من جنيف 1 إلى 4 مراجعة لمسلسل المفاوضات السورية

Gerelateerde afbeelding
بات للصراع السوري، إضافة إلى مساره الحربي والكارثي والمأسوي، مساره التفاوضي الطويل والمضني والمعقد أيضاً، الذي امتد بين 2012 و2017، أي خمسة أعوام، من دون أي نتيجة ترتجى، من جنيف 1 إلى 4، بما في ذلك مسار آستانة، الذي تم تدشينه الشهر الماضي.

بيد أن المشكلة في ذلك المسار التفاوضي أنه لم يأت نتيجة قناعة الطرفين المتصارعين مباشرة (أي النظام والمعارضة)، بالحوار للتوصل إلى حلول سياسية أو تفاوضية، إذ إن ذلك ليس في قاموسهما، وليس على أجندتهما، وخاصة أن النظام رفض منذ البداية، أي منذ الثورة السلمية، أيَّ حل سياسي، مفضلاً استخدام القوة العاتية في مواجهة أغلبية السوريين، حتى أنه ذهب في مرحلة الصراع المسلح إلى حد استدعاء تدخّل عسكري من دولتين (إيران وروسيا)، مع ميليشيات لبنانية وعراقية وأفغانية، للقتال إلى جانبه، في حين أن المعارضة توخّت منذ البداية إسقاط النظام، بغض النظر عن إمكانات ذلك من الناحية العملية. هذا أولاً. ثانياً، تم رسم المسارات التفاوضية للصراع السوري، في محطاته المتوالية، من الخارج، كتعبير عن إرادة الأطراف الدوليين والإقليميين المنخرطين فيه، بشكل أو بآخر، في محاولة منها لتقطيع الوقت، أو لإضفاء مبررات سياسية على مواقفها المترددة، أو اللاأخلاقية، إزاء مأساة الشعب السوري. وفي غضون كل ذلك، ظل المسار التفاوضي محكوماً بالإرادات الخارجية، أكثر مما هو محكوم بإرادات الطرفين المتصارعين، أو بأولوياتهما، أو بموازين القوى المتحركة أو المتغيرة بينهما. ثالثاً، الأهم أن الأطراف الدولية والإقليمية، والتي تساند كل واحد من الطرفين المتصارعين (النظام والمعارضة)، لم تشتغل على حسم الصراع، أو وقفه، للتفرغ للمفاوضة، وإنما على تسعير الصراع المسلح والإبقاء عليه، لفرض إملاءاتها على الأطراف الأخرى، من دون مبالاة بمعاناة السوريين، ولا بالأثمان الباهظة المدفوعة في هذا الصراع بأشكال مختلفة.

اللافت أن المعارضة السورية، بكل أطيافها السياسية والعسكرية، لم تشتغل على أساس أنها تدرك المعطيات المذكورة أو التداعيات الناجمة عنها على الشعب والقضية والثورة، بل إنها اشتغلت وكأن هذه مجرد تفاصيل هامشية، إذ بدت في مجمل المحطات التفاوضية فاقدة الإرادة، أو ضعيفة القدرة، فضلاً عن افتقادها الرؤية الواضحة بخصوص القضايا التفاوضية، إذا استثنينا شعارها المتعلق بـ «إسقاط النظام»، أو مطالبتها المستمرة بالاستناد إلى مرجعية بيان جنيف1، وفق تفسيرها، والرؤية التي قدمتها «الهيئة العليا للمفاوضات»، إلى الأطراف الدوليين بخصوص مستقبل سورية.

وعدا ما ذكرناه، فإن المعارضة لم تتوحد حتى على صعيد وفودها، إذ تغيرت طواقمها التفاوضية بين جنيف2 و3 و4، ما أضعف صدقيتها، وبدّد خبراتها. هكذا كان يترأس وفد المعارضة إلى جنيف 2 السيد أحمد الجربا، رئيس «الائتلاف» في حينه، يعاونه هادي البحرة كبيراً للمفاوضين. وفي جنيف3 بات العميد أسعد الزعبي رئيساً للوفد، المتشكل من «الهيئة العليا للمفاوضات» التي تأسست لهذا الغرض، وبات فيها محمد علوش (المحسوب على «جيش الإسلام») كبيراً للمفاوضين، أما في جنيف4 فقد غدا نصر الحريري رئيساً للوفد ومحمد صبرا رئيساً للمفاوضين. وربما يجدر التذكير هنا أن وفد النظام بقي على حاله في مختلف المحطات برئاسة بشار الجعفري (وحتى في مسار آستانة).

بديهي أن هذا الكلام لا ينطوي على تحميل المعارضة أي مسؤولية عن إخفاق الخيار التفاوضي، أولاً بالنظر إلى ضعفها، وافتقادها السيطرة على أوضاعها. وثانياً، لأن النظام هو المسؤول عن إخفاق هذا الخيار، مع حلفائه (إيران وروسيا). وثالثاً، لأن الأطراف الدولية والإقليمية الأخرى، التي تبدو متعاطفة مع مطالب الشعب السوري بالتغيير السياسي، إما لم تحسم أمرها (كالولايات المتحدة)، أو أنها غير قادرة وحدها على فرض أجندتها (كتركيا وأوروبا والدول العربية)، لكن هذا الكلام يفيد فقط بنقد إدراكاتها وطرق عملها وخطاباتها، وعدم مراجعتها أحوالها.

والمعنى من ذلك أن المعارضة السورية ليس فقط لم تتواضع بطرح أهدافها، أو مرحلة أهدافها، من دون أن يعني ذلك تخليها عن مطلبها بإسقاط النظام وتحقيق التغيير السياسي، وإنما أيضاً لم تعمل على الموازنة بين ما ترغبه وبين إمكانياتها، فضلاً عن أنها لم تقدم البديل المقنع، في السياسة والبنية والإدارة، إن لشعبها أو للعالم، لا في المناطق «المحررة» ولا في غيرها من ميادين، بل إنها قدمت ما يثير المخاوف منها، ومن المستقبل الذي تعد به السوريين والعالم، والأنكى أنها كانت دائماً تقبل متأخرة ما كانت ترفضه من قبل.

هكذا لم تتقاطع المعارضة السورية، ممثلة بـ «المجلس الوطني» (والفصائل العسكرية) مع بيان جنيف1 (في حزيران/ يونيو 2012)، الصادر عن مجموعة العمل الدولية من أجل سورية، واعتبرت نفسها في حل من عملية التفاوض، من دون أن يعرف أحد كيف يمكنها تحقيق ما تريده، وبواسطة أي قوى أو إمكانات، سوى التعويل على التدخل الخارجي والعمل المسلح.

في مرحلة لاحقة، أي في جنيف2 (2014)، أضحت المعارضة السورية، الممثلة بكيانها الرئيس («الائتلاف الوطني»)، أكثر براغماتية في تعاطيها مع الجهود الدولية، وفي تجاوبها مع دعوات التفاوض التي أطلقها المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي آنذاك، وانخرطت في تلك المفاوضات على قاعدة بيان جنيف1، على رغم تفسيراته المتباينة، سيما أن هذا البيان جرى تدعيمه بقرار من مجلس الأمن الدولي (2118). وطبعاً، فإن هذه المفاوضات لم تجدِ نفعاً، لأن النظام ظل يركز وقتها على رفض تفسير المعارضة لبيان جنيف1، وأولوية محاربة الإرهاب. وأيضاً فقد تمحور النقاش حول حضور إيران من عدم ذلك، والتباين في موقف روسيا والولايات المتحدة من تفسير بيان جنيف، ومن مصير الأسد، ومسألة الهيئة الانتقالية ذات الصلاحيات الكاملة. وطبعاً لم يتم التوافق لا على وقف إطلاق النار ولا الإفراج عن المعتقلين، ولا السماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى المناطق المحتاجة والخاضعة للحصار.

أما مفاوضات جنيف3 (2016)، فقد عقدت بإشراف المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، الذي عين بعد استقالة الأخضر الإبراهيمي، الذي خلف كوفي عنان في هذا المنصب، وفي ظل صعود المعارضة المسلحة، وتضعضع النظام، وهو الوضع الذي استدرج تدخلاً عسكرياً روسياً، بواسطة الطيران الحربي (أيلول/ سبتمبر 2015). والحال أنه عقدت هذه المفاوضات تحت سقف سياسي مختلف عن السابق، ووفقاً للقرار 2254، الذي تم التوافق عليه بين أطراف دولية وإقليمية (أهمها الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والسعودية) في فيينا (أواخر 2015)، والتي توصلت إلى خطة طريق لحل سياسي في سورية (خلال 18 شهراً) بقيام حكومة مشتركة، أو هيئة حكم ذات مصداقية، من النظام والمعارضة، تشمل الجميع وغير طائفية، واعتماد مسار لصياغة دستور جديد لسورية، مع تجاهل مصير الرئيس الأسد.

لم تنجح هذه الجولة التفاوضية أيضاً، إذ أصرت المعارضة على تنفيذ الشق الإنساني من القرار 2254، لجهة فك الحصار عن المناطق المحاصرة، وإطلاق سراح المعتقلين، وتسهيل دخول مساعدات إنسانية للمحاصرين، لكن النظام لم ينفذ ذلك متسلحا بالتدخل الروسي، الذي غير المعادلات على الأرض لمصلحته.

الآن تنعقد الجولة الرابعة من مفاوضات جنيف، مع حلول إدارة أميركية جديدة في البيت الأبيض، وبروز نوع من التباين الروسي- الإيراني، والخصومة الأميركية- الإيرانية، ومع الدخول التركي المباشر على خط الصراع السوري، عبر عملية «درع الفرات».

لكن المؤسف أن المعارضة السورية ما زالت على حالها من الضعف والترهل والارتهان، ولم تقم بما عليها، إن لتعزيز وحدة صفها، أو لجهة طرح رؤى سياسية واضحة، أو لجهة اعتماد استراتيجية تفاوضية جديدة تُحدث فرقاً، مثل طرح فكرة دولة مواطنين، مدنية (لا طائفية ولا دينية ولا عسكرية)، في نظام ديموقراطي برلماني، وفي إطار فيدرالية على أساس جغرافي (لا إثني ولا مذهبي) تكفل عدم وجود مناطق محرومة، أو وجود مركز وأطراف، لأن النظام البرلماني والفيدرالي، في دولة ديموقراطية تكفل الفصل بين السلطات، هو الذي يضع حداً للمخاوف بشأن قيام نظام استبدادي جديد مهما كان لونه أو نوعه.

عن موقع صحيفة الحياة