الشهداء، واتحاد الإعلام الحر. كذلك رابطة منظمة المرأة الكردستانية الحرة RJAK. وتنسيقية المرأة الكردستانية KJK وهي هيئة عليا تتبع لها عدة منظمات أيضاً. عدا عن عشرات المؤسسات التي تتبع للإدارة الذاتية مثل هيئة الشباب. التعليم. النقابات المختلفة. منظمات حقوق الإنسان. منظمات الأطفال. منظمات النساء المعنفات، مثل منظمة سارا لمناهضة العنف ضد النساء. اتحاد مثقفي روج افا واتحادات الكتاب والصحفيين.

كذلك يمتلك الحزب في أوربا عدة مؤسسات مثل مركز الدراسات الكردي NLK في ألمانيا بقيادة نواف خليل (8).

دراما القطيع وصناعة الذات الكردية “المحاربة”:

نتيجة حساسية الوجع الكردي. شعب بلا دولة، استفاد الكردستاني من هذه الخصوصية وسخرها لصالحه وأنتج مفهومه الخاص. دراما القطيع ربما هي حالة لاحقة لنظرية سلوك القطيع في عالم الحيوان (9)، والمصطلح. للأمانة، ليس نتاجاً شخصياً بقدر ما هو تركيب ناتج عن تقاطعات لأبحاث ودراسات إعلامية، وسياسية، واجتماعية، حديثة وقديمة، تمحورت حول سبر أغوار الجمهور وكيفية التحكم به أو إقناعه. بدءاً من غوستاف لوبون صاحب سيكولوجية الجماهير، ومروراً بكارل يونغ الذي أبدع نظرية اللاوعي الجماعي وتايلور وكلود ليفي وهملتون والقائمة تطول. كل هؤلاء شكلوا القاعدة التي لا غنى عنها عند دراسة أية ظاهرة تتعلق بالجمهور وسلوكه. ولذلك حاولت قدر الإمكان تقييم الكردستاني وقياس جمهوره من خلال معايير ونظريات هؤلاء مع ترك هامش لأولوية التجربة من خلال النماذج التي جئت على ذكرها، ولا أنكر هنا شغفي بالمنهج المونوغرافي حول دراسة البيئات المختلفة عبر نماذج مصغرة وشخصيات.

تركز هذه الدراما على الأوساط الشعبية والريفية. ذات السويات التعليمية المتدنية نتيجة سياسات الإفقار والتجويع والغبن (10). تنطلق من أشياء بسيطة. جوهرها يكمن بداية الأمر في تقزيم الذات أمام تضحيات العمال الكردستاني التي تضخم وتعاد على مدار الساعة عبر وسائله الإعلامية، حتى تترسخ وتثبت في الوجدان. بعد ذلك ينقل الشخص لمرحلة رؤية ذاته عبر مرآة الكردستاني، المقعرة. يرى نفسه صغيراً وتافهاً أمام تلك الصورة العملاقة للكردستاني، لدرجة يشعر فيها الشخص المستهدف بعجزه عن الفعل والحركة. ثم تأتي الحركة الثالثة. على الأغلب تكون قاضية. يسند للمستهدف، الضحية، دوراً يشعره بمدى فعاليته وأهميته. قد تكون بداية الأمر أعمالاً بسيطة مثل توزيع منشورات أو مراقبة شخص ما. وهذا ما يفسر كثرة المنظمات التي تتبع للعمال الكردستاني، بما يوفر مساحة شاسعة من الفرص لتولي المهام التي تشعر المرء بأهميته.

هناك أكثر من ثلاثين مؤسسة تتبع للحزب في سوريا وحدها. منظمات المرأة، وعوائل الشهداء، والأطفال، والفتية، والطلاب، والجامعات، والفلاحين، والعمال، والحرفيين، والأطباء، والمهندسين. عدا عن النقابات، وخلايا الحزب، والإعلام، والعسكرة، وكومينات القرى والبلديات. كما أسلفنا، هذه الأذرع خلقت للجميع فرصاً لتحقيق الذات.

ولتوخي الدقة، تحقيق الذات هنا يميل فيما بعد، لاحقاً، نحو تضخيم الذات أكثر من كونه تحقيقاً، ولا ينتج عنه وعياً. بالعموم النظم والأحزاب الشمولية بالنهاية ليست أكثر من منشآت اجتماعية تقوم بنسخ البشر ضمن قوالبها. تحدد لهم خطوط السير وأطر التفكير ومساحات الوعي المحددة سلفاً بحيث لا تتعارض مع السلطات أو تصطدم بها في مراحل معينة. وكما يقول عالم الاجتماع دوركايم: “تبدو الظاهرة وكأنها تفرض فرضاً على العقول كظاهرة قسرية coercive” (11). ربما هذا هو التعبير الأمثل عن الكردستاني. كظاهرة سياسية. تنتج منشآت اجتماعية. تصنع أو تعيد صناعة الشعب. ولذلك المطلوب هو جمهور بمقاسات معينة. له نفس اللون والأفكار ويقدس القائد. التناقض والاختلاف مرفوض. والنقاش من المحرمات وعقوبته سلسلة من التهم الجاهزة التي غالباً ما تنتهي بعقوبات قاسية ومعروفة مثل التصفية؛ ليس عليك سوى تنفيذ الأوامر، أما تحمل التبعات والنتائج ذاك موضوع آخر، لا علاقة لك به. هناك قطيع قادر على حمايتك. معروف في حشود القطيع تنتفي المسؤولية الفردية تماماً. وهذا ما يفسر قسوة الكردستاني على كل من يختلف معه. دون وازع أخلاقي أو حقوقي، حتى عندما يتم مواجهته بالانتهاكات التي يقوم بها. بالأدلة والبراهين، يرمي بالتهمة على مؤسساته. يميع القضية لدرجة أننا بالنهاية نقف مكتوفي الأيدي. لمن تتوجه وأي باب ستطرق ومن يتحمل وزر القضية أو الجريمة. مؤسسة أمهات الشهداء. الأسايش. مؤسسة الشباب. قوات الدفاع المجتمعي. قوات مكافحة الإرهاب. متاهة غايتها تسطيح الجرائم والتنصل منها.

المثال التالي يحيط بفكرة المنشآت البشرية الخاصة بالعمال الكردستاني. هذه المنشآت في طبيعتها أقرب ما تكون إلى الاعتقال. تمرين على الخنوع والرضوخ. الترويض. وقد يظن البعض أنه طوعي وبملء إرادة الفرد.. لكن بمجرد تخطي عتبة الدخول إلى منظومة الكردستاني يصبح الفكاك عنه كارثي.

في أواخر التحق الشاب (ن.ع) من أكراد سوريا اليساريين، بمعسكرات العمال الكردستاني في البقاع اللبناني. اختفى الشاب قرابة العام، ثم عاد الى حلب. بدا كمن عاد للتو من عمل شاق. وهنا اسرد ملخص ما جاء على لسان هذا الشاب” كنا نستيقظ في الصباح الباكر. نقوم ببعض التمارين الرياضية، ثم نتناول فطوراً بسيطاً، ومن ثم نتوجه سيراً على الأقدام إلى الحقول المحيطة بنا. نقوم بجني المحاصيل الزراعية على اختلافها، حتى ينتصف النهار. ثم نعود إلى المعسكر الذي كان عبارة عن هنكار كبير. مستودع نقيم فيه وبنفس الوقت نعمل داخله. نقوم بفرز المحصول. نفصل القطع الصغيرة عن الكبيرة أو المعطوبة. أياً كانت، بطاطا، بندورة، حتى حبات الزيتون. ثم نقوم بترتيبها داخل الصناديق المخصصة لها. كانت تنقل فيما بعد بشاحنات إلى جهات لا نعرفها. بعد الانتهاء من العمل قبيل المساء تأتي فترة الغداء والاستراحة. حوالي الساعتين. بعدها نتلقى دروساً في التوجيه السياسي، حول فكر العمال الكردستاني ونضالاته وسياساته وكل ما يتعلق به. في العاشرة كنا نخلد إلى النوم. استمرت هذه الحالة عدة أشهر. طيلة هذه الفترة ممنوع عليك التحدث مع زملاء المهجع أو تبادل الأحاديث الجانبية أو الدخول في علاقات تعارف. كان التحدث بالإيماء إن جاز التعبير. حتى أثناء المحاضرات ممنوع التحدث والنقاش. عليك أن تسمع وتسمع فقط.”(12)

طبعاً هذه الصورة. النموذج. تتطابق إلى حد كبير مع ما روته لي مؤخراً إحدى مقاتلات الكردستاني المنشقات عن جسد التنظيم ( السيدة ز ). والتي استقرت في أوربا مؤخراً. تحدثت عن سيناريو يشبه السيناريو السابق حول بدايات التحاقها بالكردستاني في جبال قنديل. قبل عقدين من الآن.

وبالعموم انطلق العمال الكردستاني من مظلومية الشعب الكردي. عبر حبكة درامية مؤثرة تجذب الوسط الكردي، تتركب من مكونات تبدو بسيطة وغير مكلفة، مثل الأغاني الثورية التي تمجد الشهادة وبطولات مقاتليه، وتضفي قداسة غامضة على قادته. هذه الأغاني ترافقت مع موسيقا ذات مسحة حزينة مستقاة من الإرث الشعبي الكردي. الفلكلور. معظمه يدور حول ملاحم وبطولات. بعضه من نسج الخيال وبعضه الآخر من وقائع تاريخية. لكنه يمتاز بنبرة المظلومية والحزن والشقاء. تلك هي مترادفات الحياة اليومية الكردية عبر التاريخ بكل خيباته. من النادر أن نجد في المخزون الثقافي الكردي الذي ينقل من جيل لآخر شفاهاً ، قصصاً أو ملاحم تخلو من دراما ذات طابع تراجيدي. حتى قصص الحب الملحمية تنتهي بشكل قاسٍ.

وبدراسة الإرث الموسيقي والغنائي الذي كان ومازال ينتجه العمال الكردستاني، نلاحظ أن خطه البياني يتماوج ما بين مستويين. المستوى الأول، ترافق مع بدايات تشكل الكردستاني في أواخر سبعينات القرن الماضي. هنا نجد النبرة الثورية الحماسية واضحة، والمستوى الصوتي مرتفع. أقرب إلى الصراخ. وكأننا في ساحة معركة. مع موسيقا حادة وذات تون حاد، والجملة الغنائية أقرب للغة الخطاب. مثل أغنية ستالين. حيث يعتبره الكردستاني رمزاً للبطولة والقوة على خلاف النظرة العامة التي تعده ديكتاتوراً ومستبداً.

أما المستوى الغنائي الآخر الذي أنتجه الكردستاني. ذو نبرة هادئة تلامس شغاف القلب. تتوجه إلى الأحاسيس والمشاعر. هذا النوع انتشر بعيد تأسيس العمال الكردستاني بسنوات، وترافق مع معارك الكر والفر التي خاضها الحزب. بمجمله يمجد أيضاً الشهداء ويتحدث عن بطولاتهم. بعضها من نسج الخيال وبعضها الآخر ربما وقائع. لكنها كلها تصب في بوتقة واحدة. العاطفة. حيث يتحول المستمع بعد وقت إلى مدمن لهذه الأغاني. لا يستطيع الاستغناء عنها. ويغلب على هذا النمط سوداوية مفرطة لدرجة جلد الذات أو احتقارها، وهنا لابد من حل ما للخروج من الحالة. الحل واضح كما تقول الأغاني: “الالتحاق بصفوف الكردستاني”.

ومن يتابع أرشيف نشاطات الكردستاني، في سوريا أو تركيا. سيجد أن كل مظاهراته وتدريبات مقاتليه وهندستهم تترافق في خلفية المشهد مع تلك الأغاني. حتى أنه قبل حوالي عقد أو أكثر خصصت قناة خاصة تبث على مدار اليوم تلك الأغاني الخاصة بمنظومته. قناة mmc مزوبوتاميا(13). وتمتلك القناة أرشيفاً ضخماً من هذا الإرث الذي تراكم خلال العقود الماضية.

كيف يصنع حزب العمال الكردستاني أمته في سوريا؟ (3-1)… دراما القطيع

كيف يصنع حزب العمال الكردستاني أمته في سوريا؟ (3-1)... دراما القطيع

مقاتلات كرديات يرقصن في حفل أعده الحزب،وفي خلفية المسرح صور لمقاتلات كرديات قتلن خلال المعارك

بقي أن نعرف، أن الحزب يمتلك خبرات وتقنيات عالية لإنتاج هذا النوع من الغناء السياسي” فن دراما القطيع” الجذاب. وكثيراً ما أوفد مقاتليه لتلقي مهارات تقنية وفنية في أوربا وغيرها من البلدان، والكثير من هؤلاء تركوا السلاح، بأوامر من القيادة، للتفرغ للغناء والموسيقى. هنا نجد أن الحزب يقارب في هذا النهج، أو الخط، الجماعات السلفية والجهادية التي كانت ومازالت تتسلل إلى قلوب الشباب عبر الخطب الحماسية والأناشيد الدينية.

بشكل عام لعبت الدراما جانباً مهماً في خلق بطولات وهمية. أو لنقل ضخمت حجم وقوة مقاتلين ومقاتلات العمال الكردستاني. وفي مفاصل مهمة حولت الخسارات إلى انتصارات وبطولات مازال يدور حولها الحديث، بعدما أضفيت عليها أبعاداً درامية. كما في قصة المقاتلة بيريفان ساسون ذات التسعة عشرة عاماً والمنحدرة من مدينة باتمان في تركيا. التي قيل إنه تم محاصرتها من قبل مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في كوباني(عين العرب) وقتلت بظروف غامضة. أرسلت رسالة من كلمة واحدة. وداعاً. فما كان من الكردستاني سوى أن سوق القصة على أنها ظلت تقاوم حتى آخر لحظة ومن ثم قامت بالانتحار حتى لا تقع أسيرة بين أيدي “جلاوزة” داعش. في تلك الأثناء سادت موجة غضب بين أوساط النشطاء على مواقع التواصل حول تخلي العمال الكردستاني عن مقاتليه في الظروف الحرجة، وتحدث البعض عن خيانة رفاقها لها وتخليهم عنها. فما كان منه سوى أن خلق مزيجاً درامياً حول كيفية مقاومتها وانتحارها. الأمر ذاته تكرر في قصة آرين ميركان. هي الأخرى وقعت في حصار داعش وساد اللغط أيضاً حول ظروف مقتلها. قامت الهيئة الإعلامية في قوات حماية المرأة بإنتاج فيلم قصير عن حياتها.

كيف يصنع حزب العمال الكردستاني أمته في سوريا؟ (3-1)… دراما القطيع

تضمن الفيلم رسالة لآرين وهي تخاطب عائلتها وتتحدث عن الثورة والشهادة والحرية ثم تبدي اعتزازها بوجودها مع مقاتلي الكردستاني، وتتمنى من شقيقها أن يحذو حذوها. الرسالة مكتوبة بحرفية عالية وبجرعة درامية من العواطف الجياشة. نص مكتوب لفيلم سينمائي وليست رسالة كما ادعى المكتب الإعلامي. سنأتي على قصة أرين في الحلقات اللاحقة بالتفصيل(14).

بشكل عام يمكن اعتبار دراما القطيع وصناعة الذات الكردية المحاربة خاصتين مترابطتين من خواص العمال الكردستاني لا يمكن له الاستغناء عنهما. الأولى تمهد الطريق للوصول إلى الحالة الثانية التي تتكفل بالترويض وتنفيذ الأوامر دون اعتراض أو تذمر.
كيف يصنع حزب العمال الكردستاني أمته في سوريا؟ (3-1)... دراما القطيع



 

 

كيف يصنع حزب العمال الكردستاني أمته في سوريا؟ (2-3)... صور "الشهداء"

“كيف يصنع حزب العمال الكردستاني أمته في سوريا؟ (2-3)… صور “الشهداء

الإعلام والعمال الكردستاني في سوريا:

 

يدرك الكردستاني رغم هيمنة العقلية الميليشياوية على مفاصله، أنه لا معنى للسياسة إذا لم تترافق مع حملات ترويج وتسويق. ولا بد من تحقيق شرط المزيج التسويقي. البضائع بالنهاية تبحث عن أسواق كما تؤيد ذلك كل الدراسات والأبحاث الحديثة، والسياسة بالنسبة للكردستاني سلطة. عصا، تحتاج لجمهور حتى يتم توظيفه لصالح مشاريعه.

وبالعودة إلى الإعلام وتعريفه حسب منظور الكردستاني، نجد أن هذه التعريف لا يتعدى عن كونه أكثر من وسيلة من وسائل مصادرة الرأي العام واستلابه واحتكاره. هذا المثلث؛ المصادرة والاستلاب والاحتكار هو جوهر مفهوم الإعلام الذي يتخذه الكردستاني كقاعدة عامة. المصادرة، وتعني هنا مصادرة المعلومة أو الخبر، لعدم خلق رأي عام حر ومنع الوصول إلى جوهر القضايا والحقائق التي يمكن لها التفاعل على خلفية الأحداث وإنتاج رأي عام موحد، قد يعقبه اتخاذ مواقف أو تحركات. لهذا يعمل الكردستاني ليل نهار على احتكار الساحة الإعلامية في مناطق سيطرته، ويغرقها بعشرات الوسائل الإعلامية التابعة له من أجل تغطية الأحداث وسد الثغرات، بما يتناسب مع منظومته الميليشياوية التي تعمل من طرف آخر على كسب العقول من خلال البروباغندا الحزبية وتزييف الوقائع وبث الإشاعة.

لذا يبدو بديهياً على ضوء التعريف السابق لمفهوم الإعلام لدى الكردستاني، أن يقوم بمنع كافة الوسائل الإعلامية الأخرى من العمل في مناطق سيطرته، ومن يخرق القاعدة في أفضل الأحوال يمنع من ممارسة نشاطه الإعلامي أو يطرد. لكن أغلب الوقائع تشير إلى أن العقوبات تكون أقسى من ذلك بكثير. حيث يتعرض الإعلاميون من خارج دائرة الكردستاني إلى الخطف والضرب والتصفية، ولدى الكردستاني سجل حافل بالانتهاكات ضد الصحافيين. جنكين عليكو واحد من هؤلاء الإعلاميين. ممن عمل على كتابة تقارير صحفية حول الكردستاني، تم ضربه بوحشية، ثم ألقي به في منطقة مهجورة من ريف القامشلي (15)، كذلك رنكين شرو مراسلة قناة روداو منعت من دخول المناطق الكردية وتعرضت للضرب المبرح في معبر سيمالكا الحدودي مع إقليم كردستان العراق. سردار داري صحفي وناشط، طعن بالسكين في صدره، وتم رميه أيضاً في أحد أرياف الحسكة.  سلسلة طويلة من هذه الانتهاكات التي تنتهي بمصادرة الرأي العام لصالح إعلام الكردستاني. وهناك مثال حي، يتعلق بمجزرة تل غزال بريف عين العرب(كوباني) عام 2013 والتي راح ضحيتها ثلاثة أشخاص من أبناء القرية وعدد من الجرحى. سوق إعلام الكردستاني القصة وقتها على أن قوات الحماية الكردية اشتبكت مع هؤلاء بسبب زراعتهم لنبتة الحشيش لبيعها فيما بعد للشباب الكردي لإبعادهم عن المهمات الملقاة على عاتقهم ضمن المرحلة التي تمر بها سوريا، وأن هؤلاء واجهوا تلك القوات التي كانت تحرص على ملأ الفراغ الحكومي بعد انسحاب مؤسسات النظام السوري. تلك الرواية كانت لسان حال كل وسائل إعلام الكردستاني، وتم اللعب على مفردات من قبيل. خلق فوضى. المجتمع الكردي محافظ ويرفض هكذا ظواهر. بعد ثلاث سنوات، في شباط 2017 قامت جماعة صالح مسلم بعقد مصالحة مع أهالي القرية (16)، واعتذرت من الأهالي عن تلك الحماقة، ودفعت لذوي الضحايا تعويضاً قدره ثلاثة ملايين ليرة سورية عن كل ضحية. تبين لاحقاً أن الخلاف الأساسي نشأ عندما رفض أهل القرية إقامة عرض عسكري في داخلها من قبل الكردستاني، مما دفع عناصر الأخير إلى شن هجوم دموي على سكانها العزل من أجل ترويضهم وإدخالهم ضمن حيز العمال الكردستاني.

ولعل ما يميز الكردستاني عن غيره من الأحزاب التي تمارس الأدلجة بحرفية بالغة مثل حزب الله، أنه أكثر قدرةً على فهم لعبة اللغة الإعلامية، ولمجموعة الأفكار والقيم والميول التي ينوي الترويج لها. هذه الحرفية والمهارة تنبع من خصوصية لها بعدين. الأول في أن الكردستاني قد اعتمد منذ تأسيسه على المدرسة الاشتراكية في تعريفه للإعلام. سلاح. وهذا ما جعله يستفيد من الإرث الإعلامي الضخم لتلك النظم. نظريات ودراسات وتجارب. الثاني أنه نشأ في مناخ. تركي، سياسي متقلب ومتوتر ما منحه مراناً وخبرة في وقت مبكر، وكان للإعلام التركي، المتطور والجريء، مقارنة بغيره ضمن سياقات تلك المرحلة، دوراً مهماً في نقل تلك الحرفية المهنية والتقنية التي امتاز بها إلى الكردستاني نتيجة الاحتكاك. معروف عن الإعلام التركي أنه كان له دور الريادة في الخصخصة عن سائر بلدان المنطقة وتجاوز الكثير من الخطوط الحمراء. على الصعيدين السياسي والاجتماعي، بالرغم من حوادث الاغتيال التي نالت من صحفيين كثر. لكن هذا لم يمنع من نشوء امبراطوريات إعلامية خاصة ساهمت في رفع السوية الإعلامية بشكل عام. استفاد الكردستاني من هذه البيئة الخصبة ومزج المدارس ببعضها لينتج إعلاماً خاصاً به، كما سعى سريعاً لامتلاك وسائل خاصة به، مستفيداً من الفراغ الإعلامي لباقي الأحزاب والحركات الكردية التي لم تولي أهمية تذكر للوسائل الاعلامية.

فيما مضى، كانت الأولوية للعمل الحزبي الميداني. المقابلات الشخصية والندوات السرية وبعض المطبوعات الحزبية الهزيلة، هي الوسائل التقليدية الوحيدة المتاحة للأحزاب الكردية والتي تؤمن بها تلك الأطراف. في الوقت الذي كان يدخل فيه الكردستاني إلى كل بيت كردي قبل ثلاثة عقود عبر قناته الفضائية ليروج أفكاره، واستطاع فيما بعد خلق جيش من المقاتلين. الإعلاميين، المتمرسين على كلاسيكيات نظريات الصحافة. الاشتراكية والليبرالية. لهذا نجده اليوم يمتلك العشرات من المنابر الإعلامية (راجع الملحق في أسفل النص) مطبوعة ومسموعة ومرئية، وبلغات مختلفة. كردية وعربية وتركية وإنكليزية وفارسية. أي أننا أمام وسائل إعلامية تستطيع مسح الجمهور الكردي بكل فئاته وشرائحه، ومؤخراً انطلق نحو جمهور أوسع. غربي، مؤثر وضاغط على سياسات بلدانها فيما يخص الموقف من الكردستاني. لشطبه من لوائح الإرهاب أو لكسب مصادر التمويل في الحرب المعلنة على الإرهاب.

ويمكن القول إن اللغة الإعلامية التي يتوجه بها الكردستاني إلى جمهوره تصنف ضمن مستويين متناقضين. الأول أقرب ما يكون للغة البازارات الشعبية. شتم ووصف كل من يعارضه، بالمتخاذلين والخونة والعملاء. والدفع نحو ضرورة التخلص منهم لأنهم عثرة في طريق الحزب للوصول إلى أهداف ثورته المنشودة. لا يتوانى عن تكرار تلك المفردات في أغلب برامجه ذات الطابع التفاعلي مع الجمهور. يفتح الباب ويوحي لجمهوره بضرورة ممارسة حقه في التعبير عن آرائه، في الشتم والسباب. لذا تتحول اللغة هنا إلى دافع للانتقام والتحريض. سلاح يطعن به كل من يقف في طريقه. هذا المستوى اللغوي يصطاد فئة المتحمسين والمتهورين من أصحاب السوابق، أو ممن يؤمن بالعنف كوسيلة مجدية للتعبير عن الشخصية وإثبات وجودها. عند هذا المستوى ذاته يدخل نموذج لغوي آخر على الخط. لكنه على النقيض منه. لغة مفعمة بالعواطف الجياشة. تحفز الأحلام والآمال بتحرير كردستان وتتحدث عن قوافل الشهداء وتسرد قصص مبالغ فيها عن مآثر القادة وتضحياتهم. هنا اللغة الناعمة تتوجه إلى القلوب بصفتها منبعاً للمشاعر والانفعالات. كما هو دارج شعبياً. لا يعطي للعقل انتباهاً، على العكس يحاول تثبيطه وتجاهله. لا داع له. هذا الجانب يعمل على استقطاب الناس العاديين ممن عانوا قسوة الاستبداد وسياسات الإنكار بحقهم. يقع في فخ هذه اللغة قسم كبير ممن يصدق أكاذيب الكردستاني كمنظومة تحررية من الاستبداد ورفع الغبن والحيف الذي ألحق بهم كشعب مغلوب على أمره، وكثيراً ما تقف هذه الفئة حائرة أمام سلوكيات الكردستاني وتصطدم معه في أماكن عدة أو تنسحب من اللعبة بهدوء، وتنزوي بعيداً. تلتزم الصمت.
 مجموعة من مقاتلي الحزب في جبال قنديل

غاية اللغة. عند هذا المستوى، ليس الترويج للقضية الكردية. هي موجودة بالأصل. إنما حشرهم في دوامة الكردستاني بكل الطرق والسبل. لذلك يتم التركيز هنا على جذب المزيد من الأنصار من خلال مداعبة العواطف وسرد بطولات كوادر الحزب بلغة ملحمية وشاعرية تارةً. وتارةً أخرى بلغة تحقق الجوانب العنيفة لدى البعض الغاضب. وهذه الشريحة الأخيرة تهم الكردستاني كثيراً؛ كمنظومة مليشيوية. تحقق لهم هذا الجانب بسلاسة عبر تجنيدهم كمقاتلين أو تستفيد منهم في الظروف الطارئة.

أما المستوى الثاني من لغة الكردستاني الإعلامية تمتاز بالتعقيد والإبهام والإغراق في المصطلحات. هذا المستوى يكاد يكون سمة عامة في أدبيات الحزب ووسائل إعلامه المكتوب. هناك تقصّد في الزج بالمصطلحات الفلسفية والسياسية، مع رؤية ثورية تخلط لإضفاء شيء من الهيبة على النصوص التي تعبر عن وجهة نظر الكردستاني. في كثير من هذه المقالات والنصوص تكتشف أن الأمر يكاد لا يخرج عن نطاق استعراض معرفي، بالتاريخ، وببعض نظريات علم الاجتماع والسياسة. لا تجد مفيداً يضاف، ولا نقداً ولا محاكمات عقلية تبرهن مثلاً تحول الحزب من الماركسية إلى مفهوم الأمة الديمقراطية. ولا رجعية الفكر القومي الذي تخلى عنها مؤخراً تحت مسوغات تخلفه عن ركب الحضارة العالمي، تشعر بالنهاية أنك تقف أمام أحد نصوص الكاتب التركي الساخر عزيز نيسين، نتيجة التناقضات والخلط.

هذا المستوى المزخرف بالمصطلحات والغموض لا يأتي عن عبث أو فراغ. ذلك أن الهدف الأول والأخير منه هو التقزيم. البداية كما ذكرنا تكون بالمرور عبر الحواضن العاطفية التي تحدثنا عنها. لغة تخاطب القلب وتتوجه للجميع عبر وسائل بصرية وسمعية، ثم مرحلة التقزيم وهي تشمل كل من دخل تحت عباءة الحزب. تعمل على خلق الشعور بالدونية لدى هؤلاء أمام جبروت الحزب وقادته ومفكريه من خلال إغراقهم بسيل المصطلحات والمفاهيم والنظريات. الغاية منها الترويض والإذعان للغموض. لن تفهم كل ما يقدم لك من كراسات ومنشورات. لماذا؟ ببساطة لأن الحزب والقادة أكبر منك. العلة بك أنت، وما عليك سوى تنفيذ الأوامر..

 ليس المهم أن يفهم هؤلاء مصطلحات الأمة الديمقراطية. كما قلنا، على العكس يجب إغراق الجمهور بسيل المصطلحات لتمويه الحقائق وضياع بوصلة الاتجاهات، وإضفاء شعور الدونية على الجمهور المستلب الإرادة من أجل تسهيل عملية الاستلاب الفكري.

الكردستاني وفن الإشاعة:

 

 تلعب الإشاعة لدى الكردستاني دوراً محورياً في صناعة الرأي العام وتأليبه ضد منتقدي سياساته وخصومه، وكما يقول الفرنسي لوسيان لوبون. الإشاعة أقوى من الحقيقة (17).

خاصة إذا كانت تلك الإشاعة تتماشى مع مصالح ومفاهيم المزاج الشعبي، وتساعده في التنصل من المسؤوليات والتبعات التي تلحق ضرراً عاماً. مثل مقتل عدد من مقاتليه في معركة ما. سرعان ما ينشر الكردستاني أن خصومه من كرد العراق أو سوريا ساعدوا العدو بشكل من الأشكال للوصول إلى هذه النتيجة الكارثية. وجرت العادة أنه يستبق حربه ضد معارضيه بسيل من الإشاعات غايتها تهيئة الرأي العام لتقبل نتائج سياساته وأفعاله القمعية. كما جرى تماماً لدى اغتيال القيادي الكردي مشعل التمو (18).

القيادي السوري الكردي مشعل تمو والذي اغتيل في السنة الأولى من الثورة السورية

عملت الأجهزة السرية لدى الكردستاني على وصف مشعل التمو بالمتسلق والوصولي والانتهازي، لدرجة أن باقي الأحزاب الكردية المناهضة للكردستاني وقعت في هذا الفخ وراحت تكرر وتجتر هذا الكلام، حتى تم اغتياله وطويت صفحته بهدوء.

ولأن الإشاعة هي من صلب أدبيات الصحافة الاشتراكية والشمولية. واستعملت كسلاح رخيص وغير مكلف لمقارعة الخصوم. تفنن بها الكردستاني وأدرك أنها تحتاج لمجهود كبير من أجل تفنيدها وتبيان كذبها ودحضها فيما بعد. ولنتذكر بهذا الصدد الطفل إيلان. الطفل الكردي الذي غرق في بحر إيجه. كما نعلم تحول إيلان إلى رمز لمأساة السوريين بالعموم وبالخصوص لأهل مدينة كوباني، مسقط رأس إيلان الذي صدم العالم بصورته التي تصدرت كبريات وسائل الإعلام العالمية، بعدما جرفته الأمواج للشاطئ. على إثر هذه الحادثة سادت موجة غضب عنيفة في الشارع الكردي حيال سلوكيات العمال الكردستاني التي أودت بتلك النتائج الكارثية لموجات النزوح والهروب الجماعي للكرد السوريين من مناطقهم، نتيجة عسف قواته القمعية وسياساته الرافضة للاختلاف. تضخمت الموجة. موجة الاستياء والغضب الكردي وتفاعلت من خلال الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. خلال يومين ظل الكردستاني واجماً. يفكر بكرة الثلج التي تتضخم، التزم الصمت. ماذا يفعل لصد موجة الغضب؟ ما حدث أنه بعد يومين أو ثلاثة من موجات الغضب الشعبي، قامت الصفحات الموالية للكردستاني ببث إشاعة مفادها التالي. والد الطفل إيلان يعمل لصالح مافيات التهريب ما بين أزمير التركية واليونان، وهو من أرسل عائلته وبقي هو يمارس نشاطه المشبوه. في ظرف ساعات انتشرت تلك الإشاعة انتشار النار في الهشيم. تحولت الجموع الغاضبة والحاقدة على سياسات الكردستاني إلى النيل من والد الطفل وإلقاء وزر تلك النتيجة القاسية على اكتافه. نسي الجمهور صورة الضحية. إيلان. تلك كانت المهمة الأولى لتلك الإشاعة. صرف عنها الانتباه، واتجهت الأنظار نحو ذاك الأب الذي امتهن تجارة البشر. يا له من رجل قذر. تلك كانت المهمة الثانية للإشاعة. حاول البعض أن يفند تلك الإشاعة ولكن عبثاً. جرت عدة لقاءات مع والد الطفل الذي أكد أنه كان على متن القارب نفسه (19)، وكان هو من يقود القارب. هكذا جرت العادة يتفق المهرب مع أحد اللاجئين لقيادة القارب، هذه المعلومة يعرفها كل من عبر البحر نحو أوربا. لكن الضجيج كان أقوى. النار أضرمت، ولا مجال لإطفائها. تلك الإشاعة لم تنقذ العمال الكردستاني فقط. إنما أنقذت جمهوره وأنصاره أيضاً من استحقاق تاريخي. موقف. قد يكون مكلفاً. صدقوا الإشاعة وتماشوا معها إلى حين طويت صفحة إيلان وصار رقماً لضحية عابرة.

جمهور وخطاب الكردستاني:

 

 استطاع العمال الكردستاني خلال فترة وجيزة. هي بالتحديد فترة الحراك السوري السلمي ومن ثم الحرب، من توفير خطاب مطلوب ومقبول لجمهور واسع من المتابعين له، أو بشكل ثان تسلل إلى حالة التردد التي كان يعاني منها الكرد حيال المجريات على الساحة السورية، والسؤال المهم والأساسي هنا، من هو هذا الجمهور وما هي أشكال هذا الخطاب؟

 الجمهور الأول، كردي بامتياز، يتشكل من ثلاثة أو أربعة شرائح مختلفة. من حيث المكان، الشريحة الأولى تشمل أكراد سوريا المتطلعين والحالمين بالخلاص من الغبن والجهل والحيف الذي لحق بهم طيلة فترة حكم البعث، مع أنه سبق وأن جرب هذا الجمهور خطاب الكردستاني خلال ثلاثة عقود خلت. إلا أنه عاد وسقط مجدداً في الفخ. أمام خطاب جديد ظاهرياً. رفع شعار كردستان سوريا، كانت تلك هي الفرصة التاريخية ليس فقط لهذا الجمهور لتحقيق طموحاته القومية، إنما للكردستاني أيضاً لإعادة إنتاج نفسه بعدما أصابه الخمول والنزيف في الفترة التي تلت اعتقال أوجلان. ومع أن ذاك الخطاب مر بمراحل دراماتيكية، وأحياناً مضحكة نتيجة تقلباته؛ إدارة ذاتية، كانتونات، وفيدرالية روج آفا، ثم فيدرالية الشمال، وربما نشهد الكونفدرالية أيضاً. كل شيء وارد لأن سوق الحرب السورية مازالت تستوعب الكثير من أشكال الخطاب. إلا أنه أمسك بمفاصل الحياة اليومية وصادر القرار الكردي وجيره لصالحه.

 في كل الأحوال يمكن رد الأمور إلى أن هذا الجمهور المقهور والحاقد على البعث السوري، لم يكن يتصور في يوم من الأيام أن يجد شرطياً يتحدث إليه بالكردية أو كتاباً يتناول تاريخه يوتم تداوله دونما محاسبة أو معاقبة. انبهر بالمراكز الثقافية والأنشطة والشعارات المكتوبة بالكردية التي تعم شوارع مناطقه. ترك قضية سقوط الاستبداد، كأولى خطوات إنجاز قضيته، ولحق بخصوصية أوهمه بها الكردستاني وظن أنها الأهم. ساعدته في ذلك جملة من الظروف. إغراءات النظام من طرف. خاصة في بدايات الحراك السلمي، وتشظي وتنازع المعارضات السورية واستعصائها في نفق الإسلام السياسي. دخول الحركات الجهادية فيما بعد زاد من إحكام اغلاق الدائرة، ليجد هذا الجمهور نفسه خارج اللعبة. من طرف فهو مغلوب على أمره بعد تمكن الكردستاني من السيطرة على الأرض، ومن طرف ثان محاط بحروب طاحنة تدور من حوله. بدا هذا الجمهور وكأنه استسلم لقدره. للكردستاني، يمشي نحو حتفه بعدما تم تجفيف كل الخيارات الأخرى. لم يعد يعنيه سقوط الاستبداد من عدمه. وهذا ما يبرر انحسار الشارع الكردي وانغلاقه على نفسه، ثم موجات الهروب الجماعية من المناطق الكردية كرد فعل على سياسات القمع التي مارسها الكردستاني بحق كل من حاول الوقوف بوجهه، عدا عن الظروف الحياتية الصعبة والتجنيد الإجباري وتراجع التعليم والضرائب. رغم ذلك لاقى خطابه الجديد رواجاً لدى البعض. خاصة مع ارتفاع موجة التيارات السلفية والجهادية، والبعض الآخر. ممن تبقى داخل المناطق الكردية، لم يكن أمامه سوى خيار الرضوخ وركوب الموجة.

الوضع بالنهاية في المناطق الكردية لا يقل كارثية عن غيرها من المناطق السورية. قد يظن البعض أن الصورة مختلفة. كوباني (عين العرب) مع جزء كبير من ريفها مدمرة بالكامل. مليون وربع المليون كردي سوري مهجر. أعداد مهولة من القتلى والجرحى الكرد ممن قاتل في صفوف الكردستاني. حصار اقتصادي وشح في الموارد. هروب الكفاءات، ناهيكم عن إرث ثقيل من العداوات التي راكمها الكردستاني مع المحيط العربي والتي تنذر بمستقبل غامض.

وسط تلك الصورة المأساوية لراهن كرد سوريا، كانت المكنة الإعلامية لحزب العمال الكردستاني تعمل ليل نهار على ترسيخ مفهوم ثورة “روج آفا”. رسخت تلك الآلة الإعلامية تلك الفكرة. الثورة، وبات من الصعب الفكاك من هذا الزيف. صار واقعاً. تلك الثورة لم تكن في حقيقتها سوى البضاعة التي بيعت لجمهور كان يراقب المشهد عن بعد. من خارج الحدود، يشكل هذا الجمهور باقي الشرائح ضمن هذه الفئة. كرد تركيا بالدرجة الأولى وإيران والعراق بدرجة أقل، والبعض من كرد المهاجر. كل هؤلاء وقعوا في مستنقع ثورة “روج آفا التي سريعاً ما تبنت فلسفة أوجلان. تم الترويج لها كأرضية للحلم الكردي المنشود. وهنا ثمة مسألة مهمة عانى منها كرد سوريا اللذين لاذوا بالفرار إلى تركيا. اذ لاقوا كلمات التأنيب والشتم من أقرانهم كرد تركيا، وتم اعتبارهم خونة لثورة “روج آفا” المزعومة. كانت تلك إحدى مفاعيل تأثر كرد تركيا بالسياسات الإعلامية التي تم الترويج لها والإقبال عليها.
متظاهر موالي لحزب العمال الكردستاني في تركيا
 

الجمهور الثاني، يشمل فئات متنوعة ومختلفة من مكونات الشعب السوري. بعض مكونات الجزيرة السورية. عشائر عربية. كلدو آشور. تركمان، بالإضافة إلى مجموعات عسكرية متفاوتة ومتفرقة هنا وهناك في ريف حلب وكوباني (عين العرب). أغلبها امتهنت الحرب بنفس المنطق المليشياوي. لذا غضت الطرف عن الجوانب السياسية. لم تهتم بتلك الجزئيات التي لم تكن على سلم أولوياتها. بالعموم هذه الفئة من الجمهور السوري، الخليط. في غالبيته يتمسك اليوم بأجندات الكردستاني لأسباب متعددة. محاربة الإرهاب والتطرف. تسويق مفاهيم الديمقراطية. وليس آخرها إعلان الكردستاني عن تخليه عن المشروع القومي الكردي بإقامة دولة كردستان، واستبداله بمشروع الأمة الديمقراطية، وفوق كل هذا الحاجة إلى الأمن. تماماً كما نجح النظام السوري في وسم الثورة السورية بالإرهاب. لعب الكردستاني على نفس الوتر، وربما هذه النقطة الأخيرة دفعت بالكثيرين للتحالف معه بدوافع “بقائية” لتوفير هذا الحد الأدنى من الأمان، مقابل بدائل سلفية وجهادية ماثلة أمامهم.

 أما الجمهور الثالث، هو جمهور بعيد عن الوسط الكردي والإقليمي. جمهور عالمي خائف من تصاعد وتيرة الإرهاب العابر للحدود، والذي أوجد له مكاناً في كل من سوريا والعراق. تنظيم الدولة الإسلامية(داعش)، تلك الفوبيا التي اشتغل عليها النظام السوري ونجحت في مهامها. أرّقت العالم وجعلته يشعر بالذعر. وفي هذا السياق يمكن الوقوف عند حدث مهم للغاية. حدث مفصلي. كوباني أو عين العرب. التسمية ليست محل خلافنا هنا. البداية كانت عندما أخذ نجم تنظيم الدولة الإسلامية(داعش) يسطع ويلمع في وسائل الإعلام العالمية والعربية. صور قطع الرؤوس والسحل والحرق والسبايا والمحاكم والرهائن الأجانب. كان العمال الكردستاني يراقب الوضع باهتمام بالغ. الأنظار كلها تتجه صوب ذاك المارد الذي ظهر على الساحة. خفقت لهول فظائعه القلوب في شتى أرجاء المعمورة، لم يعد لانتهاكات النظام السوري من معنى أمام هول المشاهد الهوليودية التي أنتجتها استديوهات داعش المترامية الأطراف، من الموصل إلى الرقة. كان الرأي العام العالمي يتقلب على صفيح ساخن، والدبلوماسية الدولية في حيرة من أمرها. كيف السبيل لمواجهة هذا الطاعون الذي يتمدد.

حيال هذا الواقع، حاول الكردستاني أن يدخل اللعبة مراراً. عرض خدماته في محاربة التنظيم. لكن لم تكن هناك ثقة كاملة من المجتمع الدولي بجدوى التعامل مع الكردستاني. كانت هناك معارك هزيلة ومناوشات بين الفينة والأخرى على عدة جبهات بين الكردستاني وتنظيم الدولة. مع ذلك لم يقتنع الغربيون. ولذلك كان سؤال ما العمل لدخول السوق؟  هو ما يشغل بال قادة الكردستاني، وهم يراقبون عن كثب زيادة التمويل والحاجة الماسة من قبل تلك الدول لإيجاد من يحارب تنظيم الدولة بالوكالة عنهم. جاء الجواب سريعاً. خلال أقل من يومين كان التنظيم يسيطر على كامل مساحة ريف كوباني. زهاء 400 قرية سقطت دون إطلاق رصاصة واحدة. طلب الكردستاني من الأهالي عدم المقاومة وضرورة المغادرة نحو الحدود التركية. ساد الهرج والمرج. راح السكان المحليون والنشطاء والمحللون يتساءلون. كيف تسقط كل تلك المساحات الشاسعة بظرف ساعات. حتى أن بعض سكان تلك القرى أكدوا أكثر من مرة أن التنقل عبر الطرق الريفية للمنطقة يحتاج لوقت أكثر من الزمن الذي استغرقته التنظيم في احتلال تلك المساحات. لم يكن هناك جواب مقنع حول ما يجري على الأرض. سوى بعض التبريرات التي لا معنى لها من قادة الكردستاني، من قبيل أنهم يريدون جر التنظيم الى المدينة، وهناك سيتم سحقهم تحت أقدام مقاتليهم، ولكن حدثت الكارثة، اذ سيطرت داعش على كامل المدينة، بعد عدة أيام، ولم يتبقَ لمقاتلي الكردستاني سوى جيوب صغيرة. بعض الأزقة على التخوم.

في هذه الأثناء كان الإعلام العالمي يرصد مئات ألوف المدنيين الهاربين وهم يعبرون الطرق الترابية نحو الداخل التركي. نساء وأطفال يفترشون الطرقات في المدن والبلدات التركية القريبة. في الواقع هؤلاء لم يكونوا سوى ضحايا، استفاد منهم الكردستاني لجذب الانتباه. وتوجهت أنظار العالم لقوات الكردستاني وارتفعت الأصوات بضرورة تقديم السلاح والدعم لقوات الحماية الكردية. الجناح السوري العسكري للكردستاني.

 وبالعودة الى جمهورنا. العالمي، الذي كان يتابع مجريات المعارك على خلفية صور المدنيين العزل. انتقل الكردستاني نحو مساحة أوسع. دخل السوق الإعلامية الدولية وأقنع المجتمع الدولي بأنه طرف يمكن الاعتماد عليه، طيع ويسمع الأوامر أيضاً. لا وفوقها يملك مقاتلات جميلات تم تسويقهن جيداً في المحافل الدولية.

هكذا كانت معركة “كوباني” نقطة الانعطاف نحو النجومية العالمية بالنسبة للكردستاني ولم يعد تاجر الشنطة يرضى بالفتات، والأجور تتناسب طرداً مع النجومية. ومع زيادة الإقبال على خدماته ارتفعت مطالبه، وهذا ما دفعه نحو المزيد من سياسات احتكار الشأن الكردي. زاد من القمع والتهجير وإلغاء المختلف، وزادت حاجته للمقاتلين المأجورين، وصلت الحال لتجنيد كبار السن والأطفال، واليوم يحاول أن يجد لنفسه مكاناً في تسويات الحل السوري، كلاعب مهم أثبت جدارته.

بورصة الشهداء:

 

لم يكن غريباً أن يدخل الشهداء في سياسات خطاب العمال الكردستاني كما فعل حزب الله اللبناني، وعلى خلاف كل حركات التحرر العالمية والجيوش النظامية، تلك التي تعتبر سقوط مقاتليها خسارة تستدعي المراجعة وإعادة الحسابات وتغيير الاستراتيجيات، يعتبر الكردستاني ذلك إنجازاً عظيماً، لا بل يسعى نحو دفع المزيد من جمهوره لحمل هذا اللقب. سقوط الشهداء يعني بالنسبة لمنظومته صواب سياساته والمضي فيها. لهذا نجد أغلب خطابات قادته حافلة بتمجيد الشهداء. دماءهم وحدها هي التي تمهد الطريق نحو تحقيق الأهداف. هذه العلاقة الطردية بين الدماء وتحقيق الحلم الشعبي. كردستان، رسخها الكردستاني لدى جمهوره وباتت من المسلمات التي يصعب نقاشها أو التحدث عنها. وهنا أيضاً لا بد من سوق مثال يساعد على فهم آلية خطاب الشهداء.

الشاب الكردي (ف. م) ينحدر من إحدى القرى الحدودية في منطقة عفرين. لم يكن يجيد الكردية ولم تكن لديه ميول سياسية أو ثقافية. فشل في دراسته الثانوية والتفت للعب كرة القدم مع نادي الحرية الحلبي. لوحظ عليه قبيل اختفائه الأبدي في أواخر الثمانينات أن ثمة تغيرات حدثت في دائرة اهتماماته. كلمات معينة استجدت على معجمه اللغوي البسيط، من قبيل القائد “أبو” أوجلان.  يقول إن تحرير كردستان ضرورة وأن تحرير كردستان تركيا ضرورة تاريخية. مفردات وأحاديث مشتتة ومفككة. لم يكن يجيد التحدث بالسياسة. كانت لعبة كرة القدم كل هاجسه وطموحه. لكنه وقع بالفخ من خلال فتاة كانت تربطه بها علاقة انتهت به إلى جبال قنديل وسط ذهول عائلته التي كانت تحاول أن تبتعد بنفسها عن أية تبعات سياسية يمكن لها جلب رحلة من المتاعب. بعد عدة سنوات انقطعت أخبار (ف. م). فقد الاتصال به، في هذه الأثناء كانت تتوالى أسماء الشهداء من قنديل بين الفترة والأخرى. تسريب الأسماء كان يتم بالقطارة. وقد حاول أهل الشاب مراراً الاستفسار عنه دون فائدة. كانت قيادات حلب تكتفي بجملة مقتضبة. عايش وسعيد بما يقوم به، اطمئنوا. هذه الجملة كانت بمثابة الوصفة الجاهزة لكل من يسأل عن أولاده، ممن غرر بهم ودخلوا تلك الحرب المزعومة من أجل تحرير كردستان.

لكن في أواخر التسعينات. أي بعد التحاق (ف. م) بصفوف العمال الكردستاني بعدة سنوات، وبعيد اعتقال اوجلان بأشهر قليلة. التقينا مع أحد الهاربين من جبال قنديل. كان شاباً في الثلاثينات من العمر. بحي الشيخ مقصود. الفقير. ذو الغالبية الكردية. الحي الذي كان بمثابة خلية نحل لعموم الأحزاب الكردية واليسارية السورية، وهو يعتبر اليوم قلعة من قلاع حزب العمال الكردستاني يدافع عنها بشراسة، كان الشاب يستعد للتوجه نحو أوربا. لم يكن أمامه سوى خيار الهروب. إما أن يعتقله الأمن السوري. الهاربون تحديداً كانوا يلقون معاملة قاسية وسنوات سجن طويلة، أو أن ينتظر مصيره المحتم على يد رفاق الأمس. تحدثنا طويلاً عن تفاصيل السنوات التي قضاها في جبال قنديل، حتى عن نوع الطعام وعلاقات الحب والتدريب والمعارك. عن كل شيء. رغم خوفه ومحاولات تهربه استطعت الحفر في ذاكرته بمساعدة أحد الاصدقاء الذي منحه الأمان لجره للسرد. أوقعنا به في تلك الجدلية المفرطة التي كنا نمتاز بها نتيجة حماسنا وشغفنا بكتب اليسار. كنا صورة أخرى لا تقل عن راديكالية حزب العمال الكردستاني ولكن بدون عنف. كان التدخين من طقوس النقاش. لا معنى للمعارك والسجالات بدون دخان. كان الشاب يخاف البوح، لم يكن يمتلك الثقة الكافية نتيجة وضعه الحرج.  سألته بعد أن فرغت جعبتي من الأسئلة وأخذ النعاس يتسلل إلى عيوننا. هل تعرف (ف. م)؟ نزل سؤالي عليه كما الصاعقة. حدق في ملياً وسألني بخوف. من أين تعرف (ف. م)؟ سؤالي طرد النعاس عن جفنيه وحفزه على البوح بأسرار جديدة بعد أن تأكد من العلاقة المتينة السابقة بيني وبين (ف. م). في النهاية رمى بالحقيقة التي أفزعتني وأحزنتني. (ف. م) تم قتله بعد محاولة هروب فاشلة من قنديل. قبض عليه في اللحظة الأخيرة. جيء به وربط إلى جذع شجرة بعد أن جرد من ثيابه. تم دهنه بمخلفات الطعام لجذب الحشرات التي أوسعت جسده لسعاً ثم أخذ إلى مكان ما واختفى إلى الأبد (20). احتفظت بهذا السر. تفاجأنا فيما بعد. بعد سنوات، بانتشار خبر استشهاد صديق الطفولة (ف. م).

تكشف قصة (ف. م) عن جوانب حقيقية غير تلك التي نتخيلها عن قدسية الشهادة التي يتظاهر بها الكردستاني. حيث اعتاد العمال الكردستاني على التكتم عن إعلان أسماء الشهداء. سواء قتلوا في المعارك أو نحروا على يد رفاقهم نتيجة محاولات هروب فاشلة، أو وشاية بتهمة الخيانة والتمرد على الأوامر. طيلة سنوات كره وفره مع الجيش التركي اتبع الكردستاني هذه الطريقة. التكتم على قتلاه وخساراته. ثم يتحين التوقيت المناسب ويحول الخسارة إلى عرس جماهيري. حسب قاموس مصطلحاته.

 الكشف عن أسماء الشهداء كان وما يزال يخضع لجملة من الظروف السياسية الداخلية والخارجية تتحكم بهذا الموضوع. هناك فترات كساد. لا معنى لإعلان أسماء الشهداء. الجبهات هادئة أو ثمة مشاريع سلام تلوح في الأفق أو أن هناك ظروف دولية تسيطر على المزاج العام للجمهور. تشغله عن إطار الاهتمامات المحلية. الشهداء هم بالنهاية رصيد. مدخرات. يجب عدم الإفراط بهم في تجارة خاسرة. تماماً، كما يسعى تاجر الشنطة إلى الابتعاد عن المغامرات الغير مجدية في أوقات غير مناسبة. ما فائدة كميات وفيرة من البضائع في غير مواسمها. تلك هي الحقيقة الدامغة. العديد ممن سقط قتيلاً لم يعرف ذويهم بالأمر إلا بعد مرور سنوات طويلة. حتى عندما يتسرب نبأ استشهاد البعض منهم كان الكردستاني يسارع لنفي تلك الأخبار. يعيّشون الأهل على أمل أن يعود أولادهم ذات يوم. مع مرور الزمن كان يتم ترويضهم لتقبل تلك الحقيقة المرة. البعض كان يصل لحد أنه يريد سماع خبر استشهاد ابنه او ابنته ليتخلص من القلق الذي يساوره لسنوات. تلك كانت إحدى منهجيات امتصاص نقمة الأهالي وتجنب ردات الفعل. خاصة مع ذوي الميول الرافضة لالتحاق أبنائهم بالقتال.

وهنا نذكر مثالاً أخر عن نجل الراحل. أبو صلاح. الفنان الكردي المشهور. ففي حديث دار بيني وبين الراحل يخص ابنه غيفارا الذي استشهد هو الآخر في قنديل. كان معروف عن الراحل رفضه لنهج وسلوكيات حزب العمال. كان ناقماُ عليهم بسبب خطف الكردستاني لأحد أولاده وسحبه إلى قنديل. أعتقد كان في الرابعة عشرة عندما غرر به. طفل. إلى أن استسلم الراحل أبو صلاح لتلك الحقيقة المرة. رضخ للأمر وحاول مراراً إيجاد مخرج لإنقاذ ابنه من الورطة. كان يتصل به من وقت لآخر. سراً، ربما عبر وسيط، كلما سنحت لابنه الظروف بالتحدث. ذات مرة قال لي: بت أخاف عليه أكثر من ذي قبل. قلت له لماذا؟ ما الذي تغير حتى تزداد مخاوفك. أجاب. يعرفون أنني أتصل به. حتى هو- أي ابنه-  بات يخشى من تواصله مع والده. لم تمضي أشهر حتى تم الإعلان رسمياً من قبل العمال الكردستاني عن استشهاد غيفارا.

حادثة استشهاد ابن الفنان أبو صلاح تفتح الباب على نقطة مختلفة لابد من الإضاءة عليها قبل الانتقال إلى محاور جديدة، وهي أن ثمة سياسة خادعة اتبعها الكردستاني إزاء خصومه ممن اختلفوا مع نهجه، تقوم على التركيز على جذب الشباب الكردي، بمن فيهم الأطفال، من البيئات ذات الميول الرافضة لسياساته. وهذا ما حدث تماماً مع المرحوم أبو صلاح. كان اصطياد ابنه ليس سوى عملية لإغراق العائلة بأكملها في مستنقع الكردستاني. تكتمل تلك الصورة التراجيدية بتحويل هؤلاء الشباب. الضحايا. إلى سلعة يتم إعادة انتاجها من خلال التضحية بهم عمداً أو من خلال مجريات المعارك ليتحولوا إلى شهداء. هؤلاء الشهداء ليسوا في الواقع سوى تلك الحفرة التي يقع فيها الأهالي. يرضخون بالنهاية لتلك الحقيقة التي تضعهم أمام اختفاء أولادهم. والبعض منهم بحكم العواطف والحميمية يلجون اللعبة من أوسع أبوابها. لأن العملية لا تتوقف عند هذا الحد، إنما يتم سحب ذوي الشهداء نحو الحزب عبر مؤسسات مثل عوائل الشهداء، تقام لهم الاحتفالات والمكرمات في كل مناسبة. وما أكثر هذه المناسبات. أوسمة معدنية وصور وشعارات. هذا كل رأسمالهم. ليرى الأهالي أنهم صاروا ضمن دائرة تحيط بهم من كل جانب. لا مناص أمامهم سوى الرضوخ تخليداً لذكرى أولادهم وأحبتهم.
تلك السياسات الخادعة. المدروسة بعناية فائقة، كثيراً ما أوقعت بخصوم العمال الكردستاني. الكثير من العوائل الكردية ذات الميول المناهضة كلياً لفكر ونهج الكردستاني. خاصة تلك المنضوية لنهج البرزاني، هذه العائلات تحديداً تم خطف أولادهم وتجنيدهم. والملاحظ أن أغلب هؤلاء الفتية يتحولون إلى شهداء. بقدرة قادر. هل هي الصدفة أم دهاء الميليشياوية التي تسيطر على منظومة الكردستاني؟ على الأغلب هؤلاء الشهداء الذين ينحدرون من البيئات المعارضة للكردستاني، ليسوا أكثر من أداة للعبور إلى داخل أسوار تلك العائلات المنيعة أمام تمدد الكردستاني. توغل، ومن ثم نسج العلاقات وبث الإيديولوجيا في مراحل تالية. ونتيجة هذه الثقافة. ثقافة صناعة الشهداء. والتي ترافقت مع ازدهار مقابر الشهداء. اليوم تكاد لا تخلو منطقة كردية من هذه المقابر التي يتباهى بها الكردستاني. كما ظهرت عشرات المؤسسات الخاصة بعوائل وأمهات الشهداء، ولدى الاطلاع على النظم الداخلية الخاصة ببعض هذه المؤسسات نجد المحتوى ينصب بالدرجة الأولى على الضخ الإيديولوجي للكردستاني. نشاطات واجتماعات غايتها رفع منسوب الدم. لم أجد أية مواد تخص رعاية أسر وأبناء الشهداء. فقط المادة الأخيرة. السادسة عشرة، من مؤسسة عوائل الشهداء (21) بعفرين تتطرق بشكل مقتضب إلى توفير الرعاية الصحية والتعليم لعوائلهم. دون الدخول في التفصيلات، بينما تسرد باقي المواد ضرورة أرشفة الشهداء وصنع أفلام وكتب عنهم، ولا تنسى إحدى المواد بضرورة إقامة مقابر إضافية. اذ ترد مثلاً في المادة العاشرة الجملة التالية (متابعة إنشاء مقبرة شهيد سيدو وشهيد رفيق). حتى أنها قامت مؤخراً بنقل رفات شهداء الانتفاضة الكردية عام 2004 إلى ملاك مقابرها. رغم اعتراض الأهالي (22).

المراجع:

(1) – مفهوم تاجر الشنطة ربما اشتق عن فئة العاطلين عن العمل ممن استسهل مهنة التجارة وبحث عن الربح السريع. الغير مكلف. هذه الفئة في واقع الحال لا تخضع لأنظمة قوانين السوق وضوابطها، أي يمكن اعتبارها خارج نطاق سيطرة الدول التي تعمل على مكافحتها والحد من أضرارها، وليس لأخلاقيات المهنة أي اعتبار ضمن ثقافة تاجر الشنطة. تأخذ هذه الفئة الشاردة بمفهوم. الغاية تبرر الوسيلة، للحصول على الربح المنشود. لذا فهي لا تتوانى عن عمليات الغش والخداع والمراوغة وحتى تبديل أصناف تجارتها المحمولة ضمن شنطة. حقيبة.
(2) – موقع حزب العمال الكردستاني.
(3) – موقع يكيتي ميديا. هوشنك اوسي.
(4) – معهد العربية للدراسات. هوشنك اوسي. العمال الكردستاني وايران
(5) – الموقع الرسمي لقوات حماية المرأة.
(6) – الموقع الرسمي لقوات الحماية الشعبية.
(7) – الموقع الرسمي PYD
(8) – المركز الكردي للدراسات NLK.
(9) – راجع نظرية سلوك القطيع لدى الحيوانات. هاملتون.
(10) – راجع محمد طلب هلال. ضابط أمن. دراسة اجتماعية اقتصادية حول الجزيرة. طبع عام 1968.
(11) – للمزيد راجع سيكولوجيا الجماهير. لوسيان لوبون. مقدمة هاشم صالح ص30، دار الساقي.
(12) – مقابلة شخصية مع الشاب جرت في أواخر الثمانينات.
(13) – mmc قناة تابعة للعمال الكردستاني تبث فقط الأغاني الحماسية على مدار الساعة، وتلقى رواجاً بين الفئات الشعبية.
(14) الفيلم متوفر على موقع وحدات حماية المرأة.
 (15) – أرشيف يكيتي ميديا.
(16) – موقع روداو. حزب الاتحاد الديمقراطي يعتذر عن “مجزرة” تل غزال في كوباني.
(17) – سيكولوجية الجماهير. لوسيان لوبون..
(18) – تم الترويج لأكاذيب طالت حياته الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
(19) – صحيفة الحياة. تقرير عن ملابسات الحادثة. 3-ايلول-2015
(20) – تنويه: طريقة القتل هذه معروفة لدى أغلب من قابلتهم من العناصر المنشقة عن العمال الكردستاني، حتى أحياناً عندما يسأل البعض من العناصر عن رفاقهم المختفين يقال لهم. ذهب إلى باريس. كناية عن التخلص منه وقتله.
(21) – وكالة أنباء هاوار. عنوان الخبر. مؤسسة عوائل الشهداء تجدد إدارتها في عفرين ونواحيها. 11-2-2016
(22) – موقع روداو. مؤسسة عوائل الشهداء تنقل رفاة شهيدة لمقبرتها بعفرين رغم رفض أهلها.18-4-2016.

ملحق بأسماء وسائل إعلام العمال الكردستاني في سوريا:

 

– الموقع الرئيسي للعمال الكردستاني – كردي – عربي- تركي
– الموقع الرئيسي لحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا
– الموقع الرئيسي لحزب الحياة الحرة في إيران
– موقع قوات حماية المرأة ypj
– مجلة قوات حماية المرأة
– موقع قوات الحماية الشعبية ypg
– موقع الشهداء. hpg-sehit.
– موقع الأسايش asayish.
– موقع فيدرالية روجافا شمال سوريا fdr-bs
– موقع anfarabic بالعربية والكردية والتركية والفارسية والانكليزية
– وكالة انباء هاوار عربي- كردي- تركي
– موقع خبر 24
– الموقع الرسمي لحركة الشعب الكردستاني serxbon
– جريدة سرخبون الورقية serxbon
– إذاعة جودي تبث من عامودا
– مجلة الحرية (آزادي) الورقية كانت ناطقة باسم الثورة السورية منذ 2011
– مجلة مزكين الورقية للأطفال
– جريدة روناهي الورقية RONAHI
– قناة روناهي
– قناة م م سي الغنائية.
– قناة ستار.
– مجلة اتحاد ستار الورقية
– موقع ستار
– موقع اتحاد الشبيبة الديمقراطي
– مجلة آفاق المرأة (أسو جيان)
– مجلة فيان الثقافية والفنية
– إذاعات محلية في كوباني وعفرين والقامشلي
– الموقع الرئيسي للإدارة الذاتية في عفرين
– الموقع الرسمي للإدارة الذاتية في كوباني
– الموقع الرسمي للإدارة الذاتية في القامشلي
– وكالة ما بين النهرين مقرها ألمانيا
– موقع أرارات
– جريدة GUNDEM تطبع في تركيا
– شبكة صدى الأنين DENHA كردي عربي
– موقع روج نيوز. rojnews
– موقع نسوي باسم (المسلة) /gazetesujin – كردي عربي تركي إنكليزي
– جريدة آزادي ولات يومية AZADIA WELAT تصدر في تركيا
– موقع komunar يهتم بالفكر
– جريدة أوزكور بوليتيكا OZGUR POLITIKAHG الورقية   كردي- تركي

عن موقع معهد العالم للدراسات