لا يمكن لأمريكا إعادة عقارب الساعة في الشأن الإيراني

 إ.هيثم حسنين و وسام حسنين

اعتمدت إدارة أوباما سياسة إقليمية هدفت إلى إعادة دمج إيران في الأنظمة الإقليمية والدولية على أمل إرساء الاستقرار في الشرق الأوسط. وكانت هذه الرغبة غير الواقعية بالعودة بالزمن إلى الوراء النية الأساسية وراء إبرام الاتفاق النووي عام 2015. ويدّعي مؤيدو هذه النظرية خطأً أنه قبل الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، دعمت الولايات المتحدة على حد سواء نظام الشاه والدول الخليجية واضطلعت بدور الدولة التي أرست الاستقرار في الخليج. وبالتالي، على دول الخليج الآن التوصّل إلى تفاهم ومشاركة غنائم المنطقة مع إيران من أجل ترسيخ الاستقرار وتخفيف الأعباء الأمنية على الولايات المتحدة. وتكمن الأسباب الرئيسية وراء هذا الفهم الخاطئ للنظام الإيراني في الميول إلى التغاضي عن طبيعتها الدينية والثورية مع التقليل في الوقت نفسه من شأن مدى تغيّر دول الخليج بشكل ملحوظ منذ سبعينيات القرن الماضي.

ولم يكن نظام شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي ثورياً ولا دينياً. وبالفعل، أنه بنى شرعيته على الهوية الفارسية القديمة التي تعود إلى آلاف السنين. فقد كان الشاه نفسه قومياً إيرانياً سعى إلى تعزيز مكانة بلده في المنطقة. غير أنه لم يتخذ أي خطوة ثورية ولم يحاول الإطاحة بالأنظمة الخليجية أو يحاول تشكيل مجموعات وكيلة وجماعات مموّلة عسكرياً- باستثناء الأكراد العراقيين بسبب النزاع على المياه والحدود مع العراق. وقد ضحى بهم بكل سرور عام 1975 بعد توقيعه اتفاقية الجزائر الشهيرة مع صدام حسين والتي أنهت خلافه مع بغداد.

وفي المقابل، بنى قائد الثورة الإسلامية آية الله الخميني نظاماً ثورياً ودينياً إلى حدّ كبير، لا يزال قائماً حتى يومنا هذا. ويتسبب نظام آية الله ذو الطبيعة الدينية والثورية بنشر متواصل لأفكاره الثورية الإسلامية خارج حدود إيران. وتسعى هذه الرسالة الثورية إلى الإطاحة بحكومات الشرق الأوسط الحالية من خلال تعبئة شعبية يتمّ استبدالها بأخرى إسلامية ودينية تحافظ على الحكم على يد رجال دين.

وعمليّاً، تحول هذا الفكر الثوري الإسلامي إلى دعم لجهات إسلامية فاعلة غير حكومية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. فمن جهة، في الدول ذات شريحة سكانية كبيرة من الشيعة، تدعم إيران الشيعة كما هو الحال مع «حزب الله» اللبناني. ومن جهة أخرى – وخلافاً للحكمة التقليدية – تدعم إيران الجماعات شبه العسكرية السنّية في البلدان التي يوجد فيها عدد قليل من الشيعة، إن وجدوا. وتتمثّل إحدى هذه الحالات بحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» السنّيتين في فلسطين.

ويتمثل فارق مهم آخر في أن الشاه لم يكن صاحب إيديولوجيا دينية، خلافاً لحكام إيران الحاليين. فالنظام الديني الذي يحكم طهران في الوقت الراهن يرغب في فرض تفسيره الفريد والضيّق للمذهب الشيعي، والإسلام ككل، على العالم الإسلامي. وعلى وجه خاص، تزوج محمد رضا بهلوي الشيعي – الذي كان ولي العهد الإيراني آنذاك – من شقيقة ملك مصر فاروق الأول السنّية لمدة تسع سنوات من دون إحداث سخط شعبي يُذكر في أي من البلدين. وفي موازاة ذلك، صنّف الخميني وخلفاؤه أنفسهم قادة لجميع المسلمين، بخلاف الشاه، الذي لم يحاول قط قيادة جميع المسلمين أو الشيعة ولم يرغب حتى في ذلك.

بالإضافة إلى ذلك، واجهت دول الخليج والشاه الأعداء نفسهم في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وتراوحت التهديدات المشتركة بين الشيوعية الثورية للاتحاد السوفياتي وبين الاشتراكية الثورية والقومية العربية في مصر والعراق وسوريا. ومع ذلك، ففور اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، تحولت كل من دول الخليج وإيران إلى عدوين لدودين بسبب الطبيعة الثورية والدينية للنظام الإيراني. وعلاوة على ذلك، ظهرت حلقة مفرغة حيث شكّل العراق ما قبل عام 2003 ودول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية، أعداء إيران الرئيسين والعكس بالعكس. وباختصار، كانت رغبة إيران الشديدة في نشر الثورات الدينية في أنحاء الشرق الأوسط في أعقاب عام 1979 المصدر الأساسي لعدم الاستقرار في المنطقة منذ ذلك الحين.

وحتى عام 1971، كانت لندن تحمي دول الخليج الأصغر حجماً من النفوذ الإيراني. بعد ذلك، ملأت الولايات المتحدة الفراغ بانحيازها نحو إيران الأكثر قدرة. ومن غير المرجح أن تتكرر هذه الهيكلية في الوقت الحاضر. فدول الخليج أصبحت الآن أكثر حيوية وتشهد ازدهاراً أكبر، كما أنها أقوى عسكرياً. بالإضافة إلى ذلك، برزت هويات وطنية تقاوم الهيمنة الإيرانية والفارسية في جميع أنحاء الخليج.

ومن الخطأ معاملة إيران كنظام قومي عادي يمكن التسامح معه أو المساومة معه. فالكثيرون في واشنطن مارسوا الضغوط على إدارة أوباما لإبرام الاتفاق النووي مع إيران اعتقاداً منهم أنّه يمكن التفاهم منطقياً مع طهران. وقد حان الوقت لتسوية الأوضاع وكشف الوجه الحقيقي للثيوقراطية الإيرانية، مع تذكر واقع أن المنطقة تغيّرت جذرياً منذ سبعينات القرن الماضي.

على إدارة ترامب اعتماد استراتيجية مختلفة عن إدارة أوباما. فيتعين على الرئيس الأمريكي تمكين إسرائيل والسعودية لتصبحا الركيزتين الأساسيتين للاستراتيجية الإقليمية الجديدة في الشرق الأوسط.

هيثم حسنين هو زميل “غليزر” في معهد واشنطن. وسام حسنين طالب مرشح لنيل شهادة الماجستير من “كلية الخدمة الدولية في الجامعة الأمريكية”.

عن موقع معهد واشنطن