معضلة مزدوجة… الأزمة السورية بين تعثر التسوية ومحاربة الإرهاب


إ,صافيناز محمد أحمد

شهد الصراع السوري ببعديه الإقليمي والدولي خلال عام 2017 تطورات متعددة، بدأت من سياقات التحول النوعي في العلاقة بين كل من روسيا وتركيا وإيران بضمانة عمليات وقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة، وهو التحول الذي أسفر عن جملة من المستجدات التي كان أبرزها إقرار المبادرة الروسية بمناطق خفض التصعيد، وتحول دور المعارضة بمقتضى تلك المبادرة من محاربة النظام إلى محاربة الإرهاب. وفرضت روسيا وفقا لذلك رؤيتها لترجمة الواقع العسكري الجديد بين النظام والمعارضة لصالح الأول عبر مسارات الأستانة، مقابل استمرار مسارات التسوية السياسية بجولات جنيف المختلفة لبحث القضايا الأربع المنبثقة عن القرار 2254 لعام 2015 والمتمثلة في الانتقال السياسي، والدستور، والانتخابات، ومحاربة الإرهاب.

وبالرغم من ذلك فإن المسارين – الأستانة وجنيف – لم يسهما بشكل جدي في حلحلة الأزمة السورية تجاه التسوية، ولم ينجحا حتى الآن في تهيئة كاملة لبيئة دولية وإقليمية على استعداد لإنجاز حل سياسي للأزمة. كل ذلك في الوقت الذي قاربت فيه عمليات محاربة تنظيم الدولة (داعش) من الانتهاء، وأصبحت خريطة الاستحواذ على إرث ذلك التنظيم مقسمة بين النظام برعاية حليفيه الروسي والإيراني من ناحية، وقوات سوريا الديمقراطية برعاية الحليف الأمريكي من ناحية ثانية. هذا الوضع دفع بروسيا إلى إعلان الانتصار على الإرهاب في سوريا، وانتهاء مسارات العمل العسكري والبدء في مرحلة العمل السياسي نحو التسوية المأمولة. هذا التوجه تزامن مع بعض التطورات النوعية التي دفعت إلى التفاؤل بشأن بدء مرحلة لتسوية سياسية فعالة خلال الجولة الثامنة من مؤتمر جنيف الذي عُقد في نوفمبر 2017، لاسيما بعد اقتراب مرحلة القضاء على تنظيم الدولة من الانتهاء، إلا أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدد على وقع فشل مسار جنيف الثامن في إحداث الاختراق المأمول.

أولًا: تطورات الأزمة خلال عام 2017

ونناقش هنا تطورات الأزمة على مسارين، الأول هو المسار العسكري، والثاني هو المسار السياسي.

1- تطورات الوضع العسكري

كان هناك محددان رئيسان لتطورات الوضع العسكري، الأول هو مناطق السيطرة بين القوى الدولية والإقليمية، والثاني هو مناطق السيطرة بين النظام والمعارضة وتنظيم الدولة.

أ- مناطق السيطرة بين القوى الدولية والإقليمية

خريطة النفوذ والسيطرة العسكرية في سوريا بين القوى الدولية والإقليمية في نهاية عام 2017، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1- ضمان روسيا لمصالحها الاستراتيجية في سوريا التي بدأتها بحماية نظام بشار الأسد من السقوط، وانتهت بدعمها ومساندتها العسكرية والسياسية للنظام في إحكام سيطرته على مجمل محافظات حلب وحمص وحماة ودمشق واللاذقية ومناطق الساحل كاملة، أو ما سمته موسكو عام 2015 بـ “سوريا المفيدة”، وذلك عبر مبادرة خفض التصعيد والتوتر بين النظام والمعارضة التي أقرتها موسكو وضمنت، إلى جانب تركيا وإيران، عمليات وقف القتال فيها. هذا فضلا عن ترسيخ روسيا لتواجدها العسكري في قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية، إلى جانب إنشاء قاعدة في عفرين بشمال حلب.

وبالتالي أصبحت مناطق الساحل والوسط والغرب السورية تخضع في مجملها لسيطرة النظام بدعم روسي جوي، ودعم إيراني بري عبر العديد من الميليشيات الشيعية المختلفة. هذا فضلا عن مناوءة التواجد العسكري الأمريكي في الشرق السوري عبر رسم موسكو لحدود نفوذها في تلك المناطق بدعم قوات النظام السوري بمظلة جوية مكنته من السيطرة على مساحات شاسعة من محافظة دير الزور، بما يعيد سيطرته على حقول النفط والغاز الموجودة في تلك المحافظة، وبذلك تضمن موسكو مصالحها الاقتصادية في سوريا إلى جانب مصالحها العسكرية.

2- التدخل العسكري الأمريكي في مناطق الشرق والشمال الشرقي السوري عبر دعم قوات سوريا الديمقراطية الكردية لاسيما في الرقة ودير الزور عسكريا ولوجستيا، حيث تتواجد قوات عسكرية أمريكية لدعم تلك القوات في مواجهتها لتنظيم الدولة عبر نشر قوات خاصة من المارينز ووحدات للمدفعية ومراكز لتقديم الخبرة والمشورة والتدريب العسكري.

هذا فضلا عن توسيع نطاق إنشاء قواعد عسكرية أمريكية في الأراضي الكردية بشمال شرق سوريا. كما أن التمركز الأمريكي في الشرق السوري بالقرب من الحدود مع العراق، يمكن الولايات المتحدة من قطع الطريق على إيران ومشروعها الإقليمي؛ بقطع ممر التواصل بين ميليشياتها العاملة في كل من العراق وسوريا، ومساعيها للسيطرة على منطقة الحدود العراقية السورية.

3- تقاسم النفوذ والسيطرة بين روسيا والولايات المتحدة في مناطق الجنوب السوري برعايتهما لعملية وقف إطلاق النار في يوليو 2017 بين الميليشيات الإيرانية الداعمة للنظام السوري، و”قوات مغاوير الثورة” التابعة للجيش السوري الحر التي كانت محاصرة من قبل الميليشيات الإيرانية في منطقة الجنوب. وقد تلخص مضمون الاتفاق في انسحاب الميليشيات الإيرانية وحلفائها من المناطق التي وصلت إليها في الجنوب الغربي من سوريا، مقابل مواصلة مسارها العسكري في مناطق شرق البلاد حيث المواجهة مع تنظيم الدولة.

وكان هذا التوجه الإيراني نوعا من الضغط على الاستراتيجية الأمريكية في سوريا، وتوصيل رسالة مفادها أنها قادرة على تهديد أحد أهم حلفاء واشنطن في المنطقة، وهي إسرائيل حيث الحدود مع الجولان المحتل.وفي مرحلة لاحقة دخلت منطقة الجنوب السوري بمحافظاتها الثلاثة درعا والقنيطرة والسويداء نطاق مناطق خفض التصعيد الروسية بموافقة الولايات المتحدة.

4- احتفاظ تركيا والجيش السوري الحر المتحالف معها بالسيطرة على المنطقة ما بين جرابلس والباب وإعزاز في الشمال،وبجيب كبير في إدلب إلى الغرب من حلب، وذلك بعد الحرب مع تنظيم الدولة في تلك المناطق. هذه السيطرة وفرت لتركيا قطع الطريق على قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيا من مواصلة تقدمها نحو ربط الكنتونات الكردية الثلاثة (الحسكة، وعين العرب كوباني، وعفرين)، وتكون بذلك قد قطعت الطريق على قيام كيان كردي على حدودها الجنوبية.

5- بدء تركيا، بنهاية عام 2017، رفع درجة الاستعداد العسكري على الحدود مع سوريا للقيام بعمليات عسكرية محتملة في محافظة إدلب، وبلدة عفرين في شمال غرب حلب. العمليات العسكرية في المناطق المذكورة تستهدف ميليشيات هيئة تحرير الشام (بالنسبة لإدلب)، وفصائل تابعة لقوات سوريا الديمقراطية (بالنسبة لبلدة عفرين).

6- تواجد إيران عبر ميليشيات شيعية متعددة في جميع مناطق تواجد قوات النظام السوري في كل “سوريا المفيدة” (حمص وحماة وحلب ودمشق واللاذقية)، وفي بعض مناطق الشرق السوري (أجزاء كبيرة من دير الزور بالقرب من الحدود مع العراق).

ب- مناطق السيطرة بين النظام والمعارضة وتنظيم الدولة

بحلول ديسمبر 2017 عكست خارطة النفوذ العسكري في سوريا تزايد مساحة السيطرة الجغرافية لقوات النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية، مقابل تراجع النفوذ الجغرافي لكل من تنظيم الدولة والمعارضة المسلحة، حيث بلغت نسبة سيطرة النظام والقوات المتحالفة معه (52.8%)، بينما تقلصت مساحة سيطرة التنظيم لتصبح (8.0%). وهناك تصريحات روسية تقول بأن مساحة سيطرة التنظيم باتت أقل من (5.0%). أما المعارضة المسلحة فتسيطر على (13.8%). بينما أصبحت قوات سوريا الديمقراطية مسيطرة على (25.4%) من الأراضي السورية، وتسيطر بمفردها على (90%) من أحياء مدينة الرقة.

2- تطورات التسوية السياسية

عُقدت العديد من جولات التفاوض الخاصة بمؤتمري الأستانة وجنيف خلال عام 2017، وعكست تلك المسارات أوجه الصراع والتقارب الإقليمي والدولي بشأن الأزمة؛ وهي الجولات التي لم تسفر حتى الآن عن تسوية فعلية.

بالنسبة لمسارات مؤتمر الأستانة جاء عقد المؤتمر بدعوة روسيا التي رأت ضرورة ملحة في تدشين مسار تحت رعايتها، يبلور رؤيتها للتسوية في سوريا بعيدا عن مسار التفاوض في جنيف، الذي لم تقبل مخرجاته منذ جولته الأولى وحتى الآن. ويهتم مسار الأستانة بسياق التفاعل المباشر بين النظام والمعارضة على أرض الصراع الميدانية؛ أي يتولى ترجمة واقع الصراع الميداني إلى مسارات تسوية للأوضاع العسكرية داخليا بين طرفي الصراع.

وقد عُقدت ثمانية جولات من الأستانة خلال الفترة من يناير وحتى 22 ديسمبر 2017. وكانت جلسات التفاوض تتم بصورة غير مباشرة بين وفدي النظام والمعارضة. وقد أقرت تلك الجولات عمليات وقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة، وإقرار ضمانات دولية جادة تكفل استمرار مراقبة مسار وقف إطلاق النار، وتحديد مناطق مواجهة تنظيم الدولة وهيئة تحرير الشام، وإنشاء مناطق خفض الصراع والتوتر وهو الاختراق الأهم في الأزمة السورية خلال العام المذكور؛ والذي جاء ترجمة لحالة من التوافق الثلاثي بين كل من روسيا وتركيا وإيران أو ما عرف بالدول الضامنة لعمليات وقف إطلاق النار في مناطق خفض التوتر.

كما وضعت تلك المسارات آلية لتبادل المعتقلين بين النظام والمعارضة المسلحة، وضمنت مشاركة المعارضة السورية المسلحة في مباحثات غير مباشرة مع نظراء روس وسوريين، كما حددت خرائط المناطق التي لم يشملها تخفيض التصعيد، واعتبرتها من المناطق التي لاتزال في طور التحديد والترسيم، ومنها مناطق الشمال السوري الكردية التي لم تُحسم حدودها، وتخضع لمسارات خريطة المصالح التركية الروسية الأمريكية. ومناطق الشرق السوري حيث مسرح العمليات ضد تنظيم الدولة في الرقة ودير الزور، كما أنها مناطق تشهد وجودًا عسكريا أمريكيا، فضلا عن قاعدة التنف الأميركية على الحدود السورية العراقية الأردنية.

أما مسارات جنيف، فقد عُقد منها أربع جولات خلال عام 2017 خلال الفترة من فبراير وحتى نوفمبر (الجولات من الرابعة وحتى الثامنة)، أبرز مخرجاتها تمثلت في إقرار التفاوض بشأن برنامج “السلال الأربع” التي تناولها قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر في ديسمبر 2015، وهي “تأسيس شكل جديد من أشكال الحكم، وصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، ومحاربة الإرهاب”. فضلا عن تقديم المعارضة وثيقة تتضمن رؤيتها لما أسمته بـ”الإجراءات الدستورية الناظمة للمرحلة الانتقالية”،والتي تقوم على أن جوهر العملية السياسية المأمولة في سوريا يتطلب بحث تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، باعتبارها الخطوة الرئيسية في عملية الانتقال السياسي بموجب قراري مجلس الأمن 2118 و2254.

وقد استبق الإعداد للجولة الثامنة تحديدا آمال بتزايد احتمالات تحريك مسارات الحل السياسي نحو التسوية نتيجة لعدة معطيات منها: إعلان روسيا انتهاء عملياتها العسكرية ضد تنظيم الدولة في سوريا، ودعوتها إلى بدء الإعداد لمرحلة الانتقال السياسي، وقبول النظام السوري بمرجعية جنيف كمسار سياسي بعد تسويات الأوضاع الميدانية في مسارات الأستانة، وتوحيد المعارضة في وفد ضم كافة منصاتها (الرياض، وموسكو، والقاهرة) إلى جانب عدد لا بأس به من الشخصيات الوطنية المستقلة بناء على مخرجات مؤتمر الرياض-2. وقد تفاءلت الأوساط السياسية عالميا بإمكان أن تؤدي تلك المعطيات إلى نتائج إيجابية ملموسة. لكن المرحلة الأولى من الجولة انتهت دون إحراز تقدم يذكر على خلفية رفض الوفد الحكومي استباق المعارضة للمفاوضات بتصريحات تتعلق بضرورة رحيل الأسد من المشهد السياسي الجديد، ما اعتبره النظام شروطا مسبقة.

وحتى مع بدء المرحلة الثانية من المؤتمر وتقديم المبعوث الأممي المعني بالملف السوري ورقة مبادئ مكونة من 12 بندا لوفدي النظام والمعارضة لدراستها وجعلها محلًا للنقاش، لم يسفر ذلك عن حدوث تقدم نوعي في المفاوضات؛ نظرا لاعتراض وفد النظام على تجاوز المبعوث الأممي لصلاحياته كوسيط بطرحه ورقة مبادئ جديدة، في الوقت الذي ظلت فيه المعارضة على موقفها من رفض مناقشة الدستور والانتخابات قبل الانتهاء من مناقشة الانتقال السياسي، وفي مقدمته وضع بشار الأسد من ذلك الانتقال.

ثانيا: السيناريوهات المستقبلية للأزمة خلال عام 2018

السياق السابق يوضح أن مسار التسوية خلال عام 2017 لم يحرز تقدما ملموسا، بل تعرض لعدة عثرات أدت إلى تراجع حظوظ تحقيق اختراق جاد بشأنه، ويرجع ذلك لعدة أسباب نذكر منها:

1- عدم توصل روسيا والولايات المتحدة حتى الآن إلى حالة توافق شبه كاملة بشأن شكل التسوية ومضمونها، بل هناك استمرار لحالة التناقض في الرؤى لاسيما تلك المتعلقة بالمتغير الإيراني في سياق العلاقة بينهما، خاصة بعد التصريحات الأمريكية الداعية لإخراج إيران وميليشياتها من سوريا قبل البدء في مباحثات تسوية نهائية. ثم الحديث عن مصير الأسد في مستقبل سوريا، فضلا عن التصريح باستمرار التواجد العسكري الأمريكي حتى الانتهاء من مرحلة الانتقال السياسي. ما يتعارض بقوة مع مسلمات الاستراتيجية الروسية في سوريا.

2- تعثر مسارات التفاهم بين روسيا وإيران وتركيا؛ فعلى الرغم من أن هذه المسارات أحرزت قدرا من التقدم بشأن بعض الإشكاليات السياسية، إلا أنها لا ترتقي حتى اللحظات الراهنة لحالة تتجاوز كافة الخلافات والتباينات في وجهات النظر. والأمر نفسه ينطبق على حالة التفاهم الأمريكية الروسية التي بدت أنها ستؤتي ثمارا إيجابية بعد لقاء الرئيسين ترامب وبوتين في فيتنام على هامش قمة أبيك في نوفمبر 2017، لكنها سرعان ما تبددت بإعلان روسيا أن الوجود الأمريكي في سوريا يعد احتلالا. وجاء الرد الأمريكي في السياق نفسه بالقول بأن واشنطن تخطط لبقاء قواتها في سوريا حتى البدء في مرحلة الانتقال السياسي.

3- استمرار رفض النظام السوري تقديم أي تنازلات من شأنها تقليص الانتصارات التي حققها على أرض الصراع الميداني، بمساندة عسكرية روسية إيرانية، ورفضه كذلك مطالب تقاسم السلطة مع المعارضة، عبر إصراره على إفراغ مرجعية جنيف من محتواها، فضلا عن تشدده بشأن إجراء أي لقاء مباشر مع ممثلي المعارضة، وخرقه المتكرر للهدنات المعمول بها في مناطق خفض التصعيد. كل هذه الأوضاع تفرض على روسيا أعباء كثيرة بشأن سلوك حليفها السوري تجاه التسوية المأمولة.

4- رغبة النظام السوري في اللعب على وتر التأرجح بين مصالح حليفيه الروسي والإيراني؛ هذا التأرجح يدفعه للوقوف في منتصف المسافة بين ضغوط الحليف الروسي عليه لحمله على الاستجابة لمسارات الحل السياسي، وبين الاستقواء بالنهج العسكري والدعم المفتوح الذي يوفره له الحليف الإيراني. ومن ثم عدم إحداث نقلة نوعية جادة في مسار التسوية. هذا الوضع يمثل إشكالية لروسيا لاسيما في حالة التعارض مع إيران بشأن ملامح التسوية.

5- حالة الاستثمار الروسي في نظام بشار الأسد بحمايته من السقوط تارة، وإضعاف المعارضة المسلحة بتوجيهها، بالتعاون مع تركيا، لمحاربة الإرهاب في مناطق خفض التصعيد بدلا من محاربة النظام، تارة أخرى.هي حالة لن يتم التنازل عنها من قبل روسيا ببساطة، إلا إذا كان في إطار صفقة روسية أمريكية يعتد بها تستدعي التخلي الروسي عن الأسد. وهي صفقة لن تكون مرتبطة بمصالح روسيا في سوريا فقط، وإنما تتجاوز ذلك لتشمل الاعتراف بمصالح روسيا في شرق أوكرانيا.

6- تراجع روسيا عن ممارسة ضغوط على النظام السوري وعلى إيران بشأن الدفع نحو قدر من التنازلات التي يعتد بها بالرغم من امتلاكها كافة أوراق الضغط على الطرفين، لسبب يعود إلى إدراك روسيا أن السياسة الأمريكية تجاة الأزمة السورية لاتزال تتسم بحالة من التردد والغموض.

غير أن ثمة توقعات تشير إلى أن الأزمة السورية “قد” تدخل محطاتها النهائية خلال عام 2018، بناء على التغيرات التي طرأت على خريطة الصراع ببعديها السياسي والعسكري في نهاية عام 2017. وهي التحولات التي كادت أن تؤشر على وجود إنفراجة نحو حل سياسي يجري الإعداد له من قبل روسيا بالتوافق مع تركيا وإيران، بالرغم من تراجع مؤشرات التفاؤل بنضوج هذا الحل، نتيجة لغياب توافق يعتد به بين روسيا والولايات المتحدة وفقا للأسباب السابق رصدها. في هذا السياق تبرز في بعض الأدبيات الإشارة إلى وضع تصورات حول التسوية المتوقعة، يمكن الإشارة إلى بعضها فيما يلي:

السيناريو الأول: تسوية تقوم على استمرار بقاء نظام بشار الأسد خلال مرحلة حكم انتقالية وفقا لدعم روسي إيراني، والقبول بمشاركة المعارضة السياسية في الحكم من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم النظام والمعارضة معا. حظوظ هذا السيناريو كبيرة خاصة بعد أن نجحت روسيا في تسويق النظام كشريك في محاربة الإرهاب لدى الولايات المتحدة. فضلا عن التغيرات التي أحدثتها في سياسات بعض القوى الإقليمية المناهضة له وفي مقدمتها تركيا وبعدها بدرجات السعودية.

ثمة حديث عن تحول نوعي في موقف الرياض من نظام بشار الأسد يجري إعداده في الغرف المغلقة، وأن ثمة اختلاف بين ما تقوله الدبلوماسية السعودية للمعارضة السياسية التي تحظى بدعمها بشأن رفض الرياض لوجود بشار الأسد في سوريا مستقبلا، وبين ما بدأت الرياض التفاوض عليه فعليا، وهو تفاوض قد تعترف فيه ببقاء الأسد، لكنه اعتراف مشروط بمدى نجاح روسيا في “تهذيب سلوك” إيران في ملفات التماس السعودية الإيرانية، وأبرزها الموقف في اليمن ولبنان. ويزيد من فرص تحقق هذا السيناريو أيضا وجود بعض المؤشرات على عملية إعادة للثقة يُجري بنائها على استحياء بين الرياض ودمشق عبر الوسيط الأردني، وبمباركة روسيا.

السيناريو الثاني: تسوية تقوم على بقاء نظام بشار الأسد، على أن تنتزع منه فكرة الحكم المركزي لصالح علاقة فيدرالية، تُمنح بمقتضاها المحافظات السورية أو الأقاليم سلطة حكم لامركزية تمكنها من إدارة شئونها بعيدا عن مركزية النظام وتسلطه. وبالتالي يتم تقليص سلطاته مقابل تزايد سلطات الإدارات المحلية. حظوظ هذا السيناريو متزايدة حيث تتوافق عليه روسيا والولايات المتحدة، لكن ترفضه كل من تركيا وإيران على وقع أن حصول الإدارات الكردية السورية على وضع أشبه بالحكم الذاتي يزيد من هواجس الطرفين؛ لتأثير ذلك على تطلعات القومية الكردية لديهما.

هذا فضلا عن أن دعم الولايات المتحدة للقومية الكردية السورية كان من ضمن الدوافع التي قاربت بين تركيا وإيران في الفترة الأخيرة، وفرضت عليهما التنسيق سياسيا على أرض الصراع السوري. بل تكاد تدفع إلى تقارب تركيا مع النظام السوري على وقع رفض الأخير لكل ما تقوم به الإدارات الكردية الذاتية الثلاثة من إجراءات لتوطيد وضعها كإدارات شبه مستقلة عن مركز الدولة، والتي انعكست في إجراء انتخابات لاختيار مجالس محلية حاكمة في الجزيرة وعين العرب وعفرين، الأمر الذي يفسر استمرار رفض تركيا لمشاركة الأكراد السوريين في مفاوضات جنيف للحل السياسي حتى الآن.

السيناريو الثالث: استمرار بقاء الحالة السورية على الوضع الذي انتهت إليه في عام 2017، هذا السيناريو بُني على مؤشرات فشل الجولة الثامنة من مباحثات جنيف أواخر العام المذكور، بالإضافة إلى رفض وفد النظام إجراء مباحثات مباشرة مع وفد المعارضة نتيجة لمخرجات مؤتمر الرياض-2، فضلا عن السجال السياسي المتصاعد بين موسكو وواشنطن بشأن إيران بالرغم من التوافق في بعض الإشكاليات الأخرى. هذا التصور يعني استمرار روسيا في رسم خريطة التسوية عبر بدائلها التي فرضتها على الجميع؛ كتفعيل مسارات الأستانة وإجراء جولات جديدة منها، وعقد مؤتمر الحوار الوطني السوري المزمع في فبراير 2018. بل تبدو روسيا عازمة على تفعيل مسار ثالث للتسوية خلال العام المقبل وإن كانت ملامحه لم تتشكل بعد.

خلاصة القول، لايزال مسار التسوية للأزمة السورية قابعا في دائرة التجاذب الدولي الإقليمي من ناحية، والتجاذب بين وفدي النظام والمعارضة من ناحية ثانية، الأمر الذي يعني أن صفقات التسوية لم تنضج بعد، ولم تصل إلى مرحلة التنازلات الكبرى التي تدفع إلى حل حقيقي ونهائي للأزمة في سوريا. لكن في الوقت ذاته بدأ هامش الخيارات المتاحة لحل الأزمة تتحدد معالمه في ظل التحولات النوعية التي اعترت مواقف القوى الدولية والإقليمية من الصراع بصورة وضعت كافة أوراق الضغط المتبادلة بين تلك القوى على طاولة المفاوضات السياسية.

عن موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية