الاحتلال توصيفا : كركوك وعفرين أنموذجان

 إ.وليد حاج عبدالقادر

مايجمع زمننا الحالي وأحداثها بالرغم من السنين العديدة التي تتالت منذ التدهور البنيوي والوهن الذي اجتاح مفاصل السلطنة العثمانية وأطارفها التي تفكفكت نسبيا واخذت تعتمد على صياغة سياقية مستقلة ، لابل ان بعضها استطاعت ان تتمرد وتشكل قوة كبيرة هددت السلطنة نفسها وتمكنت بالفعل ان تصل الى حدود عاصمتها آستانة ، ولتنعكس هذه الحالة على المحيط ايضا فتربك دولا كانت قد برزت على السطح بقوتها ونفوذها ، ويبان خشيتهم على هذه السلطنة الهزيلة من التفكك فتتسلق على أشلائها احدى الولايات تحل محلها ، وبالفعل ، وكما هي متواليات اليوم بأحداثها وإن كانت بوتيرة مختلفة نسبية ، فقد كان لقدوم جيش والي مصر محمد علي باشا بقيادة ابنه ابراهيم الذي وصل الى بلدة نصيبين وازداد خشية السلطان محمود الثاني سيما بعد هزيمة جيشه ومقتل العديد منهم ، فحركت روسيا جيش قوامه ١٥ الف مقاتل بناءا على طلب السلطان مما أثار خشية قوية عند الانكليز والفرنسيين فشجعتا على الصلح بين السلطان ومحمد علي ومن ثم إبرام اتفاقية كوتاهية في الخامس من مايو عام ١٨٣٣ وعلى اثرها ولتنظيم الوجود الروسي عقدت هي ايضا مع السلطان معاهدة هونگار اسكله سي في يونيو ١٨٣٣ تعهدت فيها روسيا الدفاع عن السلطنة في حالة تعرضها إن لهجوم المصريين او اية جهة أخرى ، فهي إذن كوتاهية ؟! والتي منها كان خطاب الحرب لإردوغان وفي استعارة تاريخية لذلك الزخم الروسي الذي تدفق له لتسييل لعابه في هجمته الوحشية على عفرين وشعبها من ناحية ، وتناسيهم جميعا لآليات إعادة / او هكذا يظهرون / انتاج المسألة الشرقية وتتبعات أزماتها والتي بات كل متابع لخيوطها يدرك ماهية تلك الكتلة الصلدة التي تتالت وتراكبت عبر حوالي قرنين من الزمن ، والحرص على ان تبقى في دوامة الدوران وبإصرار شديد والحفاظ على جيناتها بالرغم من انتقال ادوات حماية الفرض بالقوة من دول الى أخرى ، ومن هنا ، وباختصار شديد ، وفي قفز متعمد على الإنشاء التأريخي رغم زخم المعلومات والوثائق ! إلا أن التحليل الواقعي يؤكد وفي سياقية ازمات المنطقة منذ عام ١٨٣٠ والتدرج بها من شبه جزيرة القرم وانتقالها بحكم الصراعات وقواعد الجذب قوة أوضعفا مركزيا وبالرغم من ظاهرة التفتت الى قطاعات عدة والتي بدورها تقاطعت من جديد مع زحف ابراهيم باشا على رأس جيش والده محمد علي باشا والي مصر وتهديده استنبول وسلطانها وما تلاها من التدخل الفظيع للدول الأوروبية في شؤون السلطنة مستفيدة من حملات بعثاتها التبشيرية قبلا ، حيث يمكننا هنا الإختزال مجددا والتركيز على تدرجات المسألة الشرقية ومرة أخرى من القرم مرورا بالمستعمرات العثمانية الأوروبية ولتتلاقى على حدها فتلامس الدولة الصفوية وإن كانت اتفاقية مدينة كوتاهية التي منها اعلن إردوغان حربه المجنونة باسم غصن الزيتون وضد بلاد الزيتون و .. هي هنا زبدة التصارع والمحصلة التي تراكبت في بقعة الظلام الغامضة والتي لاتزال كما امسها القوى المتحكمة عالميا ليست عاجزة بل مترددة ، والأصح هي خائفة ان تفتح منفذا فيتسرب كل المردة من قمقم البراكين التي تبدو خامدة ومعها يتمدد فالق البحر الأحمر الى المتوسط فالأطلسي حيث مضيق هرقل او باب المندب ويأخذ مجراه في الطول والعرض ويجتاز البحار والمحيطات الى ارخبيلات اسيا البعيدة وجزرها مرورا بالصين وباكستان الى افغانستان ورابطة الدول المستقلة ، والأهم هنا هي روسيا الإتحادية نفسها ، هذه التشكيلة الجغرافية بخرائطها وشعوبها المتداخلة والتي كلفت اوروبا قرونا من الحروب والتسويات بالترادف مع عمليات تمظهر بالقص واللصق ولتساق كعملية تجريبية / تجميلية في مواقع أخرى انتجت تجارب فاشلة دفعت اثمانها شعوب المنطقة دولا فاشلة انتجت حروبا ودماءا بشرية كثيرة ، إن مآلات منطقتنا بالتحديد والتي كانت ولاتزال تستقر على فوهة الفالق ، – وبتصوري – ووفق التعاطي مع مسألتها كخارطة متموضعة لازالت في نطاقية الإمبراطوريتين المحتلتين كانتا لبقاع وشعوب عديدة ، واللتين لازالتا تمارسان نفسيا وبعقلية وصائية استعمارية كما السابق فترى شعوب المنطقة كلها بقايا اشتات ذي تابعية الهية لها من جهة ، وتدرك من جهة أخرى بأن قوامها كدول تأشكلت أساسا على سياسة القص واللصق فحتمي هنا ان تتلمس في خاصية القص واللصق هاتين المتوقعتين مجددا على كيانيتيهما سيما وهما لاتزالان تمارسان سياسة الظهور بالقوة في الفرض القوموي على الشعوب التي لاتزال منضوية / محتلة من قبلها ، فلاغرو ان نراهما في كردستان العراق حيث ظهر قاسم سليماني يتمختر على رؤوش حشوده في توز خورماتو وكركوك أو أن يشهر إردوغان غصن الزيتون على قاذفات إف ١٦ وبأيادي الكتائب الحميدية التي تسبقه ، فيطرح الوضع علينا مجددا وفي متواليته هذهةكسريالية غير منتهية وهذا السؤال : هل ما تمارسه هذه القوات بمسمياتها هي جيوش فاتحة أم غازية محتلة ؟ .. وهل الميليشيات التي تشكلت في معسكرات / الحرس الثوري / قوات تحرير كما كتائب إردوغان ودرعه الحميدي ؟ .. إشكالية سيعجز الكثيرون الإجابة عليها في الشطر المتلازم والمتماس مع قضية كردستان ، وهي هنا . النقطة او التساؤل التي أثارها الزعيم الكردستاني مسعود البرازاني حينما اعتبر كركوك وتوزخورماتو محتلتين وكشعب كردي في كردستان سوريا ينظر للجيش التركي ودرعه كقوة غازية ومحتلة ، وبقي علي أن أضيف ايضا بأن كل هذه العمليات ليست سوى استدراج ممنهج للدولتين ، والأيام القادمةستنكشف عن قضايا كثيرة ومنها أن هذين الإمبراطوريتين – الصفوية والعثمانية – مازالتا في طوق الحسم المتدرج نحو الفكفكفة الممنهجة وبالترافق والهوينى مسايرة لميلان الفالق نحو مسارات أخرى بعد – ضبضبة – فائض القوة في منطقتنا كلها .

ثمن أن تقول “لا” للحرب في تركيا

 آ.نورجان بايسال

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل. كنت أشاهد التلفاز غير بعيد عن ولديّ وهما يلعبان.
كان ابني الأصغر يلعب بقطع الليجو بينما أخذ الأكبر سنا يلعب على هاتفه. كان زوجي معنا أيضا وبرفقته صديق. ليلة الأحد التقليدية. سمعت فجأة دويا مرعبا. في البداية ظننت أن زلزالا ضرب المنطقة لكني بعد ذلك أدركت أن الصوت مصدره باب المنزل الأمامي. ولأن ذكريات الحرب لا تزال عالقة بالأذهان خطر ببالي أن منزلنا يتعرض لهجوم ويواجه قصفا وإطلاق نار.
صرخت في طفليّ أن يبقيا حيث هما وألا يقتربا. شيئا فشيئا أدركنا أن الرجال الموجودين في الجانب الآخر من المنزل هم عناصر من الشرطة كانوا يحاولون اقتحام باب منزلنا. في الواقع كان الباب قويا جدا لذا بدأ الحائط يتشقق من حوله. وحين عجزوا عن اختراق المنزل من الباب مروا من الحديقة واقتحموا المنزل من المطبخ.
كان عدد ضباط فرقة العمليات الخاصة التابعة للشرطة يبلغ عشرين عنصرا تقريبا مسلحين ببنادق كلاشنكوف وأدوات عسكرية أخرى. كل هؤلاء اقتحموا منزلنا. صوّب الجميع أسلحتهم تجاهي وسأل قائد المجموعة إن كنت أنا نورجان بايسال. وبعد أن أجبته بنعم قال إن بحوزتهم إذنا بتفتيش منزلي. سألته إن كان أيضا يملك إذنا بتحطيم الباب. رد مؤكدا أن الادعاء منحهم إذنا بتحطيم بابي. قلت له إن في هذا مخالفة للقانون وطلبت معرفة اسم ممثل الادعاء الذي سمح له بذلك. لكني لم أتلق أي رد.
دون إطالة في الشرح.. كانت هذه الطريقة التي تم بها اعتقالي. اقتحموا منزلي وهم يعرفون جيدا أن به طفلان صغيران.
وصلنا لليوم الثاني من الاعتقال وحينها بدأت أدرك أن السبب وراء ذلك كان خمس تغريدات لي على موقع تويتر أعارض فيها “الحرب في عفرين”.
هذا هو نص التغريدات الخمسة:
1-     ما يخرج من الدبابات ليس أغصان زيتون بل قنابل. وحين تخرج من الدبابات قنابل يموت الناس.. يموت أحمد ويموت حسن ويموت رودي وتموت موزجين.. إنها أرواح تزهق..
2-    أن تطلق اسم “غصن الزيتون” على عملية حربية.. على عملية تسفر عن سقوط قتلى.. فأنت حقا في تركيا.
3-    اليساريون واليمينيون والقوميون والإسلاميون جميعا متحدون في كراهية الشعب الكردي.
4-    من تظنون أنكم ستنتصرون عليه هنا؟ أي دين وأي عقيدة يؤمن أتباعها بالحرب والموت؟ (كتبت هذه التغريدة بعد أن قامت السلطة الدينية التركية بالدعاء راجية النصر للجيش في إحدى الخطب).
5-    (تغريدة لصحفي آخر أعدت نشرها تحمل صورة لطفل ميت في عفرين) يقول نصها “يا من تريدون الحرب، انظروا لهذه الصورة.. صورة طفل ميت”.
بسبب هذه التغريدات وُجهت لي اتهامات بتبني دعاية إرهابية وبالتحريض على ارتكاب أعمال عدائية. كما ترون فإن هذه التغريدات لا تحمل أي دعاية إرهابية ولم يسبق لي ولن أقوم بأي تحريض على أعمال عدائية أو على العنف. هذه التغريدات تظهر معارضتي للحرب وللموت.. نعم لقد انتقدت سياسات الحكومة التركية.
لقد نشأت في زمن الحرب في ديابكر. بكل أمانة لا أعرف كيف تبدو الحياة العادية. لقد قضيت السنوات العشرين الماضية من عمري وأنا أناضل من أجل السلام والديمقراطية والعدالة والحرية. لقد أنشأت مؤسسات ومنظمات مجتمع مدني هدفها الوصول لحل سلمي للقضية الكردية. وحتى في أكثر الأيام سوادا من عام 2015 خلال عمليات القصف في قلب ضاحية سور في دياربكر كنت أعمل من أجل فتح حوار بين الحكومة والحركة الكردية.
لقد نظمت لقاءات في مكتبي وجمعت فيها أعضاء من الحزب الحاكم ومن الحركة الكردية ومن المفكرين، معا، في محاولة لوقف القتل وسفك الدماء في المنطقة. وبصفتي ناشطة من أجل السلام وحقوق الإنسان قضيت عمري في التعامل مع الهجرة القسرية ومع مجموعات حراس القرى (التي أنشأت للتصدي لحزب العمال الكردستاني) ومع ضحايا حوادث المناجم ومع ضحايا الفقر ونساء تعرضن للاختطاف على أيدي عناصر تنظيم الدولة الإسلامية ومع نزع السلاح.. كنت أتعامل مع جثث تركت في الشوارع وأتولى إعداد تقارير عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
بعد ثلاثة أيام قضيتها في إدارة مكافحة الإرهاب أُطلق سراحي بكفالة لكن صدر أيضا قرار بمنعي من السفر. خلال الأسبوع الماضي تم اعتقال 311 شخصا آخرين لمجرد أنهم قالوا “لا” للحرب في عفرين. إنها دولة تسعى لإسكات كل صوت معارض للحرب. يريدون من جميع قطاعات المجتمع وأطيافه، بما في ذلك وسائل الإعلام، أن يدعموا حربهم.
رسالتي لكل الكتاب والنشطاء والمفكرين والصحفيين؛ نحن لا نتحمل أي مسؤولية تجاه السلطة. إنما مسؤوليتنا تجاه الناس، تجاه الإنسانية والتاريخ والحياة والشباب التركي والشباب الكردي الذين يموتون الآن.. الآن. رسالتهم أيضا لأمهاتهم.
في الأسبوع الماضي هدد الرئيس رجب طيب أردوغان الشعب قائلا إن من يشاركون في أي احتجاجات ضد الحرب سيدفعون ثمنا باهظا.
نعم سيدي الرئيس.. نحن ندفع ثمنا باهظا. لكن صدقوني.. هذا ثمن قضية تستحق. ربما نصل في نهاية المطاف للعيش في حياة وفي سلام. هذا البلد يستحق الحياة.. ويستحق السلام.

عن موقع أحوال نيوز

ليس هناك رابح في الحرب التركية في عفرين , هل تتوسط واشنطن بين أنقرة وأكراد سوريا؟

  
 إ.نوح بونسي

من غير المرجح أن يخرج منتصر من المعارك الجديدة المكلفة بين تركيا والقوات الكردية السورية في شمال غربي سوريا. تشمل الصعوبات التي تواجهها القوات التركية؛ معاداة السكان لها، وتضاريس جبلية أكثر ملاءمة لأعدائها المتمردين المتمرسين في المعارك. كما أن الهجوم يضيف توتراً جديداً إلى علاقات تركيا المتوترة أصلاً مع حليفتها الاستراتيجية الرئيسية، الولايات المتحدة.

كان هجوم تركيا على «وحدات حماية الشعب» الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، متوقعاً منذ وقت طويل. لدى «الحزب» و«الوحدات» ارتباطات آيديولوجية وتاريخية مع حزب العمال الكردستاني، وتركيا تنظر إليها كتنظيم واحد عابر للحدود. بالنسبة إلى معظم المراقبين، فإن السؤال لم يكن ما إذا كان الهجوم سيحدث، بل متى، وأين، وفي ظل أي ظروف.

الآن باتت الإجابات موجودة: في أعقاب تصريح أميركي استفزازي (تم تعديله لاحقاً) فيما يتعلق بتعاون واشنطن مع قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها «وحدات حماية الشعب»، أطلقت تركيا هجوماً جوياً وبرياً ضد عفرين الذي تسيطر عليه «وحدات حماية الشعب» في شمال غربي سوريا.

من المرجح أن تثبت هذه المعركة أنها غير حاسمة ومكلفة لكلا الطرفين. باتت تشكل أصلاً صداعاً مؤرقاً لواشنطن، حليفتهما المشتركة، وتضع ضغوطاً هائلة على علاقات تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بالولايات المتحدة. ما لم يقم الجميع بتعديل استراتيجياتهم، بما في ذلك من خلال العودة إلى عملية سلام أوسع فيما يتصل بتمرد حزب العمال الكردستاني القائم منذ عقود في تركيا، فإنها قد تثبت أيضاً أنها مؤشر على أن الأسوأ قادم.

كان من الواضح منذ وقت طويل أن نهاية الهجمات الرئيسية المدعومة من الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش ستشكّل لحظة حساسة في الشمال السوري. أنقرة، الغاضبة جداً منذ عام 2015 لأن الدعم الأميركي زاد من قوة «وحدات حماية الشعب» (العمود الفقري العسكري لقوات سوريا الديمقراطية) في الوقت الذي يخوض فيه حزب العمال الكردستاني تمرداً نشطاً في تركيا؛ كانت تأمل أن حليفتها في حلف شمال الأطلسي ستخفض دعمها لقوات سوريا الديمقراطية بعد الاستيلاء على معاقل تنظيم داعش.

يبدو أن واشنطن قررت أن تفعل العكس تماماً، أي أن تظل موجودة في المنطقة، وأن تستمر بالاستثمار في شركائها على الأرض. الولايات المتحدة تعتبر «إثبات الاستقرار» في المناطق التي تم انتزاعها من تنظيم داعش أمراً جوهرياً لمنع عودة المتطرفين؛ ولا تريد أن تتخلى عن حليف يمكن الركون إليه ضد تنظيم داعش أمام هجوم قد يشنه النظام السوري في المستقبل؛ وتأمل باستخدام وجودها العسكري للضغط من أجل تحقيق انتقال سياسي في دمشق واحتواء النفوذ الإيراني. إن الهيكليات الداخلية المتماسكة لـ«وحدات حماية الشعب»، وعمليات اتخاذ القرار فيها التي تتسم بالكفاءة، وأداؤها العسكري الكفء يجعلها الجهة المحلية الوحيدة التي يمكن الركون إليها في المحافظة على الأمن وتأمين آلية للحكم. وما من سبب يدعو للاعتقاد أن قوات سوريا الديمقراطية والمجالس المحلية المتصلة بها يمكن أن تستمر من دون «وحدات حماية الشعب» خلال المستقبل المنظور.

أعلنت الولايات المتحدة عن نياتها في 11 يناير (كانون الثاني) 2018، عبر إفادة لمساعد وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد، وفي خطاب وزير الخارجية ريكس تيلرسون بعد 6 أيام. هذا الإعلان عن السياسة الأميركية للمرحلة القادمة، وليس البيان الأميركي الصادر في 13 يناير حول بناء «قوات أمن حدود» تحديداً، هو الذي أثار إحباط تركيا. أنقرة تعارض بقوة استمرار الدعم الأميركي لـ«وحدات حماية الشعب»، حيث ترى فيه تمكيناً لحزب العمال الكردستاني من خلال تعزيز قوة حكم فرعه السوري لمساحة كبيرة على حدودها الجنوبية، وإضفاء الشرعية على هذا الحكم بالأمر الواقع، ومنح النفوذ الدبلوماسي والاحترام الدولي للمنظمة الأم.

رداً على ذلك، شنت أنقرة أكبر عمل عسكري حتى الآن ضد «وحدات حماية الشعب»، في المكان الوحيد الذي تستطيع فعل ذلك فيه دون أن تواجه مباشرة حليفتها في حلف شمال الأطلسي، وهو عفرين. ليس للولايات المتحدة وجود عسكري في هذا الكانتون المعزول جغرافياً والذي تسيطر عليه «وحدات حماية الشعب» في شمال غربي سوريا، والذي وصفته واشنطن دائماً بأنه خارج إطار جهودها لمحاربة تنظيم داعش.

لأن عفرين غير محمية بالمظلة الأمنية الأميركية في شمال سوريا، فهي تشكل هدفاً أسهل لتركيا من المنطقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرقي سوريا. وموسكو، لا واشنطن، هي التي كانت قد وفّرت في الماضي درجة من الحماية الضمنية للمنطقة. روسيا تسيطر على المجال الجوي فوق ذلك الجزء من سوريا، واحتفظت بوجود عسكري ضئيل في عفرين. وكان يُعتقد على نطاق واسع أن موافقتها (أو على الأقل عدم معارضتها) شرط أساسي لأي عملية عسكرية هناك. وبالفعل، فإن رئيس المخابرات التركية حقان فيدان، ورئيس هيئة الأركان العامة خلوصي أكار، زارا موسكو عشية الهجوم. بعد الزيارة، اعترفت روسيا بمخاوف تركيا الأمنية، وحمّلت مسؤولية الأزمة لـ«العمل الأحادي» الذي قامت به الولايات المتحدة (فيما يبدو أنه إشارة إلى السياسة التي أعلنها تيلرسون)، ونقلت قواتها في عفرين إلى مناطق لا تتعرض فيها للأذى. في الوقت الراهن، ألحق هذا القرار ضرراً كبيراً بعلاقاتها الودية السابقة مع «وحدات حماية الشعب»، لكن بالنسبة إلى موسكو فإن ذلك كان ثمناً زهيداً يمكنها دفعه مقابل إثبات عدم إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة؛ بل على العكس، فإن قدرة روسيا على التحكم بالأحداث على الأرض جنباً إلى جنب مع تركيا، كان ذا قيمة أكبر.

لكن من الناحية العسكرية، فإن عفرين تشكل منطقة تطرح تحديات ذات طبيعة خاصة بالنسبة إلى تركيا. «وحدات حماية الشعب» تتمتع بسيطرة عسكرية ولها جذور محلية عميقة. وعلى عكس معظم الشمال الشرقي الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فإن عفرين منطقة مليئة بالأشجار، وجبلية نسبياً وذات كثافة سكانية عالية. وفي حين أن و«وحدات حماية الشعب» محاطة بقوات معادية –تركيا إلى الغرب والشمال، ومجموعات المعارضة المسلحة المدعومة من تركيا إلى الشرق، والنظام السوري إلى الجنوب الشرقي، وجهاديو هيئة تحرير الشام إلى الجنوب– فإن ثمة طريقاً يربط عفرين بالمناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي عبر مناطق يسيطر عليها النظام. وقد تتمكن «وحدات حماية الشعب» من التفاوض مع دمشق على استخدام الطريق لنقل التعزيزات.

من المرجح أن تجد تركيا وحلفاؤها من مجموعات المعارضة المسلحة، التي لاقت صعوبات أحياناً في التقدم خلال هجومها المسمى «درع الفرات» ضد تنظيم داعش في أواخر عام 2016 ومطلع عام 2017، المعركة أصعب بكثير ضد «وحدات حماية الشعب» الأفضل تدريباً وقيادة. وبعد أسبوعين من شن العملية، فإن تقدم القوات التركية وحلفائها يبقى محدوداً، في حين تشير تقارير إلى قتل أكثر من مائة مقاتل في صفوف كلا الطرفين، بالإضافة إلى عشرات الضحايا المدنيين الذين سقطوا في القصف والضربات الجوية التركية.

حتى لو سيطرت تركيا وحلفاؤها السوريون على عفرين، فإنه يبقى من غير الواضح كيف ستتمكن أنقرة من تأمين منطقة يقطنها سكان معادون لها، وذات تضاريس ملائمة لحرب العصابات. الحصيلة الأكثر رجحاناً هي أنه سينتهي الأمر بتركيا في معركة طويلة ضد تمرد قوي ويتسم بدرجة عميقة من الدافعية.

يمكن أن تسوء الأمور على نحو خاص إذا وسّعت تركيا عملياتها إلى منبج، وهي مدينة تقع على الحافة الغربية للمنطقة التي تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب» في الشمال الشرقي، والتي أشار الرئيس إردوغان إلى أنها ستكون الهدف القادم لأنقرة. منبج منطقة متنازع عليها وتتسم بالحساسية. الولايات المتحدة ساعدت قوات سوريا الديمقراطية في انتزاع السيطرة عليها من «داعش» في عام 2016، وأكدت لتركيا حينذاك أن «وحدات حماية الشعب» ستنسحب من المدينة والمناطق المجاورة لها غرب نهر الفرات بعد الاستيلاء عليها. لكن عملياً، «وحدات حماية الشعب» مسيطرة هناك من خلال شركاء محليين. واشنطن، التي تعي أن تعهدها لم ينفَّذ بالكامل، نشرت قواتها الخاصة في بعض الأحيان في المنطقة لردع هجوم تركي. إذا قررت تركيا توسيع هجومها الحالي هناك، فإنها ستوسع بذلك انكشافها أمام هجمات وحدات حماية الشعب، وستخاطر بإلحاق أضرار أكثر عمقاً بعلاقتها مع واشنطن، حيث يمكن للقوات التركية والأميركية أن تصطدما.

قد يؤدي هجوم عفرين إلى تعزيز قوة القيادة التركية في الداخل مؤقتاً. لكنه ينطوي على مخاطر كبيرة ومن غير المرجح أن يضعف «وحدات حماية الشعب» كثيراً؛ بل إن الهجوم قد يشجع حتى حزب العمال الكردستاني على القيام بتفجيرات في المدن التركية، وهو تكتيك أحجم عنه الحزب على مدى العام الماضي (على الأرجح بناءً على طلب من واشنطن نُقل من خلال وحدات حماية الشعب). من غير المرجح أن تكون نهاية هذه المعركة لصالح أي طرف، بل إنها تُبرز مدى إلحاح الحاجة إلى معالجةٍ بشكل بنّاء أكثر الصراع بين تركيا (من ناحية) وحزب العمال الكردستاني و«وحدات حماية الشعب» (من ناحية أخرى)، والتناقضات المرتبطة بذلك في السياسة الأميركية.

تمكنت أنقرة من إلحاق خسارة كبيرة بحزب العمال الكردستاني في السنوات الثلاث من القتال جنوب شرقي تركيا، والذي أعقب انهيار محاولات التوصل إلى سلام في عام 2015. إلا أن ذلك كلفها غالياً. ولا يزال حزب العمال الكردستاني واثقاً في مقره في شمال العراق، وتواجه تركيا احتمالات أكثر قتامة –وقيوداً جيوسياسية هائلة– داخل سوريا. تستطيع تركيا شن هجمات تلحق ضرراً كبيراً وتزعزع الاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب، لكنها لا تمتلك مساراً واضحاً نحو النصر العسكري هناك.

بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني، فإنه خسر «جيلاً» من المقاتلين (كما قال لي أحد كوادره) في المعركة التي يمكن القول إنها عززت من قوة خصومه سياسياً. وما من سبب يدعوه لتوقع نتائج أفضل من حملات مسلحة أخرى في تركيا. يمكنه أن يستمد القوة والشجاعة من استمرار نجاح فرعه السوري، الذي تلوح أمامه احتمالات سياسية وعسكرية واعدة، لكن، كما ذكرت مجموعة الأزمات في مايو (أيار) 2017، فإن ذلك يعتمد على إيجاده وسيلة مناسبة لتحاشي هجوم تركي طويل.

بدلاً من السعي المكلِّف نحو أهداف دونكيشوتية، حيث أوراقهم فيها الأضعف، فإن من مصلحة تركيا وحزب العمال الكردستاني و«وحدات حماية الشعب» الدخول في بعض المقايضات المصلحية، أي تنازلات عسكرية لحزب العمال الكردستاني في تركيا (مثل وقف إطلاق نار وسحب الأسلحة من التراب التركي)، مقابل عودة أنقرة إلى عملية السلام وقبولها باستمرار سيطرة «وحدات حماية الشعب» داخل جزء كبير من الشمال السوري.

العقبات كبيرة جداً، لكن ليس من المستحيل التغلب عليها. وخلال قيام المسؤولين الأميركيين بجولات مكوكية بين حلفائهم المتحاربين في محاولة لاحتواء القتال الحالي، عليهم أن يبدأوا باستكشاف الإمكانيات المحتملة لإبرام صفقة نهائية يقدم فيها حزب العمال الكردستاني تنازلات على أحد جانبي الحدود مقابل تنازلات تركية على الجانب الآخر. من دون مثل هذا التفاهم، فإن مقاربة واشنطن الجديدة في سوريا ستلحق الضرر بحليفيها كليهما، وهما اللذان تحتاج إلى تعاونهما إذا أرادت أن تلعب دوراً في تسوية الحرب في سوريا.

عن موقع جريدة الشرق الأوسط