ومن جديد نَسقية مموزين الأسطورية

 إ.وليد عبد القادر

للحق أقول: ربما تكون الحيرة من جملة أو جملتين كان قد كتبها “مير جلادت بدرخان” في أربعينيات القرن الماضي كمقدمة لواحدة من منشوراته باللغة الكوردية، وذلك في خاصية اسم “مم وزين”، حيث اختزلها بجزم شبه قطعي أن الملحمة اسمها مؤلف من كلمة واحدة متواصلة وهي: “مموزينmemozîn “، وليس “Mem û zîn مم وزين”، ومن ثم إسباغ الصيغة الطوباوية/ التقديسية على “داستان” الملحمة، في جذر ومن جديد لتراكمات وتراتبيات آفاق وعي كان قد تدرج في مجتمع “ميزوبوتاميا” وآلية تأشكل ميثولوجية تواءمت مع نمط وآلية تشكل بنى المجتمع وتقسيماته الإنتاجية المترافقة لتوسع نمط التجمعات أيضاً من مدينية/قروية مستقرة إلى تشكلات رعوية نصف زراعية متنقلة “رحل، كوجر” وما أفرزه كل نمط من تشكل في سياقية الوعي.

وبعيداً عن التنظير، وبانسجام مع تلك الأنماط والتشكلات، وما شاب الوعي البشري من تطورات، كما وبالعودة إلى جوهر واقع “ميزوبوتاميا” والمحيط من خلال التفاعل المجتمعي مع البيئة والانطلاقة منها في سبر الظواهر المنطلقة أصلاً من الطوطمية بمفهومها المرادف في العجز المفرط للعقل والإدراك الإنسانيين في تفسيره/الطوطم وظواهره/وحالة الرهاب التي دفعت إلى إسباغ التقديس عليها.

هذه المظاهر التي تدرجت في السياق المعرفي البشري وتصقلت لتأخذ مناح وأشكال بظواهر تجلت في المجتمعات الزراعية/الرعوية وبطقوس موسمية فرضتها طبيعة الإنتاج ونمطية العيش وتمثلت هنا بظاهرتي الخريف/الربيع اللتين تقمصتا الجذر الفلكلوري الكوردي وموضوعه الأساس الميثولوجي وهي سريالية الموت والحياة أو تلك المرحلة الانتقالية إن في تناص أو تقاص ظاهرة الموت والعودة المجددة إلى الحياة من جديد.

هذا الجدل الذي بقي حتى اللحظة كنوع متضاد وركيزة تموضعت عليها كل تراكمات وعي وثقافة المجتمع الكوردي خاصة، و”الميزوبوتامي” عامة بخاصيتيه الزراعية والرعوية، واللتين على الرغم من تفرعهما إلا أنهما وفي الجذر المتراكب يلتقيان مجدداً، وهنا، وبالعودة إلى السلسلة التاريخية لتطور الوعي كما وتناسب الفهم الميثولوجي/الديني للمرحلة المعاشة مع سلسلة الاكتشافات ومظاهر هيمنة الإنسان على محيطه وتمكنه في التمسك إن جاز التعبير بمسارات جذور نمت ووعت أكثر في فهم للواقع ترافق معها بلورة نمطية جديدة تنطلق من ثنائية/ آبسو الأب وتامات، تعامات الأم/ كإلهين راسخين مستقرين أحدهما هو إله السماء وثانيهما الأم إله الأرض ومن سلسلتهما/كنتاج للخصوبة التي يستولدانها كانت تدفقات الآلهة الأبناء، ولتشدنا السلسلة السومرية، وتستوقفنا أمام “ممو” المكبل بالسلاسل مرافقاً للندى والمياه العذبة والينابيع، وآدار، مارس، آڤدار، ولتقودنا هذه القائمة إلى قوائم الآلهة الأم بتدرجاتها حتى تطل علينا “الإله ننتي” في بداياتها كسيدة أو ربة العضو، ولنتفاجأ بأن الكلمة “ننتي” تعني حواء العبرية وحياة العربية وچين الكوردية.

هنا وبالعودة الى تلك الكلمة/الجملة ستقودنا كمتتبعين إن لمقدمة “مير جلادت بدرخان” أو بالتقهقر لمفهومية التوحيد كظاهرة متقدمة وعتيقة جداً في الذهنية البشرية من جهة، وبدايات تلمس هذه المفهومية في شقها السماوي والذي تبلور في ظاهرتي العبادات الشمسية والقمرية والتي من جديد كانت لمكتشفات تل بيدر على طريق حسكة/درباسية والتي وفرت مقدمات لأساسيات عبادة الشمس سبقت مثيلتها الفرعونية، لا بل إن كهنة كثر ومن سدنة المعابد الفرعونية الذين وقفوا في وجه أخناتون الفرعون معارضينه في عبادة قرص-أتون الشمس كأول مظهر للتوحيد واتهموه بالتأثر بزوجته الميتانية، في وقت كانت السمة الغالبة لهذه الظاهرة في الوعي “الميزوبوتامي” والمعتقد الرئيس هو القمر كمعبود رئيس ولتترسخ الواقعية الملموسة وكنوع مسبق ووعي لربما تأصل كنمطية وجودية متفاعلة في الربط بين الحياة وأساسها الماء وفي دمج تجاوز بالمطلق فرض القوة بقدر ما كان فرض الواقع لصيرورته فكان الماء/مم/و/ژين الحياة، وتلاصقهما كفهم ومضمون ولتتلبس في السياقية الشعبوية في وجه كهنوت متنوع تنوع القوى التي زحفت صوب هذه البقاع وتم الربط التوحيدي من خلال الزعم بدفنهما في قبر واحد ومتلازمة “بكو” والشجرة الدائمة الخضار والشوك الذي لفه الجمهور في وعيه لقبر “بكو”.

هذا التشابك المعرفي وبالتالي التدرج المتناقض والمتنامي في الموقف من الظواهر والدين في إطار نقدي متوائم مع الموروث المتنقل في بيئة “ميزوبوتاميا” و”بوتان” تحديداً كانت قد وردت بعض من سياقاتها في ملحمة “ابن الباجريقي”، المعروفة بـ”الملحمة الباجريقية”، والتي لوحق صاحبها واتهم بالارتداد في دمشق والقاهرة وبغداد وحكم عليه بالموت ومات متخفياً في القابون بدمشق ولم يتبق من ملحمته سوى اثنا عشرة بيتاً في مقدمة “ابن خلدون” على حد قول “ياقوت الحموي” في كتابه “معجم البلدان” أثناء تعريفه بـ”باجريق”، وباختصار شديد، فقد استدرك “مير جلادت” الحلقة المفقودة بين القص/السيرة الشعبية والسرد الميثولوجي وإن غلفها من جديد “متقصداً” بظاهرة توحيد الاسم في سياقية النص المدغم بباطنية معمقة سنحتاج إلى كثير من الجهد لفك طلاسم الكلمات وتراكبياتها من جهة، ومدلولات كثير من بقايا القصص والملاحم الكبرى والواضحة في منهجيتها التي نمت وتطورت في سياقية التوحيد كما هي من وجهة نظرنا المتواضعة عن المثل الكوردي القائل: “تاڤك ژ تاڤين نيشاني هيژايا زير وزيڤي خراساني” .

تدرجات مظاهر اكتشاف ونمو كما استخلاص الإنسان لعصارة الوعي البشري وظاهرة “گري – كجل – لاوك” في الموروث التراثي الكوردي وبالتالي حينما يدمج “كجل” عرسه في هذه السريالية وبنسقية مدهشة عن نمو العقل البشري وهيمنته على الطبيعة وتطويعها وليصل إلى عصارة الفهم الطقسي/الجنسي بصيغتها التلاقحية ومن ثم اختلائه بالأميرتين في نفس الليلة وبمدينته الأساس جاعلاً منها الركيزة/المدينة المقدسة، وحينما خاطب عروستيه وهو متمدد في الوسط بينهما  قائلاً إنه كان قد شاهد حلماً، لِتردا سويةً: اللهم اجعله خيراً!، هات واحك لنا ماذا رأيت؟، فقال: لقد حلمت بأن الشمس على يميني والقمر على يساري، فردتا: وها نحن نطوقك هكذا يا الزوج العزيز!، كل ذلك في ملمح كلي ومتجل لاندماج الكون بشمسه وقمره مع الحكمة الشمولية المتجسدة في شخص “گوري – كجل – لاوك” والمتمظهر بأنماط متعددة تعدد نمط وشكل كما طبيعة الإنتاج.

يُصر “مير جلادت” في طروحاته الآنفة على الفرق الصريح وعدم الارتباط بين “داستانا مموزين” والسير الشعبية، سيما موضوع “ممي آلان”، وإنما الأخريات “ممي آلان” قد تم دمجه بـ”مموزين” وليس العكس.

إن الموضوع أعلاه مجرد استكمال لوجهة نظر كنت ابتدأت به منذ أوائل الثمانينيات ونشرت وجهات نظر عديدة صنفتها في كتاب كان قيد الطباعة لولا بعض الإضافات الضرورية التي أجبرتني على إيقاف الطباعة، لتأخذ الإضافات موقعها في متن الكتاب، والنص أعلاه هو الأهم المتوجب إضافته كتتمة لمبحث “مم وزين نسق أسطوري أم حقيقة واقعة”، كما أن غالبية النص استخلاص لوجهة نظري، منها المنشور ومنها لم ينشر بعد، وموضوع في كتاب قيد النشر.

عن موقع مؤسسة رووداو الإعلامية